الدين و الحياةمقالات

العلماء: الهجرة المستدامة مشروع لبناء الإنسان وتجديد نهضة الأمة

 

العلماء: الهجرة المستدامة مشروع لبناء الإنسان

وتجديد نهضة الأمة

 

كتب: حازم السيد

أكد أساتذة بجامعة الأزهر الشريف أن الهجرة النبوية ليست حدثاً تاريخياً يُستدعى في مناسبة عابرة، ولا ذكرى تُروى للتأمل فحسب، بل تمثل منهجاً متجدداً لصناعة الإنسان وبناء الأمم، ورسالة مستمرة تدعو إلى الانتقال من مواطن الضعف إلى ميادين القوة، ومن أسر الشهوات إلى رحاب الطاعات، ومن الفوضى إلى العمران، موضحين أن الهجرة بمعناها الواسع لا تنتهى بمرور الزمن، بل تبقى قائمة ما دامت النفوس بحاجة إلى تزكية، والعقول بحاجة إلى وعي، والمجتمعات بحاجة إلى إصلاح وتجديد، وأن جوهر الهجرة يتمثل في التحول الدائم نحو الأفضل، وجعل الحياة كلها رحلة متصلة إلى الله تعالى بالأخلاق والعمل والإخلاص والسلوك القويم، بما يسهم في صناعة شخصية إيجابية قادرة على البناء والعطاء وخدمة الوطن والإنسانية.

قال الدكتور أحمد محمد لطفي، أستاذ الفقه المقارن، وعميد كلية الشريعة والقانون بالدقهلية، جامعة الأزهر، إن الهجرة النبوية الشريفة حدث له دلالاته التي توجب على العقل البشرى أن يتفكر فيها، فلم تكن حدثاً جغرافياً بحيث يكون أثره في زمانه فقط، بل خرجت الهجرة عن نطاق علم الجغرافيا، فالفكر القاصر يحصر الهجرة في زمان معين، ومكان معين، إلا أن الفكر المستنير يجعل من حدث الهجرة منهجاً دائماً، يكون الالتزام به سبباً من أسباب تقدم الأمم، فإذا كانت الهجرة الحسية التي هي الانتقال من مكان إلى آخر لها أثرها الفعال، فإن الهجرة المعنوية تكون أكثر تأثيراً، وأبلغ نفعاً، فالهجرة الحسية محدودة التأثير، أما الهجرة المعنوية فعامة التأثير، موضحاً أن للهجرة صوراً عدة، فقد وضع النبي، صلى الله عليه وسلم، ضابطاً لهذا النوع دون تفصيله، فقال في الحديث الصحيح: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»، معلناً بذلك عدم قصر الهجرة على الانتقال من مكان إلى مكان، وشمولها لكل ما يؤدى إلى الارتقاء بالمجتمع، ولعل ما يحياه المسلمون اليوم من تردٍ في الأخلاق، ومناقضة الواقع للدين خير دليل على حاجة المجتمع لهذا النوع من الهجرة، فالمعصية داء عضال، ومرض مهلك، ولا تكون الهجرة إلا بالتوبة، فقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها»، فالتوبة الصادقة بشروطها المعتبرة هجرة وترك لما حرم الله والالتجاء إلى ما أباحه الله، وهذا الترك إنما إعلان صريح لعلو هذا الدين وسمو مكانته، فلا ترتقى المجتمعات ولا تنهض إلا بالرجوع إلى الله، والاستقامة على المنهجية الإسلامية الواضحة التي لا يشوبها لبس ولا شطط.

وتابع لطفي: إذا كانت هجرة المعصية تتطلب ترك مكان ما وجب تركه، فلو كان العبد في مكان تنتشر فيه الفتن ويموج بالمعاصي، وجب عليه تركه والهجرة إلى غيره حفاظاً على دينه، وقد نقل ابن حجر العسقلاني عن بعض أهل العلم أنه يجب على كل من كان ببلد يُعمل فيها بالمعاصي، ولا يمكنه تغييرها، فالهجرة إلى حيث تتهيأ له العبادة؛ لقوله تعالى: «فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»، وهي تسمى هجرة العمل، وهي هجرة ما نهى الله عز وجل عنه من الموبقات، وقد أقر النبي، صلى الله عليه وسلم، ذلك في قوله: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»، مشيراً إلى أن هجرة الأفكار مهمة، وأن ترك الأفكار الضالة الشاذة والتمسك بالأفكار المعتدلة المستقيمة من أفضل أنواع الهجرة؛ فالأفكار تتبدل والوقائع تتطور، والإسلام دين قوامه الفهم، وأساسه العقل، فإذا وقعت حادثة تتطلب فهماً معيناً لنص ما إلا أن هذا الفهم لا يناسبها، وجب على المفكر أن يبحث عن فهم آخر لإيجاد حل لهذه المسألة، شريطة أن يكون النص الحاكم لهذه المسألة من النصوص التي يجوز وقوع الخلاف فيه، أما إذا كان من النصوص القطعية المحكمة فلا يجوز ذلك بإجماع العلماء، والقول بغير ذلك جمود فكري يتنافى تماماً مع أصول الرسالة المحمدية، وقد جاء القرآن الكريم صريحاً في اعتبار الفهم، فقال تعالى: «لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ»، لافتاً إلى أن هناك صور الهجرة المعنوية وهي الخروج من أرض البدعة، لأن العبد إذا لم يقدر على تغيير المنكر واستحال عليه ذلك، وجب البعد عنه، وقد قال تعالى: «وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ».

وأضاف الدكتور عبدالغني الغريب، أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين بالزقازيق – جامعة الأزهر، أن الهجرة النبوية الشريفة ليست حدثاً تاريخياً عابراً، ولا واقعة من الماضي تُروى للتسلية أو الاعتبار المجرد، بل نقطة تحوّل كبرى في مسيرة الإنسان نحو ربه، ومنعطف حضاري أسّس لأمة تُبنى على الوحي، وتُدار بالعدل، وتنهض بالقيم وإذا أُعيد قراءتها في ضوء المفاهيم المعاصرة، برز لنا مفهوم دقيق يمكن تسميته بـ«الهجرة المستدامة»، أي الهجرة التي لا تنتهي بانتهاء زمان أو مكان، بل تمتد في وجدان الفرد، وبنية المجتمع، ومسيرة الحضارة، موضحاً أن الهجرة المستدامة في جوهرها ليست انتقالاً جغرافياً فحسب، بل هي انتقال وجودي من حال إلى حال، ومن ضعف إلى قوة، ومن غفلة إلى يقظة، ومن معصية إلى طاعة، ومن انغلاق النفس على الشهوة إلى انفتاحها على معنى العبودية لله رب العالمين، فهي حركة دائمة الامتداد، لا تتوقف عند حد، ولا تنحصر في ظرف، بل تُعيد تشكيل الإنسان في كل يوم، وتُجدّد صلته بربه في كل لحظة؛ حتى يغدو الإنسان مهاجراً بقلبه وسلوكه، وإن أقام في أرضه، واستقر في وطنه.

وأضاف الغريب أن الهجرة في معناها المستدام سنّة تربوية إيمانية، تُخرج الإنسان من أسر العادة إلى رحابة العبادة، ومن ضيق النفس إلى سعة الأفق، ومن التعلق بالدنيا إلى التعلق بالآخرة، ولقد كانت الهجرة النبوية انتقالاً من مرحلة الاضطهاد إلى مرحلة التمكين، ومن دعوة مستضعفة إلى دولة قائمة على أسس من الإيمان والعدل والشورى، ولم تكن مجرد تغيير في المكان، بل كانت تغييراً في الإنسان أولاً، وفي القيم ثانياً، وفي البناء الاجتماعي ثالثاً، وقد تأسس مجتمع جديد في المدينة المنورة، تتآلف فيه القلوب قبل الأجساد، وتنتظم فيه الحقوق والواجبات، وتُصان فيه الكرامة الإنسانية، وتُبنى فيه العلاقة بين الحاكم والمحكوم على المسئولية لا الاستبداد، وعلى الشورى لا الإقصاء، وهكذا يتبين أن الهجرة كانت بذرة نهضة حضارية شاملة، لا تقف عند حدود الزمان، بل تمتد لتكون نموذجاً يُحتذى في كل عصر ومصر.

من جانبه، قال الدكتور أحمد الأمير جاهين، أستاذ ورئيس قسم التفسير بكلية الدراسات الإسلامية بأسوان – جامعة الأزهر، إن ذكرى الهجرة النبوية يستلهم الإنسان منها الدروس والعبر، وقد اشتملت الهجرة في تفاصيلها وأحداثها وأسبابها ونتائجها وثمارها على كم كبير من الحكم والفوائد، وفي كل درس وقفة، ومع كل عبرة فيها ذكرى، ومع كل حدث جرى خلالها طاقات إيجابية ورسائل دعوية ونماذج ترسم منهج الحياة الدائم لمن أراد بلوغ سنام المجد وذروته، وأنه في سبيل إدراك الهدف الأسمى يهون على الإنسان ما يلقاه من الصعاب، بل يشعر بلذة تغمره بإدراكه ما يتمناه من رفيع المنزلة وعظم المكانة، وهكذا كان لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه رضي الله عنهم الحق الأصيل فيما بلغوه من أجر أمن وسؤدد وشرف وكرامة بعد معاناة كبيرة قبل تحولهم إلى الهجرة فجنوا حصاد ثمارهم، موضحاً أن مبدأ الهجرة مقصد مطلوب مع وجود عدد من المقاصد الشرعية والمنافع الدينية والدنيوية التي يصبو إليها الإنسان امتثالاً للنداء الإلهي، يقول تعالى: «أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا»، وهذا معناه أنه لا عذر لمقصر قصر في ولوج باب الارتحال قصداً للخلاص مما ساءه وأحزنه، ولذلك فإن أصل الهجرة باقٍ ودائم عند وجود أسبابها، موضحاً أن أهم دروس الهجرة هو ارتباطها بنجاحات المهاجرين من خلص الخلق وأصفياء الرب ورسله عليهم السلام كما في قول الله تعالى: «فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»، حيث هاجر نبي الله وخليله إبراهيم وكذلك نبي الله لوط من العراق إلى الشام، وهاجر كليم الله موسى من مصر إلى مدين في جزيرة العرب كما في قول الله تعالى: «وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ».

وتابع: من أهم النجاحات عدم الاستسلام للواقع المناهض للفكرة المحارب للدعوة القاتل لكل طموح مشروع؛ فانتقال الأنبياء وهجرتهم أبقى دعوتهم ونقلها من أرض جدباء إلى الخصب والنماء، وهكذا ينبغي على كل مسلم بحيث لا يستسلم لظروف غير مواتية أو عراقيل قاسية، بل ينهج نهج الناجحين من أهل الصبر والصدق واليقين، ومن دروس الهجرة الأخذ بالأسباب مع اليقين بعناية الملك الوهاب وعدم التواكل المفضى إلى الإخفاق، فقد أعد النبي، صلى الله عليه وسلم، العدة والزاد والراحلة والدليل والرفيق وجميع ما يلزم فعله وتجهيزه جرياً على قاعدة الأسباب مع تمام التوكل، لافتاً إلى ضرورة الاستفادة في الهجرة من إخفاقات المكان القديم والسعي إلى بناء مجتمع جديد على أصول قوية وأعمدة متينة تتضاءل أمامها فتن النفاق وتتضاعر دونها حبائل الأعداء، فلم يكن أبداً لمجتمع أُسس على تقوى الله ورضاه أن يتساوى مع مجتمع حارب رسول الله وأبغض نور الله الذي أعطاه، وفي واقع الناس ينبغي أن ينقل الإنسان نجاحات هجرته، بحيث تمثل رافداً دائماً من روافد العطاء لا ينضب لها ماء ولا تحول بين مريدي الارتواء من عموم الخلق، وصدق الرسول، صلى الله عليه وسلم، حيث قال: «خير الناس أنفعهم للناس»، وكذلك عدم استغناء الخلق عنها لما يترتب عليها من منافع جمة ومصالح عاجلة، فهي وسيلة من وسائل مواكبة العصر واكتشاف المستحدثات في عالم المعاش الذي هو معين على التجهز للمعاد، فكم من الخلق نقلوا أممهم من حال إلى أفضل حال لما هجروا وأنتجوا وتقدموا، ثم عادوا إلى أوطانهم بثمار ما حصلوا، فتغيرت وجوه أوطانهم وكانوا سبباً في نهضة مجتمعاتهم وتوفير حياة أفضل لأبنائهم وأحفادهم.

 

زر الذهاب إلى الأعلى