الدين و الحياة

الشفاعة وسيلة للكسب وجمع الأموال بقلم / محمـــد الدكـــروري

الشفاعة وسيلة للكسب وجمع الأموال

 

بقلم / محمـــد الدكـــروري

لقد حذرنا الإسلام من الرشوة، وإن الرشوة هي كل ما يدفع من مال أو منفعة أو خدمة بقصد التأثير على قرار وظيفي أو قانوني أو إداري لتحقيق مصلحة خاصة على حساب المصلحة العامة، وتشمل مظاهرها تقديم الأموال أو الهدايا أو الخدمات لمسؤول مقابل تجاوز قانوني، أو تسريع معاملة، أو منع إجراء قانوني، أو الحصول على مزايا غير مستحقة، وقد تكون الرّشوة مباشرة بين الراشي والمرتشي، أو غير مباشرة عبر وسطاء أو ما يسمى بالمسهّل، وتمتد آثار الرشوة لتشمل الشق الأخلاقي إذ تمثل الرشوة خيانة للأمانة وإنتهاكا للضمير، وتشجع على الانتهازية والأنانية، وأيضا الشق القانوني حيث تصنف الرشوة جريمة جنائية، وتخضع لعقوبات صارمة بموجب القوانين الوطنية، وأيضا الشق الاقتصادي حيث تضعف الثقة في الاستثمار والمؤسسات.

وتكرّس الفساد الإداري، وتؤدي إلى إهدار المال العام، وكما أن هناك الشق الاجتماعي حيث تخلق شعورا عاما بالظلم، وتحبط المواطنين الشرفاء، وتكرس اللامساواة والمحسوبية، ولنعلم جميعا أن هناك ما يسمى بالشفاعة سواء في الدنيا والآخرة، ولقد قرر القرآن الكريم هذه السنة الإلهية في مواضع كثيرة، وقد جعل الإسلام الشفاعة الحسنة بابا من أبواب الإحسان والتعاون على البر، يقصد بها قضاء حوائج الناس، وتفريج كرباتهم، وإعانتهم على الوصول إلى حقوقهم المشروعة دون إنتظار مقابل أو منفعة، غير أن هذه العبادة الجليلة قد تنحرف عن مقصدها إذا تحولت إلى وسيلة للكسب وجمع الأموال، فيستغل بعض الناس مكانتهم أو علاقاتهم أو نفوذهم لقضاء مصالح الآخرين مقابل هدية أو مال، فيصبح المعروف تجارة، والشفاعة سلعة تباع وتشترى.

وهذا من صور الرشوة التي نهى عنها الشرع، وقد حذر النبي صلي الله عليه وسلم من هذا المسلك، وإن إشتراط تحصيل الهدية تصريحا أو تلميحا على الشفاعة يفضي إلى إنقطاع المعروف بين الناس والإحسان، ومن هنا ينبغي أن تبقى الشفاعة بابا للإحسان، لا وسيلة للاتجار بالنفوذ، وأن يبتغي المسلم بوساطته وجه الله تعالى، لا حظوظ الدنيا فإن أعظم ما يرفع قدر الإنسان عند الله أن يجعل جاهه ومنزلته في خدمة الناس إبتغاء مرضاته، لا في إستغلال حاجاتهم لتحقيق المكاسب، ولا شك أن هذه الجريمة تؤدي إلى عدد من الأمور التي تحبط عمل الفرد، منها سخط الله تعالى، وإستحقاق اللعنة والعذاب، وفساد الذمة وضياع الأمانة، وأكل المال الحرام ومحق البركة، واعتياد الظلم وإستمراء الحرام، وإن من آثار الرشوة على المجتمع هو ضياع الحقوق وإنتشار الظلم.

وإنهيار الثقة بين الناس، وتعطيل التنمية، وإهدار الكفاءات، وانتشار الفساد في جميع مرافق الحياة، وزعزعة الأمن، وظلم الفقراء وأصحاب الحقوق، وانتشار المحسوبية، وكما أن وسائل الوقاية من الرشوة هو أنه لا تقاوم الرشوة بالعقوبات وحدها، لكنها تحتاج إلى بناء منظومة متكاملة ترسخ الإيمان، وتعظم قيمة الأمانة، وتحاصر أسباب الفساد قبل وقوعه، فالإسلام لم يقتصر على تحريم الرشوة، بل وضع من المبادئ والتشريعات ما يكفل الوقاية منها، وصيانة المجتمع من آثارها المدمرة، ومنها ترسيخ مراقبة الله تعالى وتعظيم الأمانة، وغرس قيم النزاهة والعدل منذ الصغر، وإختيار الأمناء وأصحاب الكفاءة للمناصب العامة، ومنع الهدايا المرتبطة بالوظيفة والنفوذ، وتطبيق الأنظمة الرادعة ومحاسبة المفسدين، وتيسير الإجراءات الإدارية وإغلاق منافذ الفساد، ونشر ثقافة رفض الرشوة والإبلاغ عنها، والقناعة بالحلال والبعد عن الطمع.

زر الذهاب إلى الأعلى