الدين و الحياةمقالاتمنوعات

الطيبات بين الإباحة والتقييد. هل نُحرم ما أُحلّ لنا بأيدينا؟. محمد رمضان أمين

 

الطيبات بين الإباحة والتقييد… هل نُحرم ما أُحلّ لنا بأيدينا؟.

 

بقلم : محمد رمضان أمين

اتجاه غذائي يثير الجدل طبيًا… وتساؤل إنساني عن حدود الاعتدال بين الإفراط والتشدد لم تعد الحميات الغذائية في وقتنا الحالي مجرد وسيلة لضبط الوزن، بل تحولت إلى أنماط تفكير كاملة، لكل منها قواعده الصارمة ورؤيته الخاصة للصحة. وفي هذا السياق، برز ما يُعرف بـ”نظام الطيبات”، الذي يقوم على استبعاد طيف واسع من الأطعمة المتداولة، مقابل التركيز على عناصر محددة باعتبارها الطريق الأقرب للتعافي.

 

هذا التحول من “تنظيم الغذاء” إلى “تقييد الخيارات” هو ما أثار انتباه الأوساط الطبية. فوفقًا لمتخصصين، فإن إقصاء مجموعات غذائية كاملة—مثل البقوليات أو بعض أنواع الخضروات—لا يمر دون ثمن؛ إذ يعتمد الجسم في تكوينه الطبيعي على التنوع، لا الانتقاء الحاد. ومع الوقت، قد يظهر ما يُعرف بالنقص التراكمي، حيث تتراجع بعض العناصر الأساسية دون ملاحظة مباشرة، حتى تنعكس على الصحة بشكل تدريجي. كما يشير أطباء إلى أن فكرة “التشافي الكامل” عبر نظام واحد مغلق لا تستند حتى الآن إلى أساس علمي كافٍ، بل تبقى أقرب إلى اجتهادات فردية منها إلى حقائق مثبتة. ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل الإقبال المتزايد على هذه الأنماط. وهو إقبال لا يفسَّر فقط بدوافع صحية، بل يعكس—في جانب منه—ميلًا إنسانيًا قديمًا نحو البحث عن “النقاء الكامل”، حتى لو جاء ذلك على حساب التوازن.

هنا، يتجاوز النقاش حدود الطب، ليلامس معنى أعمق في علاقة الإنسان بما أُتيح له. يقول الله تعالى: “فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ” الآية تشير إلى واقعة بعينها، جاء فيها التحريم كاستثناء مرتبط بسلوك، لا كقاعدة عامة. لكنها في الوقت ذاته تضع إطارًا واضحًا: الأصل في الطيبات هو الإباحة، وأساسها التيسير لا التضييق.

من هذه الزاوية، يبرز تساؤل معاصر بصيغة مختلفة: هل أصبح الإنسان يمارس على نفسه نوعًا من التقييد، دون أن يُطلب منه ذلك؟ بين أنماط غذائية تميل إلى الإقصاء، وسلوكيات تتأرجح بين الإفراط والتشدد، تتشكل حالة من فقدان التوازن. فبدلًا من إدارة النِّعَم، يتحول الأمر أحيانًا إلى صراع معها؛ إما بالإسراف فيها، أو بالانسحاب منها. وفي الحالتين، تكون النتيجة واحدة: اختلال الميزان.

الطب يتحدث بلغة واضحة عن أهمية التنوع والاعتدال، والدين يرسّخ مبدأ التيسير ورفع الحرج. وبين هذين المسارين، تبدو المسألة في جوهرها اختيارًا إنسانيًا: كيف نستخدم ما بين أيدينا دون أن نفرّط فيه أو نضيّقه على أنفسنا؟ ربما لا تكمن المشكلة في “الطيبات” ذاتها، بل في طريقة التعامل معها. فحين تُدار بوعي، تظل مصدر قوة واستقرار. أما حين تُحاط بالمبالغة—إفراطًا أو تقييدًا—فإنها تفقد معناها، وربما نفقدها معها. وفي ظل هذا التداخل بين الطب والفهم الإنساني، يبقى السؤال قائمًا: هل الطريق إلى الصحة يمر عبر التقييد… أم عبر فهمٍ أكثر توازنًا للنِّعَم؟

زر الذهاب إلى الأعلى