أدب وثقافة

الحملة الفرنسية، ماذا تركت وراءها حين رحلت؟. بقلم / محمد مصطفى كامل

التاريخ من وراء الستار

التاريخ من وراء الستار

الحملة الفرنسية، ماذا تركت وراءها حين رحلت؟

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

ثلاث سنوات من الاحتلال انتهت بالانسحاب… لكن آثارها تجاوزت ميادين القتال، وبقي السؤال: مَن انتصر حقًّا؟

لم ترحل كل الجيوش التي تغادر أرضًا محتلة.

فبعضها يترك وراءه أنقاضًا يمكن إعادة بنائها، وبعضها يترك جراحًا تحتاج إلى أجيال كي تلتئم، وبعضها يرحل بجنوده، لكنه يترك أسئلة تظل حاضرة في ذاكرة البلاد التي دخلها بالسلاح.

وهذا ما يجعل الحملة الفرنسية على مصر واحدة من أكثر اللحظات التاريخية إثارةً للجدل؛ فقد جاءت عام 1798 بقيادة نابليون بونابرت، معلنةً أهدافًا عسكرية وسياسية، لكنها حملت معها أيضًا علماء وباحثين وفنانين، وانتهت عام 1801 بانسحاب القوات الفرنسية، بعد أن أخفقت في تثبيت وجودها في مصر.

لكن الهزيمة العسكرية لم تكن نهاية الحكاية.

فكيف يمكن لحملة عجزت عن الاحتفاظ بالأرض التي احتلتها أن تحتل مساحة واسعة في تاريخ العلم والمعرفة؟ وهل كانت الدراسات التي أنجزها الفرنسيون نافذةً على الحضارة المصرية، أم وسيلةً أخرى من وسائل السيطرة عليها؟ وهل بدأت نهضة مصر الحديثة مع وصولهم، أم أن هذا الحكم يتجاهل تاريخًا طويلًا من التحولات سبق الحملة ومهّد لما جاء بعدها؟

هنا، لا نحتاج إلى تمجيد الحملة ولا إلى إنكار كل ما نتج عنها. نحتاج إلى النظر خلف الستار؛ حيث تتشابك القوة العسكرية مع المعرفة، ويتقاطع الطموح الاستعماري مع مقاومة المصريين، وتنفصل أحيانًا نتائج الحدث عن الأهداف التي جاء من أجلها.

أولًا: حين جاءت المعرفة في حماية المدافع

لم تكن الحملة الفرنسية جيشًا وحده.

فقد رافقها عدد كبير من العلماء والمهندسين والرسامين والباحثين، كُلّفوا بدراسة مصر وتسجيل ملامحها الجغرافية والطبيعية والعمرانية والآثارية. وقد ارتبط هذا الجانب بمشروع علمي واسع سعى إلى جمع المعلومات عن البلاد التي دخلتها القوات الفرنسية.

كان العلماء يرسمون الخرائط، ويدرسون النباتات والحيوانات، ويصفون المدن والقرى، ويسجلون المعابد والآثار، ويجمعون المعلومات عن الموارد وطرق المواصلات وأحوال السكان.

وللوهلة الأولى، قد يبدو هذا النشاط بعيدًا عن الحرب؛ فالعالِم يحمل أدوات القياس والبحث، بينما يحمل الجندي سلاحه. لكن وجود الفريقين داخل حملة واحدة يفرض سؤالًا لا يمكن تجاهله: هل كانت المعرفة منفصلة عن المشروع العسكري الذي أتاح لها الوصول إلى البلاد؟

الحقيقة أن المعرفة لم تكن دائمًا نقيضًا للقوة. ففي كثير من التجارب الاستعمارية، كانت معرفة الأرض وسكانها ومواردها تساعد السلطة الوافدة على فهم المجتمع الذي تسعى إلى إخضاعه وإدارته.

ومع ذلك، لا يصح أن نختزل كل عمل علمي أنجزه هؤلاء الباحثون في غرض عسكري واحد، كما لا يصح أن نتعامل مع نشاطهم وكأنه جرى خارج سياق الاحتلال.

لقد كانت المفارقة واضحة: جيش جاء لفرض نفوذه، وعلماء جاءوا لدراسة البلاد التي دخلها ذلك الجيش. ومن هذا التداخل خرجت نتائج علمية مهمة، لكنها ظلت مرتبطة بظروف حملة لم يختر المصريون قدومها.

ثانيًا: «وصف مصر»… الكتاب الذي تجاوز عمر الحملة

من أبرز آثار المشروع العلمي الفرنسي كتاب «وصف مصر»، ذلك العمل الضخم الذي شارك في إعداده عدد كبير من العلماء والرسامين والباحثين، وبدأ نشر مجلداته بعد انتهاء الحملة، منذ عام 1809، واستمر نشرها حتى عام 1829.

لم يكن الكتاب مجرد مجموعة من الصور الجميلة للمعابد والآثار، بل مشروعًا واسعًا لتسجيل جوانب متعددة من مصر، شملت الآثار القديمة، والجغرافيا، والطبيعة، والعمران، والحرف، وبعض مظاهر الحياة والمجتمع.

وقد أسهمت الرسوم والخرائط والوصف التفصيلي في حفظ معلومات مهمة عن مواقع وآثار ومظاهر عمرانية كانت عرضة للتغير أو الاندثار.

وهنا تظهر مفارقة التاريخ مرة أخرى.

فالحملة التي لم تستطع تحويل احتلالها إلى حكم مستقر أنتجت، من خلال علمائها، عملًا تجاوز عمرها العسكري بعقود. رحل الجنود، لكن الكتب ظلت تُقرأ، والرسوم ظلت تُدرس، والمعلومات التي جُمعت خلال تلك السنوات أصبحت جزءًا من تاريخ دراسة مصر.

غير أن أهمية «وصف مصر» لا تعني أنه قدّم صورة محايدة تمامًا عن البلاد. فكل عملية وصف واختيار وتوثيق تجري من داخل رؤية بشرية محددة، وتتأثر بأهداف أصحابها والظروف التي يعملون فيها.

كما أن الكتاب لا يمثل وحده تاريخ مصر، ولا يمكن أن يحل محل المصادر المصرية أو الدراسات التي أنجزها باحثون من أجيال لاحقة.

إن قيمته الحقيقية تكمن في كونه مصدرًا تاريخيًا وعلميًا مهمًا، ينبغي الاستفادة منه وفحصه ومقارنته بغيره، لا التعامل معه باعتباره الكلمة الأخيرة في فهم الحضارة المصرية.

ثالثًا: حجر رشيد، حين فتح نقشٌ قديم بابًا مغلقًا

في يوليو عام 1799، وأثناء أعمال تحصين قلعة جوليان قرب مدينة رشيد، عُثر على الحجر الذي سيُعرف لاحقًا باسم «حجر رشيد».

كان الحجر يحمل نصًا واحدًا مكتوبًا بثلاثة أنظمة كتابية: الهيروغليفية، والديموطيقية، واليونانية القديمة.

أدرك الباحثون أهمية هذا الاكتشاف؛ فوجود النص اليوناني أتاح أساسًا للمقارنة مع الكتابتين المصريتين، وفتح الطريق أمام محاولات فهم الكتابة الهيروغليفية التي ظلت أسرارها بعيدة عن المعرفة الحديثة قرونًا طويلة.

لكن الطريق إلى فك رموزها لم يكن سريعًا أو سهلًا. فقد تطلب الأمر سنوات من المقارنة والتحليل، وأسهم في تحقيق التقدم الحاسم العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون، الذي أعلن عام 1822 نتائج مهمة في فهم الكتابة الهيروغليفية.

وهكذا أصبح حجر صغير، اكتُشف في سياق عسكري، مفتاحًا لمرحلة جديدة في دراسة اللغة المصرية القديمة وتاريخ الحضارة الفرعونية.

لكن الحكاية تحمل جانبًا آخر لا يقل أهمية.

فبعد هزيمة الفرنسيين، لم يعد الحجر إلى مصر؛ إذ انتقل إلى أيدي البريطانيين في إطار نتائج التسوية التي أعقبت استسلام القوات الفرنسية في الإسكندرية عام 1801، واستقر لاحقًا في المتحف البريطاني.

وهنا تتجلى إحدى مفارقات التاريخ الاستعماري: آثار مصرية تكشف أسرار حضارة مصر، لكنها تنتقل إلى الخارج في ظل صراع بين قوى أجنبية.

لقد ساعد حجر رشيد على فتح أبواب معرفية واسعة، لكن أهميته العلمية لا تمحو السؤال المتعلق بملكيته وحق المصريين في تراثهم. فالعلم يستطيع أن يفسر أثرًا، لكنه لا يمنح أحدًا حق امتلاكه لمجرد أنه نجح في قراءة نقوشه.

رابعًا: مصر التي قاومت، لا مصر التي اكتُشفت

من الأخطاء التي قد يقع فيها قارئ تاريخ الحملة أن يتصور مصر أرضًا صامتة دخلها الفرنسيون، فسجلوها في كتبهم وخرائطهم، ثم رحلوا بعد أن تركوا بصمتهم عليها.

لكن المصريين لم يكونوا مجرد موضوع للدراسة، ولم يقفوا على هامش الأحداث.

فمنذ الأيام الأولى للاحتلال، واجهت القوات الفرنسية مقاومة شعبية، وكان من أبرز مظاهرها ثورة القاهرة الأولى في أكتوبر 1798، التي شارك فيها سكان من أحياء القاهرة، وارتبطت بالأزهر وعلمائه وعدد من أعيان المدينة.

وقد واجه الفرنسيون الثورة بقوة عسكرية كبيرة، وسقط ضحايا، وتعرضت مناطق من القاهرة للقصف والتدمير. لكن المقاومة لم تنتهِ عند ذلك الحد؛ إذ اندلعت ثورة القاهرة الثانية في مارس 1800، في ظروف عسكرية وسياسية أكثر تعقيدًا.

وتكشف هذه الأحداث أن السيطرة على المدن لا تعني بالضرورة إخضاع أهلها، وأن امتلاك المدافع لا يضمن قبول السكان بالحكم المفروض عليهم.

كما تكشف أن المجتمع المصري لم يكن كتلة واحدة ذات موقف واحد؛ فقد اختلفت مواقف الأفراد والجماعات باختلاف مصالحهم ومواقعهم وظروفهم، لكن رفض الاحتلال ظهر بوضوح في الانتفاضات الشعبية التي دفعت مصر ثمنها دمًا ودمارًا.

ولذلك، فإن قراءة الحملة الفرنسية من خلال العلماء والكتب والآثار وحدها قراءة ناقصة. فلا بد أن تقف إلى جانبها قراءة أخرى تستعيد أصوات الذين عاشوا الاحتلال، وقاوموه، وتحملوا تبعاته.

فمصر لم تكن أرضًا اكتشفها الفرنسيون، بل وطنًا له تاريخه وحضارته ومجتمعه، دخلته قوة أجنبية وحاولت إخضاعه، فواجهها المصريون بما امتلكوه من وسائل المقاومة.

خامسًا: الدواوين الفرنسية، هل تغيّرت إدارة مصر؟

لم تقتصر محاولة الفرنسيين على السيطرة العسكرية، بل سعوا أيضًا إلى تنظيم شؤون البلاد بما يخدم استمرار وجودهم.

وفي هذا السياق، أنشأوا دواوين استعانوا فيها ببعض العلماء والأعيان والوجهاء المصريين، في محاولة لإدارة بعض القضايا المحلية والاستفادة من معرفة هؤلاء بأحوال المجتمع.

لكن هذه الدواوين لم تكن مؤسسات تمثيلية مستقلة بالمعنى الحديث، ولم تمنح المصريين سلطة فعلية على القرار العسكري أو السياسات الأساسية للاحتلال.

ولم تكن قطيعة كاملة مع كل ما سبقها من تقاليد إدارية محلية، بل كانت محاولة لإعادة تنظيم بعض شؤون البلاد بما يتفق مع احتياجات السلطة الفرنسية، مع الاستعانة بشخصيات مصرية في إطار ظل خاضعًا للقيادة العسكرية للاحتلال.

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: أن تلجأ سلطة أجنبية إلى أساليب إدارية جديدة، وأن يؤدي ذلك بالضرورة إلى بناء دولة حديثة أو تأسيس نظام سياسي يعبّر عن إرادة السكان.

فليس كل تنظيم إداري إصلاحًا، وليس كل تغيير في شكل الإدارة دليلًا على أن المجتمع أصبح شريكًا في الحكم.

ومع ذلك، أظهرت تجربة الحملة مدى صعوبة إدارة مصر من دون التعامل مع علمائها وأعيانها وقواها الاجتماعية، كما كشفت حدود محاولة فرض نظام جديد من أعلى، في ظل مقاومة السكان وتنافس القوى المحلية والإقليمية.

أما التحولات الكبرى التي شهدتها مصر في القرن التاسع عشر، فلا يمكن ردّها ببساطة إلى الدواوين الفرنسية؛ فقد تشكلت في سياق مختلف، شاركت فيه صراعات الدولة العثمانية، وتراجع نفوذ المماليك، وصعود محمد علي، ثم مشروعات بناء الجيش والإدارة والاقتصاد في عهده.

لقد كانت الحملة إحدى حلقات التحول، لا التفسير الوحيد لما جاء بعدها.

سادسًا: لماذا أخفقت القوة العسكرية؟

دخل نابليون مصر وهو يراهن على تحقيق أهداف تتجاوز احتلال بعض المدن؛ فقد أراد تثبيت النفوذ الفرنسي في منطقة ذات أهمية استراتيجية، والإضرار بالمصالح البريطانية، وفتح طريق جديد للتأثير في الشرق.

لكن الخطة اصطدمت بواقع لم يكن في صالح الفرنسيين.

ففي أغسطس 1798، دمّر الأسطول البريطاني بقيادة هوراشيو نلسون الأسطول الفرنسي في معركة أبي قير البحرية، المعروفة أيضًا بمعركة النيل، وهو ما أضعف قدرة القوات الفرنسية على الاتصال بفرنسا وتأمين خطوط الإمداد.

ثم واجه نابليون مقاومة محلية، وصعوبات في إدارة البلاد، وتحديات عسكرية متزايدة، فضلًا عن دخول الدولة العثمانية الحرب ضد الفرنسيين.

وفي عام 1799، قاد نابليون حملته إلى بلاد الشام، ساعيًا إلى التقدم نحو عكا، لكنه أخفق في الاستيلاء عليها، واضطر إلى الانسحاب والعودة إلى مصر.

وفي أغسطس من العام نفسه، غادر مصر سرًا إلى فرنسا، تاركًا قيادة القوات الفرنسية في يد الجنرال جان باتيست كليبر.

قد يقرأ البعض رحيل نابليون باعتباره هروبًا شخصيًا من مأزق الحملة، لكن تفسير إخفاقها لا يتوقف عند قرار قائدها مغادرة البلاد. فقد واجه المشروع الفرنسي مشكلات استراتيجية وعسكرية ولوجستية، ولم يتمكن من تحويل انتصاراته الأولى إلى سيطرة مستقرة.

واستمرت القوات الفرنسية في مصر بعد رحيل نابليون، حتى انتهى وجودها العسكري بالاتفاق على الانسحاب عام 1801.

وهكذا أثبتت التجربة أن التفوق في المعارك لا يكفي وحده لبناء سلطة قابلة للاستمرار، وأن احتلال أرض لا يعني امتلاك مستقبلها.

سابعًا: هل كانت الحملة بداية النهضة المصرية؟

هذه واحدة من أكثر القضايا التي تحتاج إلى التروي.

فقد شاع في بعض القراءات أن الحملة الفرنسية كانت بداية النهضة المصرية الحديثة، لأنها كشفت للمصريين عن تقدم أوروبا في العلوم والتنظيم العسكري وبعض مجالات الإدارة.

لكن هذا الحكم، إذا أُخذ على إطلاقه، يتجاهل تعقيد التاريخ.

فمصر لم تدخل عام 1798 بلا ماضٍ علمي أو ثقافي أو إداري، ولم تكن الحضارة المصرية تختزل في آثار الفراعنة التي درسها الفرنسيون. فقد شهدت البلاد، عبر عصورها المختلفة، تقاليد علمية وثقافية ودينية، وامتلكت مؤسسات وشبكات تعليمية وإدارية، رغم ما أصاب الدولة والمجتمع من تحولات وأزمات.

كما أن وصول الحملة لم يكن وحده العامل الذي دفع مصر إلى التغير في القرن التاسع عشر. فقد تداخلت آثارها مع تحولات الدولة العثمانية، والتنافس الأوروبي، والصراع بين المماليك والعثمانيين، ثم صعود محمد علي إلى السلطة عام 1805.

وفي عهد محمد علي، ظهرت مشروعات واسعة في بناء الجيش، وإعادة تنظيم الإدارة، وإرسال البعثات التعليمية إلى أوروبا، وتطوير بعض الصناعات ومؤسسات التعليم. وكانت لهذه التحولات أسبابها السياسية والاقتصادية والعسكرية، ولم تكن مجرد امتداد مباشر لما أنشأه الفرنسيون.

ومع ذلك، يصعب تجاهل أن الحملة كشفت عن جوانب من التفوق الأوروبي في مجالات عسكرية وتقنية وعلمية، وأنها تركت معلومات وأعمالًا ساهمت في اتساع معرفة الأوروبيين بمصر.

لكن الكشف عن الفارق لا يعني أن الحملة أنشأت النهضة، كما أن دراسة مصر على أيدي علماء أجانب لا تعني أن المصريين كانوا عاجزين عن معرفة تاريخهم أو تطوير مجتمعهم.

الأدق أن نقول إن الحملة كانت حدثًا كاشفًا ومؤثرًا ضمن مسار تاريخي أوسع، لا نقطة بداية وحيدة يمكن أن نردّ إليها كل ما تلاها.

فالنهضة لا يولدها جيش يحتل بلدًا، ولا تصنعها الكتب وحدها؛ إنها نتيجة تفاعل طويل بين المعرفة والمؤسسات والقدرة على التغيير، وبين إرادة المجتمع والظروف التي تحيط به.

ثامنًا: العلم في خدمة الاستعمار، مَن يملك المعرفة؟

ربما كانت هذه هي المسألة الأعمق التي تطرحها الحملة الفرنسية.

فالعلم في ذاته أداة لفهم العالم، لكن استخدامه يتوقف على الجهة التي توظفه والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها.

إن رسم خريطة لبلد قد يساعد على فهم جغرافيته، لكنه قد يساعد أيضًا جيشًا على التحرك فيه. ودراسة الموارد قد توسع المعرفة بالطبيعة، لكنها قد تخدم كذلك مشروعًا يريد السيطرة على الثروات. وتسجيل الآثار قد يحفظ تفاصيلها، لكنه لا يمنح الباحث حق إخراجها من موطنها.

ولا يعني ذلك أن كل عالم شارك في الحملة كان جنديًا مقنعًا، أو أن كل دراسة أُنجزت خلالها كانت بلا قيمة إنسانية أو علمية. فهذه أحكام عامة لا تنصف تعقيد التجربة ولا اختلاف الأفراد والأعمال.

لكن من الضروري أن نفهم السياق الذي أتاح هذا النشاط العلمي: لقد دخل العلماء مصر في حماية جيش أجنبي، وفي إطار مشروع سياسي وعسكري أراد فرض نفوذه عليها.

وهذا السياق لا يبطل النتائج العلمية تلقائيًا، لكنه يفرض علينا أن نفحصها بعين ناقدة، وأن نميّز بين قيمة المعرفة والغاية التي وُظفت من أجلها.

إن الاعتراف بأهمية «وصف مصر» لا يقتضي تبرير الاحتلال، والاعتراف بالطبيعة الاستعمارية للحملة لا يقتضي إنكار أهمية الدراسات التي خرجت منها.

وهذا هو الفارق بين قراءة تاريخية ناضجة، تضع الوقائع في سياقها، وقراءة تختار جانبًا واحدًا ثم تحاول إخضاع التاريخ كله له.

تاسعًا: ماذا بقي لمصر، وماذا بقي لأوروبا؟

حين نبحث عن آثار الحملة، نجد أن ما بقي منها لم يكن واحدًا لدى الطرفين.

في أوروبا، أسهمت الدراسات التي أُنجزت خلال الحملة وما تلاها في توسيع المعرفة بمصر القديمة، وفي تنشيط الاهتمام بالآثار المصرية واللغة الهيروغليفية. وأصبح «وصف مصر» أحد الأعمال المرجعية المهمة في تاريخ الدراسات المصرية، فيما ساعد فك رموز الكتابة الهيروغليفية لاحقًا على فتح أبواب واسعة أمام فهم النصوص المصرية القديمة.

أما في مصر، فقد ارتبطت الحملة في الذاكرة التاريخية بالاحتلال والمقاومة والخسائر التي تحملها السكان، وبالاضطراب السياسي والعسكري الذي سبق صعود محمد علي.

لكن مصر لم تكن مجرد متلقٍ سلبي لهذه التحولات. فقد استمر مجتمعها في التفاعل مع القوى الجديدة، وشهدت السنوات التالية صراعًا على السلطة بين العثمانيين والمماليك والقوى المحلية، إلى أن تمكن محمد علي من تثبيت حكمه.

ومن الخطأ أن نتصور أن المصريين انتظروا الأوروبيين كي يدركوا قيمة أرضهم أو تاريخهم، كما أنه من الخطأ إنكار ما أضافته الدراسات الأوروبية إلى المعرفة الحديثة بالحضارة المصرية.

فالتاريخ لا يُكتب من مصدر واحد، ولا تحتكره أمة بعينها. ويمكن للباحث أن يستفيد من كتاب أعدّه أجنبي، وأن يختلف في الوقت نفسه مع الظروف السياسية التي أُنجز فيها ذلك الكتاب، أو مع التصورات التي حكمت نظرة أصحابه إلى المجتمع الذي درسوه.

أما قضية الآثار التي خرجت من مصر في سياق التنافس الاستعماري، فتظل تذكيرًا بأن المعرفة والتراث ليسا موضوعين منفصلين عن السياسة والسلطة وحقوق الشعوب.

لقد تركت الحملة آثارًا علمية مهمة، لكنها تركت أيضًا أسئلة عن ملكية التراث، وعن حدود العلاقة بين البحث والسيطرة، وعن حق المصريين في أن يكونوا شركاء في كتابة تاريخهم، لا مجرد موضوعات في كتب الآخرين.

عاشرًا: الحملة التي خسرت مصر، ولم تغب عن التاريخ

انتهت الحملة الفرنسية بانسحاب قواتها من مصر عام 1801، بعدما أخفقت في تحويل احتلالها إلى حكم مستقر. ولم تحقق أهدافها الاستراتيجية كاملة، ولم تستطع أن تفرض مشروعها طويل الأمد على البلاد.

لكنها بقيت حاضرة في كتب التاريخ، لا لأنها انتصرت، بل لأن آثارها تجاوزت ميدان الحرب.

فقد تركت وراءها عملًا علميًا ضخمًا، وساهمت في توسيع معرفة أوروبا بمصر، وأثارت أسئلة لا تزال مهمة عن العلاقة بين العلم والقوة، وبين دراسة الحضارات وامتلاك آثارها، وبين التغيير الذي يأتي من الخارج والنهضة التي تنبع من المجتمع نفسه.

وفي المقابل، تظل ثورات المصريين ومقاومتهم جزءًا أصيلًا من القصة، لا تفصيلًا يمكن تجاوزه في أثناء الحديث عن العلماء والخرائط والكتب.

والدرس الأهم أن التاريخ لا يمنح أحكامه النهائية بناءً على نتيجة معركة واحدة. فقد يخسر جيش الحرب، بينما تظل بعض نتائج حملته مؤثرة؛ وقد تنتج قوة احتلال معرفة نافعة، من دون أن تصبح شرعيةً لمجرد ما أنتجته من معرفة.

إن الحملة الفرنسية لم تكن بداية التاريخ المصري الحديث وحدها، ولم تكن مجرد غزو عابر بلا آثار. كانت لحظة صدام بين مشروع استعماري ومجتمع يقاومه، وبين قوة عسكرية أرادت إخضاع مصر ومعرفة علمية اتسعت في ظل ذلك الصدام.

ومن هنا تأتي أهميتها الحقيقية: لا في تمجيدها ولا في محو آثارها، بل في فهمها كما كانت، بكل ما حملته من طموح وإخفاق، ومعرفة وسيطرة، ومقاومة وتحولات.

فحين رحل الفرنسيون، لم تكن مصر قد انتهت من كتابة فصلها التالي؛ بل كانت على أبواب صراع جديد، لن يتحدد فيه مستقبل البلاد بمدافع الأجانب وحدها، وإنما أيضًا بمن يستطيع السيطرة على الجيش والإدارة ومفاتيح الحكم.

وهنا نصل إلى الرجل الذي سيصعد من قلب الفوضى، ويحوّل الصراع على السلطة إلى مشروع لبناء دولة جديدة.

في الحلقة القادمة من

«التاريخ من وراء الستار»

محمد علي… كيف صعد جنديٌّ عثماني إلى حكم مصر، وأعاد تشكيل مستقبلها؟

من صراع المماليك والعثمانيين إلى مذبحة القلعة، ومن بناء الجيش إلى إعادة تنظيم الدولة، سنقترب من تجربة محمد علي: كيف ثبّت سلطته؟ وكيف تعامل مع العلماء والأعيان والمماليك؟ وما الثمن الذي دفعه المجتمع المصري في سبيل الدولة التي أراد بناءها؟

زر الذهاب إلى الأعلى