القصة: الخاتم الأحمر ...قراءة نقدية في قصة (الخاتم الأحمر) للكاتب مجيد الكفائي/ العراق.

القصة: الخاتم الأحمر ...قراءة نقدية في قصة (الخاتم الأحمر) للكاتب مجيد الكفائي/ العراق.


بقلم: محمد أبو نور الخفاجي/ العراق.

لم يكن يحلم... كان يسمع صوتها انها قريبة من منضدته امرأة متوسطة الطول بيضاء أنيقة ترتدي ثيابا وردية اللون صوتها فيه نغم دافئ وعيناها سوداوان يفيض منهما الحب والحنان نظر إليها وهو مندهش تسأليني سيدتي؟
أجابته برقة هل رأيت خاتما بفص أحمر اللون؟ نسيته قبل لحظات على هذه المنضدة تلعثم بادئ الأمر ثم نظر إلى المنضدة وكأنه يبحث عنه ثم رفع رأسه إليها لم أره سيدتي ربما ضاع منك في مكان آخر أدارت وجهها وهي تهم بالانصراف لكن كلمة نطقها أوقفت قدميها
التفتت إليه.. ماذا قلت؟
أجابها قلت هل تعرفينني؟
حدقت بوجهه.. وجه حزين رسم الزمن عليه علامات بارزة عيون غائرة ولحية خالطها الشيب.. ملامح لم ترها من قبل.. تبسمت في وجهه وقالت: لا أظن أني أعرفك؟
فهل تعرفني أنت؟
أخرج الخاتم من يده وضعه على المنضدة ثم قال لها: اعتقد أن الخاتم يعرفني فقد اشتريته لك قبل عشرين عاما.
................................
القراءة:
نبدأ من عنوان النص (( الخاتم الأحمر))... الخاتم يمثل علاقة ارتباط وحب بين شخصين ويحمل مدلولاً عاطفياً رومانسياً لمكان لقاء معين أو زمان مماثل، كذلك يمثل تخليداً لذكرى ما وحدث محبب يراد له أن
يبقى مستمراً مداماً بدوام وجود الخاتم... وهنا الخاتم موصوف بالتحديد باللون الأحمر وفي الألف واللام تحديد أكثر لخاتم معين لونه أحمر... لكن لماذا اللون الأحمر؟... وذلك لما يمثله هذا اللون من حيوية ونشاط وما يدل عليه نفسياً وحسياً من عاطفة ورومانسية بوضوح كبير، فهذا اللون أشد الألوان وضوحاً وكثيراً ما تحبه النساء... وهو فائض بالمشاعر؛ فلون الورد المحبب عادة ما يكون أحمرَ/ والقلب عادة ما يرسم باللون الأحمر... وأيضا يقال أن اللون الأحمر منشط للذاكرة وهو ما سنكتشف في ثنايا قراءتنا للنص.
يبدأ النص بهذه العبارة (لم يكن يحلم)... وهو ما وضعنا في لب الحدث بواقعية ومباشرة دون تخيل أو ابتداع... قــام النص على حوار متبادل بين طرفي القصة القصيرة، كان فيه الطـرف الأول وهو الذي بُدأ به السرد القصصي للشخصية الأساسية يعتمد على الأفعال المضارعة التي يراد منها الاستناد على الوقت الحاضر (يحلم- يسمع – يفيض) واستمرت هذه الوتيرة إلى نهاية القصة.
كذلك تم تقوية عنصر اللون وما له من دلالة حسية لتخيل ورسم ملامح الشخصية الثانوية أو المساعدة في السرد ( امرأة متوسطة الطولة بيضاء ... ترتدي ثياباً وردية اللون... عيناها سوداوين) والملاحظ أن هذا السيل اللوني كان وصفاً مدروساً للتأكيد على الوقع المكاني والزماني وتذكره بالتفاصيل...
والذي استعمل فيه الكاتب الفعل الماضي مع الطرف الثاني للحوار وتلك الشخصية الثانوية المساعدة.
أيضا غير الكاتب بحرفية في الواقع الزمني للسؤال والجواب بتقديم الجواب على السؤال (تسأليني سيدتي) سؤال هو جواب في الأصل بفعل مضارع، فكان الجواب الذي هو سؤال في الأصل (هل رأيت
رأيتَ خاتماً بفصٍ أحمرَ)... وبفعل ماضي يعكس الفقد للذاكرة القريبة في زمانها ومكانها... وهو ما نقرأه في عبارة (نسيته قبل لحظات على هذه المنضدة)... ثم عاد السرد للفعل المكاني الزماني الحاضر (تلعثم – نظر إلى منضدة كأنه يبحث عنه )... ثم حول الزمان والمكان حين الحديث عن المرأة السيدة الشخصية المساعدة إلى ماضٍ (سيدتي ربما ضاع منك في مكان آخر)... ثم استمر الفعل الماضي في سرد يخص نفس الشخصية (كلمة نطقها- أوقفت قدميها- التفتت)... بعدها تم تكرار تحويل الجواب إلى سؤال وبالعكس السؤال إلى جواب (ماذا قلت؟)... بفعل ماضي على لسان السيدة سؤال جواب في الأصل، ليأتي الجواب الذي هو جواب في الأصل (هل تعرفينني؟) وبفعل مضارع يلتزم الحــاضر زمانياً ومكانياً... وهنا أخذ الزمان بعداً أكبر بعبارة تصف الشخصية الأساسية (وجه حزين رسم الزمن عليه ملامح بارزة عيون غائرة ولحية خالطها الشيب)... جاء بعده القول الذي أكد على عدم
انعاش الذاكرة للشخصية الثانوية المساعدة في طرفي الحوار والسرد (ملامح لم ترها من قبل)... وهنا كانت المحصلة النهائية التي من شأنها أن تضع النقاط على الحروف واليد على الجرح بجواب المرأة البيضاء وردية الثوب المضيعة للخاتم ذي الفص الأحمر (لا أظن أني أعرفك؟)... بفعل ماضٍ يدعم فقد الذاكرة... ثم أردفت قائلة مشيرة للحدث الزماني والمكاني الحاضر (هل تعرفني أنت؟)... والآن صار الخاتم هو الفاصل والحاكم الأخير في خصم النزاع في طرفي الحوار بين الذاكرة المعدومة والمحاولة لإنعاشها (أخرج الخاتم من يده ووضعه على المنضدة)... (ثم قال لها) في الزمان والمكان الحاضر (اعتقد أن الخاتم يعرفني؟!)... مع تحديد البعد الزماني والمكاني للفترة التي تم فيها تسجيل لحظة ما لتكون محفزة للذاكرة بالعبارة الخاتمة (فقد اشتريته لك قبل عشرين عاماً) وهنا كان الفقد للحب والحنان والعاطفة المتبادلة مع فقد لحظة تخليدها ونسيانها وجعلها لحظة عابرة تمثلت في ضياع الخاتم بسهولة ويسير وبفترة قصيرة لحظات... القصة جميلة جداً وبواقع سردي مكثف تميز بالحركة والتصوير الموجز المختزل المضفي على القص عنصر اللون وقدرته على رسم الحدث وتوصيف ملامح شخوصه وبحوار اعتمد على التقديم والتأخير للسؤال والجواب وبالعكس مع خاتمة مباغتة درست بحذق وعناية لتصل للمتلقي بقدرة فنية مبدعة، عالية الجودة
شارك هذا المحتوى فى
المشاهدات : 82 عدد التعليقات : 0 أضيف فى : 30/12/2016

إرسال تعليق

دخول برمجة :