أدب وثقافةمقالاتمنوعات

الأميش وحدود الاختيار: فيفيان سمير

الأميش وحدود الاختيار

 

بقلم: فيفيان سمير

المساء يتنفس بهدوء فوق تلك البلدة الصغيرة، حيث يصطف على جانب الطريق مشهد لا يشبه أي مشهد آخر في أمريكا كلها. عربة خشبية تجرها خيول بنية اللون، تسير ببطء إلى جانب سيارات فارهة تلمع تحت أضواء الكشافات. راكبها رجل ذو لحية كثيفة يرتدي سترة سوداء وقبعة سوداء عريضة الحواف، لا يلتفت إلى النظرات المندهشة التي يصوبها إليه المارة ولا التي تطلقها عدسات الهواتف من نوافذ السيارات. إلى جواره، تجلس امرأة ترتدي فستانا أزرق طويلا يصل إلى كاحليها، وغطاء أبيض يلف رأسها بإحكام، تحدق في الأفق بعينين لا تعكسان شيئا من وهج الأضواء الكهربائية المتلألئة في المتاجر على جانبي الطريق.

إنه مشهد يومي هناك، لكنه يظل كل يوم مشهدًا صادمًا لكل من يراه لأول مرة، عربة تجرها الخيول على طريق أسفلتي، وجوه تعود إلى القرن السابع عشر تمر بجوار واجهات متاجر القرن الحادي والعشرين، حياة كاملة تعيش خارج الزمن، أو ربما داخل زمن آخر، زمن توقف عند محطة بعيدة قبل ثلاثة قرون ورفض بعناد أن يغادرها.

الأميش، تلك الظاهرة الاجتماعية النادرة التي لا تشبه أي ظاهرة أخرى في العالم الغربي، هم جماعة بشرية اختارت أن تكون جزيرة معزولة في محيط العولمة الهادر. إنهم ليسوا مجرد طائفة دينية، بل هم مجتمع متكامل بنى نفسه على أسس تختلف جذريا عن الأسس التي بُنيت عليها المجتمعات الحديثة. نشأ هؤلاء في سويسرا وألمانيا في نهاية القرن السابع عشر، ثم هاجروا إلى أمريكا في أوائل القرن الثامن عشر هربًا من الاضطهاد الديني، ليؤسسوا هناك مجتمعات مغلقة في بنسلفانيا ثم أوهايو ثم إنديانا.

الظاهرة الاجتماعية الفريدة
الظاهرة الاجتماعية الفريدة

يعيشون اليوم في أكثر من ثلاثين ولاية أمريكية، يبلغ تعدادهم نحو ثلاثمائة وخمسين ألف نسمة، يتكاثرون بكثافة كالأشجار، فلا يكاد عقد يمر إلا ويتضاعف عددهم، ليكونوا واحدًا من أسرع المجتمعات نموا في العالم الغربي.لكن هذا النمو العددي يقابله ثبات زمني مذهل، فهم ما زالوا يعيشون كما كان أجدادهم يعيشون قبل ثلاثمائة سنة، يرفضون الكهرباء القادمة من الأسلاك لأنها تصلهم بالعالم الخارجي، ويرفضون السيارات لأنها تمكنهم من الهروب من المجتمع، ويرفضون التلفاز والإنترنت والهواتف الذكية، لأنها تفسد بساطة الحياة وتُدخل إلى البيوت ما لا ينبغي أن يدخل.

هذه الظاهرة الاجتماعية الفريدة تحمل في طياتها وجوها متعددة، بعضها يضيء كالقمر في ليلة صافية، وبعضها الآخر يخفي ظلالًا قاتمة لا يريد الكثيرون رؤيتها. في الجانب المضيء، يقف الأميش كتجسيد حي لكل ما فقدناه نحن أبناء المدن الصاخبة في زحام حياتنا السريعة. الأسرة عندهم هي مملكة متكاملة، يعمل الأب في الحقل وتعمل الأم في المنزل ويعمل الأطفال منذ نعومة أظفارهم في رعاية الحيوانات وزراعة الأرض.

هناك أيضا تلك العلاقة الخاصة مع الطبيعة، فهم يزرعون طعامهم بأيديهم، لا يعرفون المبيدات الكيماوية ولا الأغذية المصنعة، فينعمون بصحة بدنية لا يعرفها أبناء المدن الذين يلهثون وراء حميات التغذية وأندية الرياضة. حين تحترق حظيرة لأحدهم، لا ينتظر تعويضات التأمين، بل يجتمع الجيران جميعا في يوم واحد ليعيدوا بناءها بأيديهم، في مشهد يعيد تعريف معنى الجار الذي سرقته منا المدن الحديثة. إنهم لا يعرفون الوحدة في الزحام، ولا الاكتئاب الموسمي، ولا القلق الوجودي الذي يفتك بمن يملكون كل شيء ولا يملكون إجابة عن سؤال لماذا هم هنا.

في مجتمع الأميش، يعرف كل فرد مكانه بالضبط، يعرف ما هو مطلوب منه، ويعرف أن من حوله لن يتخلوا عنه أبدا. هذه اليقينية الاجتماعية هي ما يجعل حياتهم خالية من الأمراض النفسية التي تفتك بمجتمعاتنا، والأهم من ذلك كله، أنهم يعيشون حياة خالية من الأمراض النفسية التي تسببها وسائل التواصل الاجتماعي، لا يعرفون الملل ولا الفراغ القاتل الذي يدفع شباب المدن إلى عيادات الأطباء النفسيين؛ فلا فيسبوك يسرق وقتهم ولا إنستجرام يشوه صورة أجسادهم ولا تيك توك يقتل تركيزهم ويغتال هويتهم ويضلل مفاهيمهم، إنهم بشر ينامون مبكرا ويستيقظون مع شروق الشمس، يعملون بأيديهم ويتكلمون مع بعضهم بألسنتهم لا بالرسائل النصية.

وفي مقابل هذا الدفء الاجتماعي الذي نحسدهم عليه، تقف ممارسات اجتماعية تثير أسئلة هامة حول الثمن الذي يدفعه الفرد مقابل هذا الانتماء. فرفض التكنولوجيا عندهم ليس مجرد خيار شخصي، بل هو قانون ملزم تفرضه الجماعة على أفرادها، والخروج عنه يعني التهديد بالطرد والحرمان، مما يجعل الفرد أسيرا لخيارات مجموعة صغيرة من كبار السن، يجتمعون ليقرروا ما هو مسموح وما هو ممنوع.

المرأة في هذا المجتمع
المرأة في هذا المجتمع

المرأة في هذا المجتمع هي كائن تابع، تلبس ما يفرض عليها، وتغطي رأسها كما تملي التعاليم، ولا يُسمح لها بقيادة العربات التي تجرها الخيول، ودورها محصور في الإنجاب وتربية الأطفال وخدمة الزوج. والأكثر إثارة للجدل، أن التعليم عند الأميش يتوقف بعد الصف الثامن، أي في سن الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة، بحجة أن التعليم العالي يفسد الشباب ويبعدهم عن المجتمع، وهذا يعني أن أبناء هذه الطائفة يحرمون من حق أساسي من حقوق الإنسان، حق المعرفة واختيار المستقبل، ولا يُسمح لهم بأن يكونوا أطباء أو مهندسين أو علماء، حتى لو كانت لديهم الموهبة والرغبة، بل يفرض عليهم أن يكونوا مزارعين أو حرفيين مثل آبائهم وأجدادهم.

وهناك أيضا عقوبة الطرد الاجتماعي، وهي مقاطعة كاملة لمن يخرج عن تعاليم الجماعة، في عقوبة تشبه الموت الاجتماعي قبل الموت الجسدي. ما يجعل ظاهرة الأميش أكثر إثارة للدهشة هو تلك المقارنة التي تنشأ تلقائيا في أذهاننا بينهم وبين حياتنا نحن قبل عقود. قبل خمسين أو ستين عاما، كانت حياة الكثيرين منا تشبه حياة الأميش في جوانب كثيرة. كانت الأسرة الممتدة هي القاعدة، وكان الجيران يعرفون بعضهم حق المعرفة، وكانت الحياة تسير بإيقاع أبطأ، والبيوت تخلو من الشاشات التي تخطف الأبصار والأوقات.

لكن التقدم التكنولوجي والاقتصادي جرف كل ذلك ببطء، فصرنا نعيش في عالم لا يتوقف عن التسارع، حيث كل شيء يُستهلك ويُرمى، بما في ذلك العلاقات الإنسانية. في هذا السياق، يبدو الأميش وكأنهم حفروا خندقا عميقا حول أنفسهم ليمنعوا هذا السيل الجارف من الوصول إليهم. إنهم تجسيد حي لسؤال فلسفي قديم، هل التقدم خط أحادي لا رجعة فيه؟ أم يمكن للإنسان أن يختار التوقف عند مرحلة معينة ويقول: “هنا أقف، هنا أريد أن أعيش، هنا يكفي”؟.

الظاهرة الاجتماعية الفريدة
الظاهرة الاجتماعية الفريدة

هذا الاختيار بالتحديد، اختيار التوقف، هو ما يخلق ذلك التناقض الصارخ بينهم وبين كل ما حولهم. إنهم يسكنون في قلب أقوى دولة تكنولوجية في العالم، لكنهم يعيشون كما لو أن الثورة الصناعية لم تحدث. عرباتهم الخشبية تسير بجوار أسرع السيارات، بيوتهم بلا كهرباء تحيط بها مدن تعج بالأضواء، أطفالهم لا يعرفون الإنترنت وهم محاطون بشبكات الجيل الخامس. هذا التناقض يصل أحيانًا إلى حدود الكوميديا السوداء، فهم يرفضون امتلاك السيارات، ويرفضون الهواتف في بيوتهم، لكنهم يستخدمون هواتف عمومية على أطراف القرى للضرورات العملية، ويرفضون التصوير لأن الوصية الكتابية تمنع صنع التماثيل والصور، لكن السياح يصورونهم من كل زاوية وكأنهم معروضات في متحف مفتوح. وفي بعض المجتمعات الأكثر انفتاحًا، يقبل الأميش استخدام التكنولوجيا إذا كانت تخدم أعمالهم التجارية، لكنهم لا يسمحون بدخول هذه التقنيات إلى بيوتهم.

إنهم يتفاوضون مع العالم الحديث، يأخذون منه ما لا يهدد كيانهم ويرفضون ما يرون فيه خطرا على تماسكهم الاجتماعي. وفي النهاية، يبقى الأميش مرآة غريبة ننظر إليها فنرى ما فقدناه وما كسبناه في رحلة التقدم المضنية. هم يذكروننا بأن السعادة ليست بالضرورة في امتلاك أحدث إصدار من الهاتف الذكي، وأن الدفء الإنساني قد يكون أثمن من سرعة الإنترنت، وأن التماسك الأسري قد يكون نعمة لا تعوضها آلاف الإعجابات على فيسبوك. لكنهم يذكروننا أيضا بأن الحرية الفردية ثمينة، وأن حق الإنسان في المعرفة واختيار مستقبله أساسي، وأن التقدم التقني والطبي والعلمي أنقذ أرواحًا لا تُحصى وحسّن حياة المليارات.

 

حين تنظر إلى عرباتهم الخشبية تسير بجوار السيارات المسرعة، لا تدري أتبكي على حالهم أم تحسدهم على سلامهم النفسي. لعلهما معا. لعلهما  وجهان لعملة واحدة اسمها الإنسان، ذلك الكائن الذي لا يكف عن البحث عن معنى لحياته، سواء وجد هذا المعنى في التقدم إلى الأمام بلا توقف، أو في التوقف عند محطة يعتقد أنها الأقرب إلى الله، أو إلى طبيعته البدائية، أو إلى قلبه. ففي هذه الظاهرة النادرة، يختبر الإنسان المعاصر حدود حريته وخياراته، ويسأل نفسه عن الثمن الذي يدفعه مقابل التقدم، وما الثمن الذي يدفعه الآخرون مقابل الجمود، بين هذا وذاك، يبقى الأميش شاهدا على أن الإنسان يمكن أن يختار طريقا مختلفا، حتى لو كان هذا الطريق يبدو للآخرين وكأنه يعود إلى الوراء…

فيفيان سمير

زر الذهاب إلى الأعلى