الرجل الذي أعاد هيبة الدولة.بقلم / محمد مصطفى كامل
سلسلة التاريخ من وراء الستار
الرجل الذي أعاد هيبة الدولة
هل كان الحجاج بن يوسف الثقفي طاغيةً أم رجل دولة أنقذ الدولة الأموية؟
بقلم / محمد مصطفى كامل
ليس من السهل أن يحكم التاريخ على الرجال الذين عاشوا في أزمنة مضطربة. ففي أوقات الاستقرار يُقاس الحاكم بما يحققه من رخاء. أما في أوقات الفوضى، فإن أول ما يُطلب منه هو أن يمنع انهيار الدولة.
وهنا يبدأ الجدل. إلى أي مدى يمكن أن تذهب السلطة في سبيل الحفاظ على وحدة الدولة؟ وأين ينتهي الحزم، وأين يبدأ الظلم؟
هذه الأسئلة لم تولد في عصرنا، بل طُرحت منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، مع واحدة من أكثر الشخصيات إثارةً للجدل في التاريخ الإسلامي. وفي سلسلة التاريخ من وراء الستار لا نكتب لنصدر أحكامًا، بل لنفهم كيف صنعت الظروف رجالها، وكيف صنع الرجال تاريخ دولهم.
فبعد أن نجح عبد الملك بن مروان في إعادة توحيد الدولة الإسلامية، بقيت أمامه مهمة أصعب. كيف تُدار دولة خرجت لتوها من سنوات طويلة من الفتن والثورات؟ وكان الجواب عنده رجلًا واحدًا.
الحجاج بن يوسف الثقفي.
لم يولد الحجاج قائدًا عسكريًا. بل نشأ في الطائف، وعمل في شبابه معلمًا للقرآن واللغة. لكن شخصيته اتسمت بالذكاء، والانضباط، وقوة الشخصية، وهي صفات جعلت عبد الملك يلفت النظر إليه ويمنحه مسؤوليات متزايدة.
ولم تمض سنوات حتى أصبح أحد أقرب رجاله وأكثرهم تأثيرًا. وكان العراق يومها أعقد أقاليم الدولة. فهو غني بالثروات، لكنه مليء بالانقسامات السياسية والقبلية.
وتعاقبت عليه الثورات حتى أصبح كثير من الولاة يخشون توليه. وحين أُرسل الحجاج واليًا عليه، أدرك أن أي تهاون سيعيد الدولة إلى الفوضى. فبدأ بإعادة تنظيم الجيش، وضبط الإدارة، وفرض هيبة السلطة المركزية.
وكان شديدًا في تنفيذ أوامره، لا يتسامح مع التمرد، ويرى أن استقرار الدولة لا يتحقق إلا بالحزم. ولهذا نجح في القضاء على كثير من الثورات التي أنهكت العراق سنوات طويلة.
لكن دوره لم يقتصر على الجانب الأمني. فقد أسس مدينة واسط لتكون مركزًا إداريًا وعسكريًا بين البصرة والكوفة، بما يحقق سرعة إدارة الإقليم ويحد من النزاعات بين المدينتين.
واهتم بتنظيم موارد الدولة، وشق بعض القنوات، والعناية بالزراعة، وتقوية الإدارة المالية. وكان يؤمن بأن الدولة القوية تحتاج إلى إدارة قوية، لا إلى جيش قوي فقط.
ومن العراق خرجت أعظم الفتوحات في عهده. فقد أرسل ابن عمه محمد بن القاسم الثقفي لفتح بلاد السند، فدخل الإسلام لأول مرة إلى أجزاء واسعة من شبه القارة الهندية.
وفي الوقت نفسه، كان قتيبة بن مسلم الباهلي يواصل فتوحه في خراسان وبلاد ما وراء النهر، حتى وصلت رايات المسلمين إلى أطراف الصين. ولم يكن الحجاج يقود تلك الجيوش بنفسه.
لكنه كان يختار قادتها، ويجهزهم، ويمدهم بالمال والسلاح والرجال، ويتابع أخبارهم باستمرار، حتى أصبحت ولايته مركزًا لانطلاق الفتوحات الشرقية. كما ارتبط اسمه بخدمة جليلة للقرآن الكريم.
فمع اتساع الدولة، ودخول أمم كثيرة في الإسلام، أصبح كثير من المسلمين الجدد يجدون صعوبة في قراءة المصحف بسبب خلوه من النقط وعلامات الإعراب. فدعم الحجاج جهود العلماء في تنقيط المصحف وضبط رسمه، لتيسير القراءة على المسلمين، مع الحفاظ على الرسم العثماني للمصحف كما كُتب في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه.
ورغم هذه الإنجازات، بقي الجانب الآخر من شخصيته حاضرًا بقوة. فقد عُرف بالشدة في معاملة خصومه. واستخدم القوة في قمع الثورات. وتذكر المصادر التاريخية أخبارًا كثيرة عن عقوباته الصارمة، وإن كان المؤرخون يختلفون في صحة بعض الروايات، كما يختلفون في تقديرها ضمن ظروف ذلك العصر.
ولهذا ظل الحجاج شخصية يصعب اختزالها في صورة واحدة. فمن الظلم أن تُنسى إنجازاته الإدارية والعسكرية. ومن الخطأ أيضًا تجاهل ما أُخذ عليه من شدة وقسوة. وربما كان الإنصاف هو أن يُقرأ الرجل في سياق زمانه، لا بعين عصر آخر.
لقد كان عبد الملك بن مروان صاحب المشروع. وكان الحجاج أبرز من نفذ هذا المشروع على الأرض. ولولا استقرار العراق، وإعادة بناء الإدارة، وتأمين الجبهة الشرقية، لما تمكنت الدولة الأموية بعد ذلك من الوصول إلى ذروة اتساعها.
وهكذا، فإن التاريخ لا يذكر الحجاج لأنه كان رجلًا عاديًا. بل لأنه كان أحد الرجال الذين غيروا مسار الدولة الإسلامية، سواء اتفق الناس معه أم اختلفوا حوله. لكن الدولة الأموية لم تُعرف بالحزم وحده.
فبعد سنوات قليلة، سيجلس على عرشها رجل سيختار طريقًا مختلفًا. لن يبني هيبة الدولة بالخوف، بل بالعدل. ولن يسعى إلى توسيع نفوذها بقدر ما يسعى إلى إصلاحها من الداخل. وسيثبت أن قوة الدولة قد تصنعها السيوف أحيانًا، لكن خلودها يصنعه العدل.
وفي الفصل القادم إن شاء الله، الخليفة الذي أعاد روح الخلافة الراشدة كيف أصبح عمر بن عبد العزيز نموذجًا للعدل والإصلاح في قلب الدولة الأموية؟






