من ذاكرة التاريخ الاعالمى

من ذاكرة التاريخ الاعالمى

كتب_اشرف المهندس
في 8 يونية 1954، نشرت صُحف بريطانيا خبرًا عن انتحار عالم رياضيّات شهير يُدعى ألان تورينج، الذي وجدته خادمته ميتًا في سريره، وبجواره تفاحة مقضومة، يبدو أنه انتحر في اليوم السابق للعثور عليه.
قبل ذلك بأكثر من عِقد، بين 1939 و1945، خلال الحرب العالمية الثانية، كان الألمان يعتمدون شفرة حيّرت كل أعدائهم، واعتبروها سرّهم الأخطر على الإطلاق، والذي يمكنهم من تداول الأوامر والمعلومات بمعزلٍ عن تسريبها، حيث كانوا يعتمدون على آلات تشفيرٍ، تحول الرسائل لحروفٍ هجائيةٍ مُختلفة أو ذات ترتيبٍ معين، تُعاد ترتيبها إلى الرسالة الأصلية في جهازٍ مشابه لدى المتلقي، وكان يصعب على أي أحدٍ يعترض تلك الرسائل فك تشفيرها، بحسب بي بي سي.
بريطانيا حيرها سر شفرة «إينجما»، جوهرة تاج الألمان، وأرادت اختراقها، لذلك كونت فرقة من خبراء وعلماء في الرياضيّات والشفرات سُمّيت «Hut 8»، وكان عالم رياضيات نشر في 1936 ورقة بحثية عن نظام تشفير وتحليل قادر على القيام بعملياتٍ مختلفة، واعتُبرت تلك الورقة مهدًا لعلم الحاسوب فيما بعد، ورأى المسئولون عن «Hut 8» ضرورة وجود صاحب تلك الورقة بين فريقهم السري، ذاك العالِم كان آلان تورينج.
بعد تمكّن الحكومة البريطانية من الحصول على بعض المعلومات عن «إينجما»، تمكّن «تورينج» -بشكلٍ عشوائي- من تطوير آلة يُمكنها فك الشفرة في رسائل الألمان، وكان هذا النجاح باهرًا بعد عامين من العمل، ولضخامة هذا الاكتشاف سُمي حينها «The Bomb – القُنبلة»، وكان لفك شفرة «إينجما» دور مُباشر في تعطيل تقدم القوات الألمانية وحلفائها، ما أسرع بإنهاء الحرب، وانتهاء هتلر ونظامه النازي في 1945.
استكمل «تورينج» العمل على جهازه «القنبلة» بعد الحرب، إلى أن كشف عمّا يُعتبر نموذج أولى للحاسب الآلي، وهو الكمبيوتر التخزينيّ ACE – Automatic Computing Engine، والذي يُخزن البرامج على ذاكرته الداخلية، وهذا النموذج فتح المجال للتطوير الأمريكي فيه على نحوٍ موازي.
«تورينج» كان مثلي الجنس، وهو ما أنهى علاقة مع عالمة رياضيات كان تعرف عليها قبل، وفيما كانت المثليّة بين الرجال ممنوعة قبل عام 1967، أتُهم «تورينج» بالمثلية مع شابٍ صغير في 1952، وبدلًا من دخول السجن، ارتضى «تورينج» الخضوع لعلاجٍ كيميائي لضبط هرموناته، لتصحيح ميوله الجنسيّة، لكن مشاكل «تورينج» لم تنته، إذ خرق تصريحه الأمني، وترك العمل مع دائرة الاتصالات الحكومية، وسافر إلى النرويج، ثم اليونان، فاعتبر خطرًا على الأمن، وتعرّض للمطاردة من قبل الشرطة.
في ليل 7 من يونية عام 1954، دخل آلان تورينج، غرفته، وقضم قطعةٍ من تفاحته، ثم ابتلع أمبوبة السيانيد السام، ليلقى حتفه على الفور عن عمر 42 عامًا، لتجده خادمته في اليوم التالي ميتًا على سريره.
في 2013 وبعد أكثر من نصف قرنٍ على وفاته، منحت المملكة المتحدة «تورينج» عفوًا ملكيًا، وتم محو جميع جرائمه التي أدين فيها، وعرف العالم بعد نصف قرنٍ، أن «تورينج» كان سببًا لإنهاء الحرب العالمية الثانية، وأن جهازه ذاك هو مهد تكنولوجيا الحاسب الآلى الآن. تم تقديم قصة حياة آلان تورينج في 2014 في الفيلم الشهير The Imitation Game.
شارك هذا المحتوى فى
المشاهدات : 64 عدد التعليقات : 0 أضيف فى : 8/1/2017

إرسال تعليق

دخول برمجة :