الفقراء لهم الله والدولة فى ذمة الله

الفقراء لهم الله والدولة فى ذمة الله

الكاتب والمخرج / تامر جلهوم.
يقول الشيخ الشعراوي (إذا رأيت فقيراً في بلاد المسلمين فأعلم أن هناك غنيا سرق ماله )
فعندما يدعوني عارض للتفكير في أحوال المستضعفين من أبناء مصر‏ ويحدث بلا مبالغة عشرات المرات في اليوم تلح علي مقولتان للإمام علي‏‏ الأولي هي الفقر هو الموت الأكبر وكم صدق‏ فالفقير يموت في اليوم عشرات المرات, هو الحي الميت إن شئت, والمقولة الثانية هي ما أكثر العبر وما أقل الاعتبار.
فإذا نظرنا إلى عم أيوب مواليد 1933 شبه كفيف بيمشى يومياً من شجرة مريم بالمطرية ويركب المترو علشان يوصل لحدائق القبة يمسح سلالم البيوت علشان يعرف يعيش بالذمة دى تبقى دولة لما يكون راجل فى السن ده محتاج المراعاة والعطف يتبهدل بالدرجة دى والدولة مشغولة فى بيع أراضى الدولة يرضى مين بالله عليكم ...!!. ويوجد الكثير من الفقراء مثل عم أيوب فيا عزيزى القارىء كم يوما أدمي قلبك مشهد طفلة صغيرة شعثاء تلاحق سيارة ممسكة بقطعة متسخة من بقايا ثياب رثة تحت شمس الظهيرة المحرقة أملا في نفحة قليلة؟ أو امرأة عجوز تستجدي فتاتا ببيع عبوات مناديل ورقية تحت المطر في زمهرير الشتاء؟ أو حطام سيدة مسكينة ومسنة, تحمل بيد مرتعشة روشتة علاج متهرئة تستجدي إكمال قيمتها لابنتها التي تعاني من داء عضال؟ أو بقايا إنسان من متحدي الإعاقة يخاطر بحياته علي كرسي متحرك أو زحفا وسط السيارات المندفعة أملا في حسنة ما ربما لمجرد سد الرمق؟ ولا يؤذيني قدر شقاء أطفال الشوارع لاسيما بنات الشوارع وأبنائهن من مواليد الشوارع اللاتي يحملن بهم اغتصابا وسفاحا ثم يضعن حملهن في الشوارع. مثل هذه الظواهر تنفي عن أى مجتمع أى إدعاء بالتنمية أو الإنسانية أو الإسلام الذى يتسربل به الجميع أحيانا زورا وغالبا لغرض هذه الأيام.
أدرى أن بعض القراء يظنني الآن ساذجا من منطلق أن مثل هؤلاء ليسوا إلا محتالين وأن بعضهم يجني أموالا طائلة من هذه النشاطات التي يفضلونها علي العمل الجاد لربحيتها العالية ولا أخفي أن الفكرة نفسها قد راودتني عندما واجهتني مواقف مثل هذه وكنت أرد علي نفسي بمنطقين. الأول أنني أفضل أن أكون ساذجا وأمني بخسارة مالية قليلة علي أن أكون مخطئا لو كانت الحاجة الدافعة للاستجداء حقيقية ووزر منع الإحسان حينها ثقيل والثاني أن مذلة السؤال في مثل هذه الأحوال تنطوي علي انتقاص من كرامة الإنسان ومن ثم نوع من الفقر وقلة الحيلة ينطوي علي مرارة يتجرعها السائل هرباً من مرارة أشد أو ليس هذا سبباً قوياً لتغليب نزعة الإحسان إلي السائل؟فإذا تحدثنا عن الفقر فهو الإذلال وهو الحس بإنعدام الكرامة من غير أن يمد الفقير يده أو يطلق لسانه أو يقول أنا فقير، فالفقير لا يقول أنا فقير فعزته وكرامته فوق كل اعتبار ولهذا يحيا ويموت وهو غارق في الديون والقروض ولا يجرؤ على مد يده ولهذا الدولة مسؤولة عن هذا المواطن الذي وقف معها وقت الشدة بعكس من وقف ضدها من بعض الأغنياء ورجال المال والأعمال ممن خذلوا الوطن. هذه المرة حان الوقت للدولة أن تقرر في أي جهة تقف مع المواطن الفقير المسحوق والمهموم بقوت أولاده، أم تقف مع السياسيين المخادعين والمنافقين والمنتفعين الذين صوروا أنفسهم بأنهم المنقذون للدولة وأنهم الأنصار لها وما هم إلا حفنة من المنتفعين على حساب المواطن الذي بلغت حالته اليوم حداً تصعب على الكافر ومن لا يقرأ السوق ولم ينزل معترك الحياة المعيشية لا يعرف ما يجري في قاع المدينة لأن الأخبار والشائعات وأعمال التخريب تطغى على أخبار الأسعار وأرتفاع أسعار المواد الغذائية بصورة لم تنتبه لها الدولة لأنها مشغولة ببيع أراضى الدولة ونسيت الآلاف من الفقراء الذين يحترقون في جحيم الأسعار وصعوبة الحياة وتعقدها دراسياً وعلاجياً وصحياً وكلها كما يقولون بالدفع. من جهة أخرى لم يستفد المواطن مباشرة من الدعم بل على العكس دفع ثمنها من خلال تآكل اطراف الطبقة المتوسطة، صحيح أنها تعمل الكثير من المشروعات الفاشلة التى لا تفيد ولا تغنى من جوع لأن كل ذلك لم يحل مشكلة المواطن اليومية مع الغلاء و تدني مستوى المعيشة نظراً لحالة التضخم التي يرشح كثير من الأقتصاديين إلى أنها التى وصلت إلى 25%.، أما الفقراء لهم الله ، فاللأسف الشديد مجتمع مصر تغير في السنوات الأخيرة وتغيرت معه النفوس والمشاعر والأفكار .. وبدلاً من الحب والتعاضد والتآزر سيطرت المنافسة الشرسة والأنانية على النفوس ولا أمل في أستعادة كل هذه البساطة والسعادة إلا بعد الرجوع إلى الله عزوجل وللأسف الشديد حتى الدين السياسي أصبح واحداً من الأمور التي نعاني منها بعد أن كان الدين محبة الله والناس والذات وبرز الفقر بصورة لا مثيل والدولة مشغولة بالمنظمات الدولية وبيع أرضيها للمنتفعين. وفي النهاية الضحية هو المواطن. من هنا لا بد من أن يكون لنا مبدأ وأساس في خدمة المواطن وفي تأسيس ثقافة المواطن على حق دائما حتى يأخذ حقوقه كاملة ومن هنا نؤسس ثقافة حضارية قوامها المواطن له كرامة.ولكن الدولة في مصر غائبة أو مختطفة لمصلحة المنتفعين و المؤسسة الرئاسية ولا تلقي بالا للمستضعفين الذين قامت الثورة الشعبية العظيمة لانصافهم. والمجتمع المدني الراهن لم يرق لمستوي التحدي بشاهدين. الأول إستفحال ظاهرة الفقر والإستضعاف والثاني تحويل الإحسان إلي صناعة وتجارة مربحة لجمعيات أهلية بعينها بدليل الملايين التي ينفقونها علي إعلاناتهم عن أعمال الخير التي يقومون بها واستجلاب التبرع لها خاصة في شهر رمضان.فلا الرئاسة ولا الحكومة يهتمون لأمر المستضعفين في مصر بإستثناء الحسنات الموسمية التي يجيدون استغلالها لمغانم سياسية هم فرحون بدخولهم المرتفعة وثرواتهم المتراكمة, بينما يتركون المستضعفين للبطالة والغلاء الجامح ينهش عظامهم, والأسوأ أنهم جميعا يستغلون فقر وتعاسة المطحونين أبشع استغلال لأغراضهم السياسية الضيقة الأفق وعمياء البصيرة.
ومادام الحكم التسلطي مهيمنا علي مصر فلن نتوقع من الدولة ضبطا جاداً للأسعار أو حماية للبشر من الحط من كرامتهم بالفقر والفاقة.
وفى النهاية أقول إن العدل أقل تكلفة من الحرب، ومحاربة الفقر أجدى من محاربة الإرهاب، وإهانة الإنسان العربي وإذلاله، بذريعة تحريره، هما بمثابة إعلان احتقار وكراهية له، وأن في تفقيره بحجة تطويره، نهباً لا غيرة على مصيره، والانتصار المبني على فضيحة أخلاقية هو هزيمة، وإن كان المنتصر أعظم قوة في العالم.فلا الفقر يستطيع إذلال النفوس القوية ولا الثروة تستطيع أن ترفع النفوس الدنيئة.
شارك هذا المحتوى فى
المشاهدات : 68 عدد التعليقات : 0 أضيف فى : 10/1/2017

إرسال تعليق

دخول برمجة :