أحمد محمد الأمين يكتب ..
عندما تكلّم علي الشرفاء الحمادي
تصحيح المفاهيم… وفتح الطريق أمام السلام بين الأمم
في زمن تختلط فيه الحقائق بالمواقف، وتتشكل فيه أحيانًا صور الشعوب والأمم من خلال معلومات ناقصة أو تصورات مسبقة، تصبح مراجعة المفاهيم وتصحيحها أمرًا ضروريًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالعلاقة بين الشعوب والثقافات.
وفي هذا السياق يبرز فكر المفكر العربي علي الشرفاء الحمادي، الذي جعل من تصحيح المفاهيم، والعودة إلى القرآن الكريم، والدعوة إلى التسامح والتعايش والسلام، محاور أساسية في كتاباته وطرحه الفكري.
فكثير من الخلافات لا تبدأ بالضرورة من اختلاف المصالح، وإنما من الطريقة التي ينظر بها طرف إلى طرف آخر. وعندما تتحول التصورات المسبقة إلى أحكام ثابتة، يمكن أن يتحول الاختلاف الطبيعي إلى خصومة، وقد يتحول سوء الفهم إلى صراع.
ومن هنا تأتي أهمية تصحيح المفاهيم، باعتباره خطوة نحو إعادة النظر في الأفكار التي تحكم علاقة الإنسان بالآخر.
وفي حديثه عن القيم التي ينبغي أن تنظم علاقة الناس، يشير علي الشرفاء الحمادي إلى أن القرآن الكريم يتضمن «قيمًا وتشريعات تنظم علاقة الناس على أساس التعارف والمحبة والتعايش في مودة وسلام».
وهذه العبارة تعكس جانبًا مهمًا من رؤيته للعلاقة بين الناس؛ فالتعارف ليس مجرد معرفة الآخر، وإنما هو بداية للتقارب والتفاهم، والتعايش لا يعني إلغاء الاختلاف، وإنما التعامل معه بعيدًا عن الكراهية والصراع.
والقرآن الكريم يقول:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾.
ومن هذا المنطلق، يطرح الشرفاء الحمادي مسألة العلاقة بين الإنسان والآخر من زاوية مختلفة عن الخطابات التي تجعل الاختلاف سببًا للعداء. فالمجتمعات، مهما اختلفت في أديانها وثقافاتها وتقاليدها، تستطيع أن تبحث عن مساحات مشتركة تقوم على احترام الإنسان وحقه في الكرامة والأمن.
وفي حديثه عن السلام، يلفت علي الشرفاء الحمادي إلى أن الطريق إليه يبدأ من الإنسان نفسه؛ فـ**«السلام يبدأ من داخل الإنسان، عندما يتربى على التسامح ويبتعد عن الكراهية والعنف»**.
وهي رؤية تجعل السلام سلوكًا وثقافة قبل أن يكون مجرد اتفاق سياسي أو غياب للصراع. فالإنسان الذي يتربى على التسامح واحترام الآخر يكون أكثر قدرة على الحوار، وأقل استعدادًا لتحويل الاختلاف إلى خصومة.
وهذه المسألة تكتسب أهمية خاصة في عالم ما زالت فيه الصور النمطية والأحكام المسبقة تؤثر في نظرة الشعوب إلى بعضها البعض. فكثيرًا ما يُحاكم مجتمع كامل بسبب موقف فرد، أو تُختزل ثقافة بأكملها في صورة واحدة، أو يتحول الاختلاف الديني والثقافي إلى سبب للتوتر.
إن مواجهة هذه الظواهر تحتاج إلى خطاب مختلف؛ خطاب لا ينكر الاختلاف، ولكنه يرفض تحويله إلى كراهية، ولا يطلب من الإنسان التخلي عن هويته، ولكنه يدعوه إلى احترام هوية الآخرين.
ومن هنا يمكن فهم أهمية مشروع تصحيح المفاهيم في فكر علي الشرفاء الحمادي. فالمسألة لا تتعلق فقط بتغيير بعض المصطلحات، وإنما بمراجعة الطريقة التي نفهم بها النصوص والقيم، وبأثر هذا الفهم في سلوك الإنسان وفي علاقته بالآخر.
والسلام بين الأمم لا تصنعه السياسة وحدها. فالسياسة قد تنجح في توقيع اتفاق، لكنها تحتاج إلى ثقافة اجتماعية وفكرية تحافظ على هذا الاتفاق وتمنع عودة الكراهية.
ولهذا فإن بناء السلام يبدأ أيضًا من التعليم والثقافة والإعلام والخطاب الديني، ومن الطريقة التي نقدم بها الآخر للأجيال الجديدة.
إن الدعوة إلى التعارف والتسامح والتعايش ليست دعوة إلى إلغاء الاختلاف، وإنما إلى إدارته بطريقة تمنع تحوله إلى صراع.
وهنا تكمن أهمية النقاش الذي يطرحه علي الشرفاء الحمادي: العودة إلى القيم التي يؤكد عليها في قراءته للقرآن، وفي مقدمتها التعارف والتسامح والتعايش والسلام، باعتبارها أسسًا يمكن أن تساعد على بناء علاقة أكثر إنسانية بين الناس.
وفي النهاية، فإن تصحيح المفاهيم ليس عملًا نظريًا منفصلًا عن الواقع. فالفكرة التي تتغير في عقل الإنسان يمكن أن تغير موقفه، والموقف الذي يتغير يمكن أن يغير طريقة تعامله مع الآخرين.
ومن هنا يمكن أن تتحول الكلمة من وسيلة لتكريس الخلاف إلى وسيلة لفتح باب الحوار، وأن يصبح الحوار خطوة نحو التفاهم، والتفاهم خطوة نحو السلام.








