الإعلامي الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : شاهد عيان خارج الوطن (الحلقة الثالثة)

الإعلامي الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : شاهد عيان خارج الوطن (الحلقة الثالثة)
عندما تكون خارج وطنك… لا تبقى عيناك مجرد عضوين للرؤية، بل تتحولان إلى كاميرتين ترصدان، وتفككان، وتحللان كل مشهد، وكل حركة، وكل تفصيلة صغيرة تمر أمامك.
خارج الوطن… ترى ما لم تكن تتوقع أن تراه.
وتقارن… دون أن تشعر.
وتسأل نفسك أسئلة مؤلمة… أحيانًا بلا إجابة.
& في فيينا… الدين بالاسم فقط؟
في واحدة من أجمل بقاع الأرض، العاصمة الأوروبية الساحرة فيينا – عاصمة النمسا – لاحظت أمرًا لافتاً. عدد كبير من المسيحيين هناك… لا ينتمون للمسيحية إلا بالاسم.
لا يذهبون إلى الكنائس إلا نادرًا.
لا يصلّون إلا وقت الخوف.
لا يقرأون الأناجيل.
ولا يعرف كثير منهم عن السيد المسيح إلا القليل.
الكنائس تمتلئ في الأعياد، والأفراح، والجنائز… ثم تعود هادئة بقية العام.
لحظتها شعرت بشيء غريب…
كأن الالتزام الديني بطقوسه وحضوره اليومي الصارم أصبح أكثر وضوحًا في مجتمعاتنا الشرقية، بينما هناك تحوّل الدين إلى هوية ثقافية أكثر منه ممارسة يومية.
مشهد جعلني أفكر طويلًا في علاقة الإنسان المعاصر بالدين… في الشرق والغرب معًا.
& في أرياف الصين… أطفال بلا خوف .
وفي رحلة أخرى، إلى أرياف الصين وجزر بعيدة خلف العاصمة بكين، شاهدت ما أدهشني أكثر.
أطفال لا تتجاوز أعمارهم ست سنوات…
يزرعون ويحصدون،
يستخدمون السكاكين والمقصات ببراعة،
يتعاملون مع أدوات حادة بثقة لا تعرف التردد.
تساءلت بيني وبين نفسي:
في مصر، وفي معظم الدول العربية، لا يقترب الطفل من السكين إلا بعد سنوات طويلة، وتظل الأم ترتجف خوفًا عليه حتى بعد أن يكبر.
ماذا فعلنا بأبنائنا؟
هل زرعنا فيهم الخوف أكثر مما زرعنا فيهم الثقة؟
هل حاصرناهم بالحماية حتى حرمناهم من التجربة؟
ليست دعوة للمجازفة…
ولكنها دعوة لإعادة التفكير في مفهوم التربية بين الخوف والتأهيل.
& بيروت… مفاجأة غير متوقعة
كنت مدعوًا لحضور مؤتمر أدبي في بيروت – لبنان.
جلست في مقعدي المحدد، فوجدت بجانبي سيدة فائقة الجمال، في الأربعينيات تقريبًا.
قرأت اسمها، فلاحظت أن اسم الأب غير عربي.
قالت بلهجة لبنانية واضحة:
«أنا من أب برازيلي وأم لبنانية… وأعرفك جيدًا يا دكتور مجدي. أنت صاحب نظرية حروب الجيل التاسع والاستعمار الناعم، وصاحب الطرح الخاص بأصل المؤامرات والأساليب الإعلامية الوهمية الموجهة… أنا بعرفك كويس جدًا. لكن ليه ما عندكش صورة واضحة على السوشيال ميديا؟ ليه هيك غامض؟»
أدهشتني سرعة كلامها ودقة معلوماتها.
ابتسمت وقلت:
«أهلًا بحضرتك… لكن أنا لا أعرفك.»
ثم جاءت المفاجأة الصادمة.
قالت فجأة:
«تتجوزني يا مجدي؟»
شعرت وكأن حافلة سياحية صدمتني!
سقط بصري على صليب ذهبي يتدلى على صدرها، وآخر موشوم في باطن يدها اليمنى.
قلت بهدوء:
«كنت أتمنى… لكن أنا مسلم.»
أجابت بثقة:
«الزوجة تعيش مع زوجها، وتأكل مع زوجها، وتسكن مع زوجها، وتتبع دين زوجها… وأنا مستعدة.»
سكتُّ… ولم أرد.
ليس عجزًا عن الكلام…
لكن لأن بعض المواقف تحتاج إلى عقل هادئ، لا إلى رد فعل سريع، و لم ارد عليها حتى اليوم !
& الوزير الذي يلعب كرة القدم .
في إحدى الدول الآسيوية الكبرى – أثناء عملي بإحدى القنوات الفضائية – كنت أسكن بمفردي في بناية شاهقة.
اعتدت كل مساء بعد العمل أن أرتدي قميصي الأحمر للنادي الأهلي، وأتدرب بالكرة على العشب أمام البناية.
كان هناك رجل أنيق، في الخمسين من عمره، يعود يوميًا بدراجته الهوائية بعد السادسة مساءً.
يقيد دراجته… ويشاركني اللعب.
زوجته كانت تشجعه من شرفة الطابق الثالث، تصفق له بابتسامة فخر.
تكرر المشهد شهورًا:
صباحًا تحية واطمئنان،
مساءً مباراة ودية،
وفي الأعياد ترسل زوجته كعكًا وحلوى.
وذات صباح تأخر حافلتي، فوقف معي ينتظر حتى يطمئن عليّ.
ركبت الحافلة، ففوجئت بزميلي الجزائري – الدكتور عبد الرحمن، الحاصل على أربع دكتوراه – يسألني:
«إنت تعرف وزير الداخلية من إمتى؟»
ظننتها مزحة.
فتح الصحيفة… وأشار إلى صورة جاري.
نعم… هو نفسه.
جارِي الذي يلعب معي الكرة…
هو وزير الداخلية.
عدت إلى المنزل مذهولًا.
جمعت أغراضي خلال ساعة… وانتقلت إلى فندق.
ليس خوفًا منه…
ولكن من حجم المفارقة.
وزير داخلية يذهب إلى عمله بدراجة…
بينما في دول أخرى تُغلق الشوارع، وتُعطل الإشارات، وتتحرك مواكب الحراسة أمامه وخلفه، ولا نراه إلا على شاشات التلفاز.
بين الشرق والغرب… من يتعلم من من؟
خارج الوطن… لا تسافر وحدك.
تسافر ومعك أسئلتك، ومعتقداتك، ومقارناتك.
رأيت التدين بلا التزام.
ورأيت الجرأة بلا خوف.
ورأيت السلطة بلا استعراض.
لم تكن الرحلات مجرد انتقال جغرافي…
بل كانت انتقالًا فكريًا.
والسؤال الذي لا يفارقني:
هل المشكلة في الأنظمة؟
أم في الثقافة؟
أم في طريقة تربيتنا لأنفسنا قبل أن نربي أبناءنا؟
هذه ليست إجابات…
بل مشاهد شاهد عيان خارج الوطن.
نكمل الحلقة القادمه اذا كان فى العمر بقية .
الصحفى الدكتور / مجدي كامل الهواري




