تهنئة غير المسلمين بأعيادهم /بقلم محمد سعيد أبوالنصر

تهنئة غير المسلمين بأعيادهم /بقلم محمد سعيد أبوالنصر

/بقلم محمد سعيد أبوالنصر
الإسلام دين الرحمة والسلام والبر والصلة وقد أمر أتباعه بالإحسان إلى الناس جميعًا بشتى صوره، وكلما دارت السنة ولف الفلك دورته، واقترب حلول أعياد رأس السنة الميلادية بالنسبة للمسيحيين سمعنا تساؤلات كثيرة، ورأينا لبعض المسلمين مواقف شتى، فما يجب على المسلم في هذه المناسبات وما هو الموقف السليم الذي ينبغي أن يقفه.
معنى العيد :
العيد : بكسر العين جمعه أعياد ، وهو كل يوم يحتفل فيه بذكرى كريمة أو حبيبة أو حدث هام ،والعِيدِيَّة: هَدِيَّةٌ تُعْطَى بمُنَاسَبَةِ العِيد ، والمُعَاوَدَةُ الرجوع إلى الأمر الأول، وكلمة العيد تطلق على ما يعود ويتكرر، ويغلب أن يكون على مستوى الجماعة، سواء أكانت الجماعة أسرة أو أهل قرية أو أهل أقليم، والاحتفال بهذه الأعياد معناه الاهتمام بها ،والمناسبات التي يحتفل بها قد تكون دنيوية محضة وقد تكون دينية أو عليها مسحة دينية، والإسلام بالنسبة إلى ما هو دنيوي لا يمنع منه ما دام القصد طيبًا، والمظاهر في حدود المشروع، وبالنسبة إلى ما هو ديني قد يكون الاحتفال منصوصًا عليه كعيدي الفطر والأضحى، وقد يكون غير منصوص عليه كالهجرة والإسراء والمعراج والمولد النبوي، فما كان منصوصًا عليه فهو مشروع بشرط أنْ يُؤدى على الوجه الذى شرع، ولا يخرج عن حدود الدين، وما لم يكن منصوصًا عليه ففيه الخلاف الذي سنذكره
المقصود بعيد الميلاد المجيد :
المقصود بعيد الميلاد المجيد هو اليوم الذي يحتفل فيه النصارى بذكرى مولد السيد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام ، وقد وردت قصة عيد الميلاد في إنجيل لوقا وإنجيل متى ،ولكنَّ أول ذكر لاحتفالات عيد ميلاد المسيح ورد عام 336م في تقويم روماني قديم جاءت الإشارة فيه إلى يوم 25 ديسمبر على أنَّه يوم الاحتفال ، وظل هكذا خلال العصور الوسطى ،وبحلول القرن السابع عشر الميلادي تبنى كثير من الدول الغربية تقويمًا معدلًا يسمى التقويم الجريجوري حتى الآن ،وفيه صار الأول من يناير عيدًا لرأس السنة الميلادية ، ويحتفلون به بصور تتسم بكثير من البهجة والسرور والتزاور وتبادل الهدايا الصغيرة فضلًا عن الممارسات الدينية التي تبدأ عند معظم النصارى في أقرب يوم أحد في يوم 30 نوفمبر ،وهو يوم عيد القديس أندراوس أحد حواري السيد المسيح الأثنى عشر ،وأقرب يوم أحد هو أول أيام المجيء أي قدوم السيد المسيح في يوم الميلاد كما يعتقدون ،ويصل موسم عيد الميلاد ذروته بقداس منتصف الليل أو الصلوات الدينية الأُخرى عشية عيد الميلاد ، وينتهى موسم العيد في يوم 6 يناير .
البداية الكبيرة للاحتفال :
نظرًا لحميمية الترابط الوطني بين المصريين والتي تغيظ أعداءها ، فإنَّ أكثر المسلمين منهم يحتفلون بعيد الميلاد المجيد ، وعيد شم النسيم احتفالًا اجتماعيًا ، يعبرون فيه عن سماحتهم ،وحسن تعاملهم مع المسيحين من الأقباط ، وبرز ذلك جليًّا في مطلع القرن العشرين الميلادي بعد محاولات الفتن الطائفية التي أثارها الاستعمار ، ولا يزال الأعداء يثيرونها فوقوق الاقباط بجوار إخوانهم المصرين ضد الاستعمار جعل التلاحم بين المسلمين والمسيحين كبيرًا ،وكأنَّ المصرين أرادوا أنْ يقولوا لهم كما وقفنا صفًا واحدًا ضد العدو المحتل فنحن شركاء وطن ، ونحترم احتفالاتكم من الناحية الاجتماعية ، صحيح نحن لا نقر بعقيدتكم من الناحية الدينية لكن نحترمكم من الناحية الاجتماعية نظرًا لموقفكم المشرف تجاه الاستعمار وحيال المحتل.
الاحتفال ديني أم اجتماعي ؟
بعض الفقهاء نظر الى هذا الاحتفال ووصفه بأنَّه احتفال دينيّ ، وبعضهم وصفه على أنَّه احتفال اجتماعي، والذي وصفه على أنه احتفال دينيّ جاء حكمه بل وحكم جميع الفقهاء إلَّا القليل على أنَّه حرام شرعًا ، أما الذي وصفه بأنَّه احتفال اجتماعي ،فهذا حتم علينا بحث المسألة وعرضها على السادة العلماء ليتناقشوا في حكمها من الناحية الاجتماعية ،وهل يجوز الاحتفال من الناحية الاجتماعية أم لا ؟وبداية علينا أن نذكر بأنَّ الفقهاء قد اتفقوا على التالي :
حرمة الاحتفال بعيد الميلاد المجيد من الناحية الدينية فلا يجوز للمسلم أنْ يعتقد بأنَّ الاحتفال بعيد الميلاد المجيد وعيد شم النسيم قد صار احتفالًا دينيًّا إسلاميًّا.
كما لا يجوز للمسلم أنْ يمارس الطقوس والصلوات الدينية غير الإسلامية المعروفة في هذه المناسبات عند أصحاب الأديان التي تعدها أعيادًا دينية.
ولا ينبغي من المسلم أن يندمج مع أهل الكتاب وينسى خصائصه الدينية ويصبح وكأنه نصراني أو يهودي.
على المسلم أنْ يظل محتفظاً بشخصيته الإسلامية وبهويته الدينية وبشعائره المتميزة ولا يجامل في هذا الأمر.
كما لا ينبغي أن نذيب الفوارق بين الأديان بعضها وبعضها، ما يدعوا إليه بعض الناس من وحدة الأديان وتذويب الفوارق بينها هذا مرفوض لأنَّ كل دين له خصائصه، لا يمكن أن نثلث التوحيد، أو نزيل بين الإسلام وغيره من الديانات الفوارق، فهناك فرق بين مَنْ يقول عيسى عبد من عباد الله ومَنْ يقول هو إله حق من إله حق، هذا لا يمكن ولا يصح بحال .
نحن نؤمن بعيسى عليه السلام ونؤمن بالإنجيل ونؤمن بالتوراة ونؤمن بالأنبياء جميعاً كما قال الله تعالى{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ (285)} [البقرة: 285] ولا يصح إيمان المؤمن ولا إسلام المسلم ما لم يؤمن بجميع كتب الله وجميع رسله ، يؤمن المسلم بكل كتاب أنزل وبكل نبي أرسل، ومَنْ لم يفعل ذلك اعتبره الإسلام كافراً قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (151) } [النساء: 150 - 152] ولذلك لابد أنْ نؤمن بكل المرسلين، مَنْ كذب نبياً واحداً أو رسولاً واحداً فقد كذب المرسلين جميعاً كما قال القرآن في سورة الشعراء
{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105)} [الشعراء: 105]
{كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160)} [الشعراء: 160]
وفي سورة القمر { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33)} [القمر: 33]
ويقول تعالى {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123)} [الشعراء: 123]
ويقول سبحانه {كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18)} [القمر: 18]
ويقول جل جلاله {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141)} [الشعراء: 141]
هؤلاء الأقوام قد كذبوا رسولًا واحدًا، ومع ذلك ذكر القرآن بأنهم كذبوا المرسلين جميعاً ولذلك نحن نؤمن بجميع رسل الله ونؤمن بجميع كتب الله ولكن لا نؤمن بما حدث من تحريف في الأديان.
موقف الناس من تهنئة غير المسلمين:
وقف الناس حيال تهنئة غير المسلمين كالنصارى بأعيادهم عدة مواقف :
1-فبعضهم يُحرم هذه التهنئة ، ولا يرى أنَّ تهنئ جارك المسيحي أو زميلك المسيحي أو قريبك المسيحي أو أستاذك المسيحي، لا يرى أن تهنئه مجرد تهنئة، مع أنه يجاملك في أعيادك ويهنئك وربما قدم لك بعض الهدايا، فهذا الصنف يرفض هذه المناسبة رفضًا تامًا بل يعتبر مجرد التهنئة حرامًا من المحرمات، بل كبيرة من الكبائر بل ربما قال إنَّها بدعة أو كفر بالإسلام.
2- وفي مقابل هؤلاء أناس آخرون يمالئون النصارى في هذه القضية، ويحتفلون بأعياد الميلاد أو ما يسمى الكريسماس أكثر ما يحتفل المسيحيين أنفسهم، وربما لم يحتفل بعيد الفطر وعيد الأضحى وأعياد المسلمين ومواسمهم كما يحتفل بهذه المناسبة، ولا تكاد تعرفه أمسلم هو أم غير مسلم، هذا فريق من الناس، نسي نفسه ونسي دينه ونسي أصالته وذاب في غيره كما يذوب الملح في الماء.
3- وفريق ثالث وقف موقفًا وسطًا فلم ينسى دينه وعقيدته، ومع ذلك هنأ قريبه أوجاره أو زميله أو أستاذه غير المسلم في إطار التهنئة الاجتماعية .
حكم الاحتفال بعيد الميلاد مع المسيحين كمناسبة اجتماعية ؟
الاحتفال بعيد الميلاد مع المسيحين على أنَّه من المناسبات التي تقوي العلاقات وتؤلف القلوب اختلف فيه الفقهاء المعاصرون ويمكن إجمال أقوالهم في ذلك في الاتجاهين الآتيين :
الاتجاه الأول :يرى تحريم احتفال المسلمين بعيد الميلاد المجيد وهو اتجاه مشهور ينصره كثير من المنتسبين للفقه السلفي .!!
الاتجاه الثاني :يرى جواز الاحتفال بعيد الميلاد المجيد وعيد شم النسيم احتفالًا اجتماعيًا ما لم يخالطه محظور من شرب خمر وأعمال فسق ، وهو الاتجاه الغالب في الفقه المعاصر وما عليه العمل عند عامة المسلمين في مصر . وخاصة مع التغير العالمي وتبدل الأوضاع العالمية. وفي المقالات القادمة نشرح كلا الاتجاهين ونعرض أدلتهما ونناقشهما مناقشة علمية ليعرف الشعب المصري أدلة من أحل وأدلة من حرم وليفهم القضية من جذورها .
شارك هذا المحتوى فى
المشاهدات : 121 عدد التعليقات : 0 أضيف فى : 9/1/2017

إرسال تعليق

دخول برمجة :