أحمد زكي: سحّار الشاشة وزعيم الأرواح
بقلم: عبد المجيد عبوبي
تتوقف في التاريخ ظواهر إنسانية يستحيل تجديدها أو استنساخها؛ يُلغي الزمان أسباب ظهورها، ويترك لنا الآثار كي نندهش ونحار. ومن بين هذه الكائنات الاستثنائية التي عبرت الفن العربي، يبرز أحمد زكي كحالة استثنائية من السحر المطلق، فناناً تشكيلياً للروح قبل أن يكون ممثلاً أمام الكاميرا، وسامراً يقود المشاهد إلى التنويم المغناطيسي الإدراكي دون استئذان.
إن سر أحمد زكي لا يكمن في ملامحه أو محاكاته الظاهرية للأشكال، بل في قدرته الخارقة على التقاط الجوهر النفسي والطاقة الداخلية للأشخاص. لم يكن يعتمد على المساحيق كي يصبح طه حسين أو جمال عبد الناصر أو أنور السادات، بل كان يرتدي حزنهم، كبرياءهم، وعثراتهم الإنسانية. ينفذ إلى الخبايا بالنبرة، بالنَفَس، بالصمت بين الكلمات، وبلحظات الارتباك الصادقة. يطمئنك أولاً بهدوء أدائه، ثم يستحوذ على حواسك بالكامل، حتى يُمحى أصل الشخصية التاريخية من مخيلتك، لتسكن مكانها صوته وملامحه.
من منظور علم النفس والمسرح، لم يمارس أحمد زكي التمثيل بالمعنى التقليدي، بل كان يخوض تجربة استحضار وتلبّس كامل. يعيش الحالة الانفعالية بكل أبعادها الفيزيولوجية؛ يرتفع نبضه وينخفض، وتتغير لغة جسده تلقائياً لتطابق الحالة النفسية للدور. إنه الفنان الذي أعاد تشكيل الذاكرة البصرية لجيل كامل، فصرنا لا نرى «عميد الأدب العربي» إلا بعيني زكي، ولا نتذكر الزعماء إلا بوقفته ونبرته.
لقد كان أحمد زكي يعزف على أوتار الإحساس الإنساني ببراعة مجنونة، ليؤكد أن العبقرية الفنية ليست مجرد تقنية تُكتسب، بل هي طاقة روحية نادرة وموهبة صافية تُمنح لقلة قليلة، لا يجود بها الزمان إلا في فترات متباعدة جداً.








