كلمات حضنت تاريخ الوطن فارتوى الجسد حتى فاض

كلمات حضنت تاريخ الوطن فارتوى الجسد حتى فاض

في
ديوان { آخر حكايات سهرانة }
لشاعر العامية / عبده الزراع
بقلم / حسن غريب أحمد
كاتب وناقد
****************************************************************
بعد ما قرأت الديوان " آخر حكايات سهرانة " للشاعر عبده الزراع ـ الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة نجد أنفسنا أمام شاعر يتعرف على الذات الصانعة المبدعة التي أخرجت حصيلة فكرية شعرية للوجود وما لمسته من خلال التجربة الأولى والتجربة الثانية ذلك التراوح الثري التحاوري والصراعي المتأجج في معظم القصائد والمتمثلة بكل رموز الحب والجهود الممزوجة بالخنوع والدعة والاستسلامية والهلاك .
عن حبه للقاهرة بعشق مشبوب و روح فلاح مبتلي قادم من الريف يتحدث مع الإنسان بكل ملامح القوة والضعف فيه فيعري أوضاعه ويضخ دماء ساخنة في الشرايين تقضي على كافة أسباب التخثر وتجدد بدفئها ما أفسده الزمن الرخو لاستعادة الاستقامة و الصمود في مدينة المعز الفاطمية القاهرة .
نقرأ في الديوان فتتراوح أمامنا الكثير من المداخل الملونة لا تدري إن كان هذا الشاعر العاشق يغازل الريف والترع أو القرية أو القاهرة الشامخة بداخله بكبرياء أو الوطن التي تسيطر عليه من أول حرف في الديوان حتى المطاف الأخير في السطور الأخيرة من الديوان نفسه تراه يتراوح بعذابات عشقه النبيل أم إنه سجين ولهه الريف في القاهرة الكبرى الممتدة من الماء إلى الماء فترى القرية وطناً والقاهرة وطناًوالوطن سياجاً منيعاًلهذا البلد وخطوط دفاعها وهجومها وسببا جوهرياً في انكساراته وانتصاراته فكل قصائد الديوان تحمل فيها الرمز المحبب و الواضح و البسيط كما تحمل أدوات توعية وتنوير ، وتصحيح أوضاع قائمة لاقتفاء مسارات إنسانية أصيلة تتجه نحو الحب المضمون في كينونة راقية، ومجتمع يعيش فيه العدل مهاباً والكرامة مصانة .
" تراتيل مساريق " بين الجمال والألم ، إن ذات الشاعر وهي ( الأنا ) تحيك للموضوع بما يسمى بالأدب الشعبي أو الشعر الشعبي تسابق الرؤية تتلاحق بلهف مستحب القارىء فالإهداء في الديوان يقول : ( إلى روح والدي الطاهرة إلى هناء مطر الزوجة والحبيبة وآخر حكايات سهرانة في قلبي ).
والوالد أو ( الأب ) يلعب دوراً كبيراً في حياة الغالبية من أفراد الأسرة منذ آلاف السنين ونسجت حوله قصص كثيرة .
في الحفاظ على أقوات ما يحيط به وأصبح عنصراً بارزاً ينال تقدير الجميع لما له من ارتباطات وشيجة في الاقتصاد الأسري ولقمة العيش .
أعطاه الشاعر أهمية كبرى كمقاتل عبر التاريخ والمكان كفارس أسطوري للدفاع عن لقمة العيش أو لأية محاولات لاقتضابة أو اختزاله حيث تساهم الأم في مقاسمة الأب فيما تنتجه وتقدمه الأرض.
أما ( الزوجة ) فهي رمز لمحاولات البقاء أو الحياة فإن ( الزوجة ) المقاتلة التي كانت تاريخاً قادراً كحارسة للزوج والأراضي الخير المنتشرة في كل ربوع مصر دون أن تريق دماء ، من خير الأرض .
إن رمز (ضاعت كل ملامح الشارع ) الذي يتجلى في إحدى قصائد الشاعر لهي قصيدة فلكلورية يقوم بدور الراوي لما يدور من أحداث في الواقع القاهري وفي القرية والسواقي والنخيل وحور الأشجار وفلاحيه ومزارعيه بملامحهم الحزينة المكلومة من كثرة ما يعانونة من حياكة الدسائس والحاجة .
من مصائد الضياع إلي مرافيء الحياة الكريمة .
وفي تجوال متواضع مع بعض المختارات في ديوان للشاعر : عبده الزراع والصادر عن سلسلة الجوائز بالهيئة العامة لقصور الثقافة سنلاحظ التداخل بين ذاته الشعرية وذاته المتقمصة وكأنهما لسان واحد يروي الأحزان بالافراح والسخط بالقناعة و التدين بالتصحيح و توعى و تنير العقول حروف القصائد رجمها سياط على ظهور الجبناء و قناديل ضوء للمكفوفين ويزرع برزخ للاخراج من مصائد الضياع إلى مرافئ الحياة الكريمة يقول الشاعر فى قصيدته : " عاشق لحبات النوى " ص 59
ملوية جوانا
انحناءات الحفر
كفر الشوارع
مزلقان
آخر رصيف
فى مهجتى
من طيف قديم
راكن على حى المغيب
الشيب يطرقع
فى صوابع جدتى
و يبوح بتفاصيل الحواديت
الـــــورق
فصل الحدود عن حتتى
حلم البلاد اللى أنسرق
و أنا كنت إمبارح
طفل ما اعرفش البكا
ساند الاحلام على صدور
الشتا
و فى موقع آخر من قصيدة "" عيون البنفسج "" ص 33 يقول الشاعر :
يا بنفسج
أنا باعشق اللون اللى واخد
ضحكتك
بين الكفوف
مجداف هواك
اللى راسم بسمتك
فوق الشفايف
قلبى اللى خايف
يمشى ف طريقه
اللى أتولد
من رمش طاير فى الهوا
بيرفرف
عطشان لحضن الدفا
منبع وفا
مس الوتر
فى هذه الأبيات نرى الشاعر : عبده الزراع يتجلى فى تصوير مهاراته فى مخاطبة شخوص معينة و شريحة معينة فتترجم أحساسية أملاً يكاد يكون صفواً لليأس أو أملاً ميئوساً منه يحس كما يلاحظ أحياناً نوعاً منه التشخيص أو تقمص ( الليل و النيل و الصحبة ) لروح الشاعر فيتحدث باسمه و إذا بنا نلاحظ كم الانكسارات النفسية و الإخفاقات تتمحور و تتوالد بشكل متتال أو متسابق على شكل دوائر تكبر و تكبر تجسد حدثاً أو جملة من الأحداث و الصور غارقة بالذكريات مبلولة بجمالها للصحبة و بوحا من التباريح تصل فيه مناجاته الوطنية فى حب يرادف حبه للنيل و سخرية و امتعاضا من كم الخنوع و المذلات التى تتناءى فيها المسافات لإعادة وجه بلده الحقيقي المطموس بفعل فاعل .
إن الشعر عند الشاعر المتميز : عبده الزراع كائن حى يتنفس له شهيق و زفير يأكل و يشرب يتجول فى بساتين الوجود المخضرة و يتسكع فى شوارع المحرومين المقفرة هو الفارس و هو الصعلوك هو الثرى الشبعان و هو الفقير و هو إعادة الوجه المشرق للوجود بكلماته العالية الحس الشعرى فى مجال العامية.
إن الشاعر له رؤيته و رؤاه بريشته الشعرية الصادقة أداة السرد ما هو كائن ظلماً و ما ينبغى أن يكون عدلاً فى شكل حدوته على نمط التفعيلة التى عرفها الشعر الحديث و تشارك مع بقية الأدوات المستعملة فى التصوير الموسيقى – لقد رأينا أن كل المقاطع الشعرية تعيش حالة لهاث و تسابق مع المقاطع الأخرى أو محاولة اللحاق بها و الالتصاق بالمقطوعات الأخرى كأحداث تتوالى فى شريط سينمائى إخراجه قائم على تكنيك القصة القصيدة .
أخيراً من خلال هذا الإبحار المختصر المتواضع فى ديوان ( آخر حكايات سهرانه ) للشاعر : عبده الزراع أحد أعمدة الوهج و النور فى مصر و الوطن العربى --- رأينا كيف أخذ بناصيته اللغة بيد واحدة و حولها كمشرط سلس التحرك بين يديه فى عملية تشريحية للواقع الاجتماعى المصرى – ابرز فيه – مواطن الخلل و العلل و بيد أخرى حمل مباضع العلاج و الشفاء الذى يضخ فى الشرايين و الأوردة أملاً واعداً لإنهاء كافة التقرحات عن جسد السلبيات و إعادة إشراقة الحياة لها
إننا أمام توءم " صلاح جاهين "" ملحمى جديد نذر حياته من أجل تغيير سلبيات قائمة أو مفروضة و نستحق أن تقول أن ( عبده الزراع ) شاعر العامية الذى حفر اسمه و بقوة فى خارطة شعر العامية بكلمات حضنت التاريخ فأرتوى لها الجسد و الأرض معاً .
انتهــــت
شارك هذا المحتوى فى
المشاهدات : 64 عدد التعليقات : 0 أضيف فى : 8/1/2017

إرسال تعليق

دخول برمجة :