المرأة ومجتمعاتصدى مصرمقالاتمنوعات

الحضانة بعد الانفصال. حين يدفع الطفل ثمن طلاق لم يختره… بقلم: إسراء محمد

الحضانة بعد الانفصال.

حين يدفع الطفل ثمن طلاق لم يختره

 

بقلم: إسراء محمد

هناك أشياء في الحياة لا يختارها الإنسان لكنه يدفع ثمنها كاملًا،د والطفل واحد من أكثر من يدفعون ثمن قرارات لم يتخذوها, لم يختر أن يولد لأب وأم يختلفان, ولم يختر أن يتحول البيت الذي عرفه إلى منزلين, ولم يختر أن يسمع صوت أمه وهي تبكي أو يرى أباه يغادر أو يفهم من نظراتهما أن شيئًا كبيرًا قد انكسر, لم يختر أن يصبح اسم «الحضانة» جزءًا من طفولته, ولا أن يسمع كلمات مثل «محكمة» و«رؤية» و«نفقة» و«مسكن» قبل أن يعرف لماذا لم يعد أبوه وأمه يعيشان معًا. لكنه رغم كل ذلك يجد نفسه في قلب المعركة, وأحيانًا يصبح هو المعركة نفسها…

الحضانة بعد الانفصال… ليست مجرد قضية قانونية تبحث عن صاحب الحق, وإنما هي قضية إنسانية تمس حياة طفل في أكثر مراحل عمره احتياجًا إلى الأمان. وحين ننظر إليها من زاوية الأوراق فقط, قد ننسى أن وراء كل دعوى طفلًا له سرير ومدرسة وملابس وأصدقاء وذكريات, وله قلب صغير لا يفهم لماذا أصبح عليه أن يدفع ثمن علاقة انتهت بين شخصين بالغين…

نحن كثيرًا ما نتعامل مع الحضانة بمنطق «الأم ضد الأب», وكأننا أمام مباراة يجب أن يخرج منها طرف منتصر, وآخر مهزوم, بينما الحقيقة أن الطفل هو الطرف الذي لا ينبغي أن يكون له خاسر أو منتصر, لأن كل انتصار لأحد الوالدين على الآخر باستخدام الطفل قد يتحول إلى هزيمة نفسية للطفل نفسه…

والحضانة في أصلها لم تُشرع لكي تمنح الأم سلطة على الأب, ولم تنظم لكي تمنح الأب وسيلة للسيطرة على الأم, وإنما جاءت لحماية الصغير ورعايته وتوفير البيئة التي تحقق مصلحته.

في القانون المصري تأتي الأم في مقدمة مستحقي الحضانة وفق ترتيب وشروط محددة, كما أصبح سن الحضانة للصغير والصغيرة خمس عشرة سنة وفق تعديل المادة 20 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 بالقانون رقم 4 لسنة 2005, كما نظم القانون حق رؤية الصغير أو الصغيرة، بما يؤكد أن انتهاء العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة لا يعني انتهاء علاقة الطفل بأحد والديه…

لكن مجرد معرفة هذه المعلومة القانونية لا تكفي لأن الحضانة ليست كلمة تُقال في جلسة, وإنما مسؤولية يومية تعني من يرعى الطفل ومن يتابع دراسته ومن يطمئن عليه عندما يمرض ومن يتحمل تفاصيل حياته الصغيرة التي لا تظهر في الأوراق.

فالقانون يستطيع أن يحدد الإطار, لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع أبًا متفهمًا أو أمًّا متزنة, لا يستطيع أن يجبر أحد الطرفين على أن يضعا مصلحة طفلهما فوق غضبهما.

هنا يجب أن نفرق بين الحضانة والولاية, فوجود الطفل مع أمه لا يعني أن الأب انتهى دوره, كما أن الأبوّة لا تسقط لأن الرجل لم يعد زوجًا لأم الطفل. الأب يظل أبًا والأم تظل أمًّا حتى لو انتهت العلاقة الزوجية بينهما, وهذه ربما أهم قاعدة أخلاقية يجب أن نفهمها بعد الانفصال, الطلاق ينهي الزواج لكنه لا يجب أن ينهي الأبوة والأمومة.

قد يكون الرجل زوجًا فاشلًا, لكنه أب جيد. وقد تكون المرأة زوجة لم تنجح في علاقتها, لكنها أم عظيمة. لأن العلاقة الزوجية لها حساباتها, أمّا علاقة الإنسان بأطفاله فلها طبيعة مختلفة تمامًا.

ولذلك فإن نقل الخلافات الزوجية إلى علاقة الطفل بأحد والديه هو أحد أكثر الأخطاء قسوة. فالطفل لا يجب أن يعرف كل شيء. ليس مطلوبًا منه أن يعرف من خان ومن أخطأ ومن ترك البيت ومن لم يدفع ومن ظلم الآخر.

كما أن ليس من حق أحد الوالدين أن يضع على كتفي طفل صغير تفاصيل زواج انتهى ثم يطالبه بأن يفهم ويختار ويصدر حكمًا.

لكن الواقع في كثير من الأحيان مختلف. طفل يُطلب منه أن يوصل رسالة من أمه إلى أبيه, ثم رسالة من أبيه إلى أمه, ثم يسمع رواية كل طرف عن الآخر, ويسأل بشكل مباشر أو غير مباشر عن حياته مع الطرف الثاني. ومع الوقت, يتحول الطفل من ابن إلى رسول, ومن رسول إلى شاهد, ومن شاهد إلى ورقة ضغط… وهنا تبدأ مأساة لا تظهر في محاضر الجلسات.

قد يعود الطفل من زيارة أبيه صامتًا لأنه يخشى أن تسأله أمه عما حدث. وقد يعود إلى أبيه مترددًا في الحديث عن أمه لأنه يخشى غضبه. وقد يتعلم في سن مبكرة أن بعض الكلمات يجب ألا تقال, وبعض المشاعر يجب أن تُخفى، وأن عليه أن يراقب نفسه حتى لا يجرح أحد والديه.

وهذا هو الوجع الحقيقي.

ليس أن الطفل يعيش في منزلين وإنما أن يعيش بقلب مقسوم بينهما.

وهنا تدخل الحالة النفسية للطفل باعتبارها واحدة من أخطر الزوايا التي يجب ألا نغفل عنها فالطفل لا يملك الأدوات النفسية التي يمتلكها البالغ لفهم الانفصال والتعامل معه وقد لا يعرف أصلا كيف يصف ما يحدث داخله لذلك قد لا يقول «أنا متألم» وإنما يظهر ألمه في صورة أخرى عصبية، خوف، صمت، تراجع دراسي، اضطراب في النوم، تشبث زائد بأحد الوالدين، أو رفض للحديث عن مشاعره

وقد يعتقد الأب أو الأم أن الطفل «اتعود» وانتهى الأمر، بينما يكون الطفل قد تعلم فقط كيف يخفي ما يشعر به

ويحذر المتخصصون في علم النفس من أن استمرار الصراع بين الوالدين بعد الانفصال قد يكون أكثر إيذاءً للطفل من مجرد حدوث الانفصال نفسه. فالأبحاث النفسية تشير إلى أهمية طبيعة العلاقة بين الوالدين, وطريقة إدارة ما بعد الطلاق في قدرة الطفل على التكيف, كما تشير إلى أن خطط الرعاية التي تراعي عمر الطفل واحتياجاته وعلاقته بكل من والديه تكون أكثر ملائمة من الحلول الجامدة التي تتجاهل اختلاف ظروف الأسر…

وهنا يجب أن نقول شيئًا مهما جدًا, ليس كل طفل انفصل والداه يصبح مضطربًا, وليس كل طفل يعيش مع والديه تحت سقف واحد يكون سويًا نفسيا.

المشكلة ليست في كلمة «طلاق» وحدها.

المشكلة في البيئة التي يأتي بعدها.

هناك طفل يرى والديه منفصلين, لكنه يرى أمامه احترامًا متبادلًا. يسمع أمه تقول عن أبيه « ده باباك وأنا عمري ما همنعك تحبه» ويسمع أباه يقول عن أمه «دي أمك، واختلافي معاها مش معناه إنك تختلف معاها»…

هذا الطفل قد يحزن, وقد يشتاق, وقد يحتاج إلى وقت طويل حتى يتقبل التغيير, لكنه يجد أرضًا آمنة يقف عليها…

وفي المقابل هناك طفل يعيش الانفصال وسط حرب لا تنتهي. يسمع أن أباه لا يحبه, أو أن أمه هي سبب كل ما حدث, ويشعر أن كل زيارة لأحدهما خيانة للآخر, وأن كل كلمة يقولها قد تستخدم ضده. هذا الطفل لا يعيش مجرد انفصال, هو يعيش صراع ولاءات.

ومع الوقت قد يبدأ الطفل في بناء شخصيته حول الخوف, قد يخاف من الهجر لأنه رأى شخصًا يحبه يغادر, وقد يصبح شديد الحساسية تجاه الخلافات, لأن الخلاف بالنسبة إليه لم يعد مجرد اختلاف, وإنما مقدمة لانهيار البيت.

وقد يتحول إلى طفل يحاول إرضاء الجميع طوال الوقت لأنه تعلم أن غضب الآخرين قد يؤدي إلى خسارتهم. وقد يصبح شديد التعلق أو شديد الانسحاب. وقد تظهر لديه صعوبة في الثقة بالآخرين. وقد يصبح الغضب لغته الوحيدة, لأنه لم يجد أحدًا يعلمه كيف يعبر عن ألمه…

وهنا لا يصح أن نصف الطفل بسهولة بأنه «معقد», وكأن الأمر عيب في شخصيته, بل يجب أن نفهم أن بعض السلوكيات قد تكون استجابات لضغط نفسي مستمر, وأن الطفل يحتاج إلى من يفهم الرسالة خلف السلوك, بدلًا من معاقبته عليه…

فالطفل الذي يكسر شيئا قد لا يكون «سيئًا» ربما يكون غاضبا, والطفل الذي يصمت طوال الوقت قد لا يكون «هادئًا», ربما يكون خائفًا, والطفل الذي يرفض الذهاب إلى أحد والديه قد لا يكون «عنيدًا», ربما يكون واقعًا في صراع لا يستطيع التعبير عنه…

ولهذا فإن الاستعانة بمتخصص نفسي عند ظهور تغيرات واضحة في سلوك الطفل ليست رفاهية ولا وصمة, وإنما قد تكون وسيلة لحمايته من تراكم الألم والأهم, أن يكون التقييم مهنيًا ومحايدًا لا أداة جديدة يستخدمها أحد الوالدين لإثبات أن الطرف الآخر هو السبب في كل شيء.

وفي المقابل هناك أطفال آخرون يخرجون من تجربة الانفصال أكثر قدرة على التكيف مما نتخيل, ليس لأن الانفصال كان سهلًا وإنما لأن الكبار حولهم تعاملوا معه بنضج.

طفل يعرف أن والديه لم يعودا زوجين, لكنه لا يزال يرى أباه ويسمع أمه تتحدث عنه باحترام. طفلة تنتقل بين بيتين, لكنها لا تشعر أنها مطالبة بتغيير شخصيتها من بيت إلى آخر.

طفل يعرف أن والديه يختلفان, لكنه لا يعرف تفاصيل خلافهما لأنهما قررا أن يتركا خلافهما خارج غرفته.

هؤلاء الأطفال لا يعيشون حياة مثالية لكنهم يعيشون في بيئة أكثر أمانا

والأمان النفسي لا يعني أن الطفل لا يحزن.

بل يعني أنه يستطيع أن يحزن دون أن يخاف.

أن يشتاق دون أن يشعر بالذنب.

أن يحب والده دون أن يخشى غضب أمه.

وأن يحب أمه دون أن يشعر أنه يخون أباه.

وهذه نقطة شديدة الأهمية لأن الطفل يحتاج إلى إذن نفسي بأن يحب الاثنين

لا تطلب من طفل أن يثبت ولاءه لك بكراهية الطرف الآخر.

فأنت بذلك لا تجعله يحبك أكثر وإنما تجعله ممزقا بين اثنين يحبك ويحبهم

وهنا يظهر الفرق بين والدين قررا أن يربيا طفلا رغم انفصالهما ووالدين قررا أن يربيا خلافهما من خلال الطفل

الأول قد يختلف مع الآخر في التعليم والنفقة والرؤية والمسكن لكنه يعرف أن الخلاف يجب أن يبقى بين الكبار

أما الثاني فيجعل الطفل حاضرا في كل شيء

ومن هنا فإن قضية الرؤية ليست مجرد موعد في ورقة

إنها علاقة

الطفل يحتاج إلى أب حاضر كما يحتاج إلى أم حاضرة ما لم توجد أسباب حقيقية تتعلق بسلامته أو مصلحته تستوجب غير ذلك, وقد تناولت الأدبيات النفسية أهمية استمرار العلاقات الأسرية بصورة مناسبة لسن الطفل وظروفه مع التأكيد على أن ترتيبات ما بعد الطلاق لا ينبغي أن تكون قالبًا واحدًا للجميع, يجب أن تراعي احتياجات الطفل والعلاقة الفعلية بكل من والديه

ومن الظلم أن يستخدم الطفل للانتقام.

الأم التي تمنع طفلها من أبيه لمجرد أنها غاضبة منه لا تعاقب الأب وحده وإنما تحرم طفلها من جزء من حياته

والأب الذي يحاول إبعاد الطفل عن أمه لمجرد أنه غاضب منها لا ينتصر عليها وإنما يحمل الطفل خسارة جديدة

وفي المقابل لا يمكن أن نضع كل الآباء والأمهات في خانة واحدة هناك أب قد يكون خطرا على طفله وأم قد تكون غير قادرة على توفير الرعاية المناسبة وهناك حالات عنف وإهمال ومخاطر حقيقية تجعل التدخل القانوني ضرورة لا رفاهية ولذلك يجب ألا تتحول الدعوة إلى الحفاظ على علاقة الطفل بوالديه إلى تجاهل لسلامته.

مصلحة الطفل أولًا لكن مصلحة الطفل لا تعني أن نستخدم العبارة كشعار فقط, بل تعني أن نفحص الواقع فعلًا وأن نسأل أين الأمان؟ أين الاستقرار؟ أين الرعاية؟ أين البيئة التي يستطيع الطفل أن ينمو دون خوف أو ابتزاز؟.

ومن هنا تأتي أهمية أن تكون قضايا الحضانة أكثر دقة وإنسانية لأن القرار لا يتعلق بمن يربح ورقة وإنما بحياة إنسان صغير.

ومن الملفات المرتبطة بالحضانة مسكن الحضانة وهو ملف كثيرا ما يتحول إلى صراع آخر. الأب يرى أن المسكن ملكه, أو أن عليه التزامات لا يستطيع تحملها, والأم ترى أن الطفل يحتاج إلى بيت مستقر, وقد يتعامل كل طرف مع المسكن باعتباره حقًا شخصيًا له, بينما الحقيقة أن الطفل هو من سيعيش نتيجة هذا النزاع.

المسكن بالنسبة إلى الطفل ليس مجرد أربعة جدران, هو المكان الذي ينام فيه ويذاكر فيه ويترك فيه ألعابه ويعود إليه بعد يوم طويل في المدرسة ويشعر فيه أن هناك مكانًا ثابتًا ينتمي إليه.

ولهذا, فإن أي حل لمسألة المسكن يجب أن يضع احتياج الطفل إلى الاستقرار في المقدمة, لا رغبة الأب في الانتقام ولا رغبة الأم في الضغط.

والأمر نفسه ينطبق على النفقة. فالنفقة حق للطفل وليست منحة للأم, وفي المقابل ليست النفقة ثمنا للأبوة.

الأب الذي ينفق على طفله لا يشتري حقه في أن يكون أبًا, والأم التي تتولى الرعاية اليومية لا تصبح مالكة للطفل.

الطفل يحتاج إلى المال نعم لكنه يحتاج أيضا إلى وقت, الأب واهتمامه وسؤاله ووجوده, كما يحتاج إلى أم تستطيع أن تقوم بدورها دون أن تتحول  كل احتياجات الطفل إلى معركة مالية بين الطرفين.

وهنا تظهر مشكلة أخرى, أن بعض الآباء يختصرون الأبوة في النفقة, وبعض الأمهات يختصرن الأبوة في دفع المال. لكن الأبوة أكبر من التحويل البنكي, والأمومة أكبر من الحضانة.

الطفل يحتاج إلى الاثنين كل في دوره وبالصورة التي تحقق مصلحته.

والتعليم ليس بعيدًا عن هذا الصراع, فالمدرسة قد تتحول إلى ورقة جديدة في معركة الحضانة, والأب يريد مدرسة معينة, والأم تريد أخرى. وقد يصبح القرار التعليمي وسيلة لإثبات من صاحب الكلمة.

لكن الطفل لا يحتاج إلى أب ينتصر في اختيار المدرسة, ولا أم تنتصر في رفض اختياره, هو يحتاج إلى تعليم مستقر لا يتغير مع كل خلاف.

حتى السفر يمكن أن يتحول إلى نقطة اشتعال. قد يرى أحد الوالدين أن السفر فرصة لحياة أفضل بينما يخشى الآخر أن يؤدي السفر إلى إبعاده عن طفله. وهنا أيضا يجب أن يكون التعامل قانونيا ومنظمًا لأن الطفل ليس وسيلة للسيطرة على الطرف الآخر ولا يجوز أن يتحول وجوده إلى ضمانة لاستمرار علاقة انتهت.

لكن إذا كانت كل هذه الملفات يمكن أن تجد لها طريقًا في القانون فهناك ملف أخطر من كل ذلك, ما يحدث داخل نفس الطفل.

قد يقول الطفل: «أنا كويس» بينما هو ليس كذلك, قد يرفض الحديث حتى لا يزعج أحدًا, قد يصبح عصبيًا, قد يتراجع دراسيًا, قد يرفض الذهاب إلى أحد الوالدين, قد يتشبث بأحدهما بصورة شديدة, وقد تظهر عليه علامات الحزن أو الخوف أو الغضب. وأحيانا لا يظهر شيء واضح على الإطلاق لأن بعض الأطفال يتعلمون الصمت قبل أن يتعلموا التعبير.

ولهذا يجب ألا ننتظر انهيار الطفل حتى نتحرك

والأمر هنا ليس مجرد انطباع شخصي فالمصادر النفسية تشير إلى أن العلاقات والتفاعلات الأسرية والمناخ الانفعالي داخل الأسرة ترتبط بتكيف الأطفال وسلوكهم, وأن التعامل الداعم مع الطفل وعلاقته بوالديه يمكن أن يكون جزءًا مهما من تحسين التكيف والسلوك

وهنا نصل إلى الحل.

الحل ليس أن نلغي القانون, ولا أن نعطي الحضانة للأب أو للأم بلا ضوابط, ولا أن نقول إن طرفًا واحدًا دائمًا على حق

الحل يبدأ من تغيير طريقة إدارة النزاع.

نحتاج إلى أن تصبح مصلحة الطفل معيارًا حقيقيًا في كل قرار لا جملة تكتب في نهاية الأوراق.

نحتاج إلى تقليل استخدام الطفل في نقل الرسائل بين الوالدين

نحتاج إلى اتفاقات واضحة بشأن الرؤية والتعليم والصحة والنفقات حتى لا يصبح كل تفصيل صغير سببًا لمعركة جديدة.

نحتاج إلى توعية أسرية بعد الانفصال, وأن يفهم الوالدان أن الطفل ليس امتدادًا لخلافهما.

نحتاج في الحالات التي يظهر فيها تغير نفسي أو سلوكي واضح لدى الطفل إلى توفير دعم نفسي متخصص دون وصمة

ونحتاج إلى أن يفهم المجتمع أن الطلاق ليس فضيحة وأن الاستمرار في زواج مؤذٍ ليس دائمًا فضيلة, وأن إنهاء علاقة فاشلة قد يكون أحيانًا أفضل للطفل من تربيته وسط بيت لا يعرف فيه إلا الصراخ والخوف.

لكن في الوقت نفسه يجب أن نتوقف عن الاعتقاد بأن الطلاق ينهي المسؤولية. العكس هو الصحيح

بعد الطلاق تبدأ مسؤولية من نوع آخر

مسؤولية أن تحمي طفلك من جرحك

أن تمنعه من حمل غضبك

أن تسمح له بأن يحب والده إذا كنت أمه, وأن يحب أمه إذا كنت أباه.

أن تفصل بين «زوجي السابق» و«أبو ابني»

وأن تفصل بين «زوجتي السابقة» و«أم ابني»

قد تكون هذه المرأة لم تعد شريكة حياتك لكنها ما زالت أم طفلك, وقد يكون هذا الرجل لم يعد زوجك لكنه ما زال أب طفلك وهذا التفريق وحده قادر على إنقاذ أطفال كثيرين من معارك لا ذنب لهم فيها, وليس المطلوب أن يصبح الأب والأم صديقين بعد الطلاق, ولا أن ينسيا كل ما حدث ولا أن يتنازلا عن حقوقهما.

المطلوب فقط أن يعرفا أين تنتهي خصومتهما وأين تبدأ حقوق طفلهما.

من حقك أن تغضب

من حقك أن تطلب حقك

من حقك أن تلجأ إلى القضاء

لكن ليس من حقك أن تجعل طفلك يدفع ثمن غضبك

ومن حقك أن ترفض ظلما وقع عليك

لكن ليس من حقك أن تزرع في قلب طفل كراهية تجاه أحد والديه

ومن حقك أن تبدأ حياة جديدة, لكن ليس من حقك أن تجعل الطفل يشعر أنه أصبح زائدًا في حياة أحدكما.

ربما آن الأوان أن نعيد تعريف معنى كسب قضية الحضانة, فليس الفائز هو الأب الذي استطاع أن ينتزع حكمًا, وليس الفائز هو الأم التي استطاعت أن تمنع الأب.

الفائز الحقيقي هو الطفل الذي خرج من الانفصال وهو لا يزال قادرًا على الابتسام, وعلى الدراسة وعلى تكوين علاقات صحية وعلى حب والديه دون خوف وعلى النوم دون أن يسمع في رأسه أصوات خلافاتهما.

الفائز هو الطفل الذي لم يتحول إلى رسول ولم يصبح شاهدًا ولم يطلب منه أن يكذب ولم يجبر على الاختيار ولم يحمل ذنبًا ليس ذنبه.

ولهذا فإن الحديث عن الحضانة يجب ألا يبدأ وينتهي عند سؤال من يأخذ الطفل؟…

يجب أن يبدأ من سؤال أعمق كيف نحمي الطفل؟.

كيف نضمن أن الحضانة تعني رعاية حقيقية وليست مجرد لقب؟

كيف نضمن أن الرؤية تبني علاقة ولا تستخدم للانتقام؟

كيف نضمن أن النفقة تصل إلى الطفل دون أن تتحول إلى حرب؟

كيف نحافظ على استقرار التعليم؟

كيف نحمي الطفل من التشويه النفسي؟

وكيف نخلق مساحة يستطيع فيها الأب والأم أن يختلفا دون أن يضعا طفلهما في المنتصف؟

هذه ليست أسئلة قانونية فقط وإنما قضية مجتمع كامل

لأن الطفل الذي نكسره اليوم داخل معركة طلاق قد يكبر غدا وهو يحمل مفهوما مشوها عن الحب والزواج والأسرة, وقد يصبح شابا يخاف من الارتباط, أو فتاة تعتقد أن الزواج يعني الألم أو إنسانًا يهرب من فكرة تكوين أسرة, لأنه لم يعرف في طفولته إلا معنى الصراع.

لكن الصورة الأخرى تستحق أن نراها أيضا طفل عاش انفصال والديه دون أن يعيش كراهية أحدهما وتعلم أن الاختلاف لا يعني العداوة وأن انتهاء الزواج لا يعني انتهاء الحب الأبوي وأن البيت قد يتغير شكله دون أن يفقد معناه هذا الطفل قد يحمل ذكرى الانفصال نعم، لكنه ليس مضطرا إلى حمل جرحه طوال حياته

وهنا يصبح الفرق واضحا بين طفل كبر في ظل الطلاق وطفل كبر في ظل حرب الطلاق

الأول قد يتألم, ثم يتعافى

أما الثاني فقد يقضي سنوات يحاول أن يفهم لماذا كان عليه أن يدفع ثمن شيء لم يختره..

ولهذا لا يكفي أن نسأل هل انفصل الأب والأم؟

بل يجب أن نسأل كيف انفصلا؟

هل تركا للطفل مساحة للحزن؟

هل أعطياه الحق في حب الاثنين؟

هل حافظا على روتينه ودراسته وأصدقائه؟

هل تحدثا معه بما يناسب عمره؟

هل تجنبا استخدامه في الرسائل؟

هل احترم كل منهما الآخر أمامه حتى لو لم يستطع احترامه بعيدًا عن الطفل؟.

هذه التفاصيل الصغيرة هي التي قد تصنع الفارق بين طفل يحمل تجربة صعبة ويتجاوزها, وطفل يحمل التجربة كجرح مفتوح.

ولهذا لا يجب أن نتعامل مع الطفل باعتباره نتيجة للطلاق وإنما باعتباره إنسانًا يحتاج إلى حماية أثناء الطلاق وبعده.

فالقانون يستطيع أن ينظم الحضانة والرؤية لكنه لا يستطيع أن ينظم نبرة صوت أم غاضبة أمام طفلها

ولا يستطيع أن يمنع أبًا من قول جملة جارحة, ولا يستطيع أن يجبر طفلًا على الشعور بالأمان

وهنا يأتي دور الوعي ودور الأسرة ودور المتخصصين ودور المجتمع كله

لقد تتغير النصوص القانونية وقد تتطور إجراءات التقاضي وقد تظهر مشروعات جديدة لإعادة تنظيم بعض مسائل الأسرة, لكن أي منظومة قانونية ستظل محدودة إذا ظل الطفل هو آخر من نفكر فيه أثناء الخلاف؟.

نحتاج إلى قانون واضح وإجراءات أكثر سرعة وحساسية لاحتياجات الأطفال, ودعم نفسي واجتماعي ووعي مجتمعي والأهم من كل ذلك نحتاج إلى أب وأم يفهمان أن الطفل ليس ملكًا لأي منهما.

إنه أمانة عند الاثنين

قد تنتهي قصة الحب بين رجل وامرأة لكن الطفل لا يجب أن يدفع ثمن نهايتها. وقد تنتهي الحياة المشتركة لكن المسؤولية لا تنتهي.

وقد يصبح لكل طرف بيت جديد وحياة جديدة وربما أسرة جديدة لكن هناك طفلا سيظل ينظر إليهما باعتبارهما أول بيت عرفه في حياته.

ولهذا يجب أن نترك له على الأقل شيئا واحدا لا ينهار مع الطلاق إحساسه بأنه محبوب من الاثنين.

ففي النهاية الحضانة ليست معركة على طفل, وإنما امتحان لإنسانية الكبار

والسؤال الحقيقي ليس من ربح الحضانة؟

السؤال الذي يجب أن يؤرقنا جميعا هو ماذا فعلنا بالطفل ونحن نحاول أن نربح؟

لأن الرجل قد يخرج من المحكمة منتصرًا, والمرأة قد تخرج منتصرة, وقد يصفق الأقارب لأحدهما وقد يحتفل طرف بحكم قضائي, لكن الطفل وحده لن يفهم معنى الانتصار إذا كان سيعود إلى غرفته ليلًا, يغلق الباب ويشتاق إلى أب يخشى أن يحبه أمام أمه, أو إلى أم يخشى أن يذكر اسمها أمام أبيه.

وهنا تكون الخسارة الحقيقية. أن نربح القضية ونخسر الطفل, أن ننتصر على بعضنا ونكسر إنسانًا لم يكن طرفًا في الحرب أصلًا.

لذلك ربما تكون أهم مادة في أي قانون أسرة, وأهم نص في أي حكم حضانة, وأهم نصيحة لأي أب وأم من بعد الانفصال هي تلك التي لا تحتاج إلى محام ولا إلى قاض ولا إلى محكمة

لا تجعلوا الطفل يدفع ثمن طلاق لم يختره.

فالزواج قد ينتهي والحب قد ينتهي والبيوت قد تتفرق لكن طفولة الطفل إذا انكسرت لا توجد محكمة في العالم تستطيع أن تعيدها إليه.

 

الحضانة بعد الانفصال.
حين يدفع الطفل ثمن طلاق لم يختره

زر الذهاب إلى الأعلى