شباشب ومطاوي وسميرة دايت

شباشب ومطاوي وسميرة دايت

.قصه قصيرة اسامه الشيخ
المدينة مكتظة بالزوار والسرادقات مفتوحة والولائم ممدودة والطرق الصوفية والأناشيد وهتافات وصيحات تطلب المدد وحلاوة وحمص وطراطير وزمامير وأسر تفترش الأرض ودراويش يطوفون حول المقام يرتدون ثيابا ملونة عليها عقود كبيرة وفي أيديهم مسبحة لا أعرف عدد حباتها وخيام كبيرة لكبار المسئولين ومديري الهيئات الحكومية وعلى الجانب الآخر عربات النيشان وفتح عينيك تاكل ملبن ولعبة الحظ والقمار والسيرك والتياتر وكل يعرض بضاعته وجاء ممدوح عبد القادر الطالب بكلية الهندسة لقضاء أجازته السنوية بعد عناء عام دراسي شاق فلقت نظرة ثلاث صور كبيرة يقف أمامهم رجل مفتول العضلات في يده ميكروفون قديم وله صوت جهوري ينادي تعالوا عندنا واستمتعوا بالمغنى العالمي الصوت القادم من جنوب أفريقيا والصومال واريتريا وقريبا على مسارح باريس واليونان الفنان الكبير شباشب واضحكوا من القلب مع نجم النكتة وصاروخ الفكاهة المبدع الانتفاعي مطاوي ولترقصوا مع الراقصة اللولبية ذات العيون العسلية صاحبة خمسين محضر من محاضر البلدية وضاربة الرقم القياسي في الوزن الضخم مع الراقصة سميرة دايت كل ذلك في بروجرام واحد وبجنيه واحد، تمتع ولا تتردد. فكر ممدوح قليلاً ووجد الناس تتزاحم حول شباك التذاكر فقرر المخاطرة والدخول، وكان يرتدي نظارته الطبية الصغيرة وبدلته الصيفية البنية. وجلس في الكراسي الأمامية، والعرض لم يبدأ بعد. فأراد أن يكتشف هوية أصحاب الصور الثلاثة، فأنزوى إلى الكواليس ووجد رجلاً قصير القامة يرتدي جلباباً قصيراً وطاقية شبيكة، وبادره قائلاً: كوباً من الشاي، فرد عليه: حاضر يا ذوق، فقال له: ما اسمك؟ قال له: خدامك يوسف البكاي صاحب المقهى الصغير، فأعطاه ممدوح خمسة جنيهات وطلب منه أن يحكي له عن هؤلاء الفنانين الثلاث. وكان المسرح على أهبة الاستعداد لاستقبال ودخول الفرقة الموسيقية بأدواتها البدائية وسرعان ما أنطفأت الأنوار عدا نور خافت جاء على مقدم الحفل الذي أسرع في الدخول ليلعن عن وصول الفنان المحبوب "شباشب" وبدأ في وصلته الغنائية، وبدأ عم يوسف يسرد حكايته، فقال: إنه شريف الدمنهوري وشهرته شباشب، وذلك لأنه عقب الغناء تلقى عليه الشباشب والأحذية والنعال من سوء صوته وقبح منظره، وهو لا يبالي ولا يهتم بل يستمر في غنائه ويطالب الفرقة بإعادة موسيقى الكوبليه مرة ً ثانية، فنظرت إليه من خلف الكواليس ووجدت الكراسي تتطاير تجاهه والسباب والشتام يزداد عليه وهو ينحني للجماهير تحية وإعجاباً، غير أن أحد الجماهير اتجه إلى المسرح وأشبعه ضرباً ووجه إليه لكمات متتالية، فقام بوضع نظارة سوداء على عينيه وهو في قمة السعادة. وترك المسرح وخرج إلى الكواليس وقال ليوسف: حاجة ساقعة يا زفت، ووجدني فقال: من أنت؟ وكيف دخلت إلى هنا؟ هذا مكان مخصص للفنانين، فسألته هل ستواصل الغناء في اليوم التالي، قال: نعم، أنا فنان وأمامي مستقبل كبير ومشوار الألف ميل يبدأ بخطوة. وهدأ المسرح، وإذا بمقدم الحفل يدعوا الجمهور لاستقبال صاروخ النكتة وسارق القلوب والعقول الفنان الضاحك، خليفة اسماعيل ياسين والريحاني، الفنان "مطاوي". فقال يوسف اسمه جلال ابو زهره وشهرته مطاوى لانه كذاب كبير وأحاديثه كلها كذب فى كذب فخياله المريض يخيل له اشياء غريبة ونكته بايخة ومنظره تشمئز منه الناس فقلت لابد من معاينته فنظرت اليه وهو على المسرح يلقي نكت سخيفة لم تحرك ساكناً لأحد. حتى طالبه الجمهور بالرحيل، ورددوا : "كفاية كفاية عايزين فلوسنا" . وسرعان ما دخل الكواليس وخلع ملابسه وارتدى جلبية وشاش وعمة مكورة، وامسك في يده عصا ودخل على المسرح يقدم اسكتش لصعيدى قادم إلى القاهرة وتم نشله، وأخذ يندب ويبكي ويولول مثل النساء وسخر في النهاية من الصعايدة، وفجأة ً يقتحم المسرح شاب صعيدي أو من أصول صعيدية ويمسك العصا منه وحطمه وكسر أضلاعه ولقنه درساً في الأدب لاحترام الصعايدة، فتم حمله على نقالة إلى الإسعاف وعاد إلى الكواليس رابطاً رأسه بشاش عليها آثار الدم، فابتسم في وجهي وقال: هل ضحكت الليلة على نكتي الرائعة، فأنا ارتيست كبير، فقلت: وهل ستعمل غداً، قال: نعم فالنجومية طريقها صعب. ويسود المسرح الصمت ويعلن عن هبوط فاتنة الرقص الشرقي "سميرة دايت". وبدأ الطبال يلعب بأنامله السحرية على الطبلة والموسيقى السريعة، وبدأت سميرة تتمايل على المسرح، فقال يوسف: اسمها الحقيقي نجية عبد الودود المواردي، وسميت سميرة لأنها تجيد الرقص على أنغام موسيقى الأغنية النوبية "سميرة يا سميرة دمك شربات" ودايت لأنها تتحدث عن اتباعها للريجيم لكي تكون أكثر رشاقة. وبدأت أتأمل في شكلها وانصرف المتفرجون وانسحبت في هدوء ورددت قائلاً: "إن المسرح دنيا فوجدتها أتوبيساً متحركاً ترتدي بدلة رقص عارية الصدر والساقين ومزخرفة بشراشيب وعقد حمراء وبدأت الموسيقى تملأ المسرح ضجيجاً. واهتزت وتمايلت وعاشت في الدور، فاهتز معها المسرح والجمهور والفرقة الموسيقية ومصابيح الكهرباء والأسلاك. ومع نسمات الهواء الشديدة انقطعت الأسلاك وسقطت المصابيح وحل الظلام على المسرح وانفض السامر صغيرة"
شارك هذا المحتوى فى
المشاهدات : 27 عدد التعليقات : 0 أضيف فى : 10/1/2017

إرسال تعليق

دخول برمجة :