الرشوة .. فساد يهدم المجتمع

الرشوة .. فساد يهدم المجتمع
كتب .. حماده مبارك
تعد الرشوة من أخطر الآفات الاجتماعية التي تفتك ببنية المجتمع وتقوّض قيمه ومبادئه، فهي شكل من أشكال الفساد الذي يُقايَض فيه الحق بالمال، وتُباع فيه الأمانة بثمن، ويُقدَّم فيه الباطل على حساب العدل والنزاهة. وتمتد آثار الرشوة لتشمل مختلف جوانب الحياة، من المؤسسات الحكومية والاقتصادية إلى العلاقات الاجتماعية والثقافية، مما يجعلها تهديدًا حقيقيًا لنهضة أي دولة واستقرارها.
اولا .. مفهوم الرشوة وأسباب انتشارها
الرشوة هي حصول فرد على منفعة غير مستحقة مقابل دفع مال أو تقديم خدمة بهدف تجاوز القوانين أو الحصول على ما ليس من حقه. وتنتشر الرشوة نتيجة عدة عوامل أبرزها ضعف الرقابة، وقلة الوعي الأخلاقي، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، بالإضافة إلى غياب العقوبات الرادعة أو عدم تطبيقها بصرامة. ومن العوامل المهمة أيضًا غياب القدوة الصالحة وانهيار منظومة القيم لدى بعض الأفراد.
ثانيا .. أثار الرشوة على المجتمع
تُحدِث الرشوة خللًا كبيرًا في مسار العدالة والمساواة، إذ يحظى أصحاب النفوذ والمال بامتيازات على حساب الفقراء ومحدودي الدخل. كما تُضعف الرشوة ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة، مما يؤدي إلى تراجع الشعور بالانتماء الوطني. وعلى المستوى الاقتصادي، تزيد الرشوة من تكلفة الاستثمار وتُقلل من كفاءة المؤسسات وتؤدي إلى تبديد الموارد، فتعرقل التنمية وتُبطئ النمو. أما على الصعيد الاجتماعي، فإنها تُشيع روح اليأس والإحباط وتُعزز ثقافة الحصول على الحقوق عبر الطرق غير المشروعة.
ثالثا .. دور المجتمع والدولية في مكافحة الرشوة
مكافحة الرشوة مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع. فمن واجب الدولة تشديد القوانين وتطبيقها بصرامة، وتعزيز مبدأ الشفافية في المؤسسات، وإنشاء أجهزة رقابية فعالة تُحاسب كل من يثبت تورّطه في الفساد، مهما كان منصبه. كما ينبغي نشر الوعي بين المواطنين حول خطورة الرشوة وتأثيرها السلبي على مستقبل الأجيال. وفي الوقت نفسه يجب ترسيخ قيم الأمانة والنزاهة والتربية على احترام القانون منذ الصغر.
رابعا.. بناء ثقافة مجتمعية قائمة على النزاهة
يتطلب القضاء على الرشوة بناء ثقافة مجتمعية تُكرّم العمل الشريف وتُقدّر أصحاب الضمائر الحية، مقابل نبذ كل أشكال الفساد. ويستلزم ذلك تعاونًا بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات الإعلامية والدينية لغرس القيم الإنسانية الصحيحة. كما أن تشجيع الإبلاغ عن الفساد وتوفير الحماية للمبلّغين خطوة ضرورية لخلق بيئة نظيفة وآمنة.
وختاما فإن الرشوة ليست مجرد مخالفة قانونية فحسب، بل هي مرض اجتماعي يُهدم به المجتمع من الداخل، ويُعطَّل فيه العدل، وتضيع الحقوق، ويُقتل الأمل. ولذلك فإن تضافر الجهود للقضاء عليها يُعد واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا لضمان مستقبل أفضل تسوده الشفافية والعدالة والمساواة. وبقدر ما ننجح في محاربة الرشوة، ننجح في بناء مجتمع قوي يُحقّق طموحات أبنائه.




