مفالات واراء حرة

الفقر من الموروث الى التوصيم 

الفقر من الموروث الى التوصيم 

كتبت …ملكة محمد اكجيل

في هذا الجزء سنتطرق للسفلى في هرم الفقر داخل المجتمعات و قد سبق ان اشرنا الى ان الفقر ليس له وطن او جنسية محددة لكن هو ينتعش في البيئة التي تعاني من الهشاشة الاجتماعية و الاقتصادية .
هذه الفئة المسماة في علم الاجتماع بالطبقة المنبوذة و هي الاكثر تضررا من الآفة التي تنخر المجتمعات ؛ فمصطلح “منبوذة ” يشمل النبذ بكل صيغه و على جميع المستويات بحيث تتشابك كل انواع الفقر ليصبح ازمة كيان عند اشخاص يعيشون على هامش المجتمع .

■سكن على الهامش:

هذه الطبقة من المجتمع تعيش في اوضاع سكنية اقل مايقال عنها جحور تأويهم من تقلبات الطقس مثلا دور الصفيح ؛ مساكن عشوائية تفتقد الى ابسط المعايير الصحية مثل الصرف الصحي ؛ الكهرباء و الماء الصالح للشرب ناهيك عن مؤسسات الخدمات الاجتماعية التي لاتكون اصلا متوفرة في المناطق التي يستقرون بها مثل المدارس و المستوصفات الى غير ذلك .و هذه الاحياء او ما يصطلح عليه “الجيتو ”
عند الغرب و دور الصفيح في المجتمعات العربية تكون غالبا على هامش المدن الاقتصادية او التي تعرف رواجا تجاريا مرتفع ؛ فتلك هي المفارقة الكبرى ان الثراء داخل المجمع الحضري يجلب شريحة من عديمي الدخل تترامى على محيطه .

■انعدام الدخل :

الطبقة المنبوذة منعدمة الدخل اساسا و هي تعيش بدون مخططات مستقبلية اسرية و معرضة لمفاجأة الحياة بدون ادنى سقف للتأمين.
فكل يوم يأتي برزقه حسب مفهومها لتلبية الحاجيات ..
او بفرصة كسب بضع قروش تسد جوع البطن
و الاكثر من هذا؛ نجد اعضاءها لايشغل بالهم الغد بقدر اللحظة الآنية و يتقبلون الوضع على اساس انه قدر .

■غياب التعليم :

رغم ان الامم المتحدة اثناء وضع ميثاق حقوق الطفل اصرت على ان التعليم حق اي الطفل في بنوذها واغلب دول العالم انخرطت في هذه الشعارات الاممية نجد ان العملية التعلمية التعليمية شبه غائبة على سكان هامش المجتمع و ان الهدر المدرسي يسود اوساطه الشبابية بشكل كبير كذلك الامية.
فهذه الطبقة اخر همومها هي التعليم بحيث تدفع باطفالها لسوق العمل الغير المهيكل ( بائعي المناديل الورقية على الطرقات ؛ غسل السيارات ..الى غير ذلك ) كما يلجون سوق التسول و التشرد ليتحملون بدورهم معاناة البقاء و الاستمرارية .

■ثقافة الفقر:

عندما ندخل محيط الطبقة المنبوذة ينتابنا شعور بالخوف كأننا وسط جنس غير جنسنا و هذا راجع للقطيعة الثقافية المجتمعية التي تحصل بين مقيمي اسفل الهرم الاجتماعي و باقي مستوياته ؛ هذه القطيعة اتت نتيجة الرفض الاجتماعي الاشعوري الذي يمارس عليها من قبل المجتمع المنتج كأنها هي المسؤولة عن اوضاعها وكنتيجة لهذا يمارس المنبوذ ردة فعل يكتسبها من ثقافة الفقر التي اسسها لنفسه ؛ فاحياء الفقراء غنية بالجريمة نتيجة العوز و كرها في الواقع المعاش فالاخر بالنسبة له غريم و عدو في صراع حول لقمة العيش .
•انتشار الدعارة بشكل واسع لانعدام القيم الاجتماعية و جهل القانون الاجتماعي في كثير من الاحيان.
•ارتفاع معدل النسل في الاسر الفقيرة بسبب انعدام ثقافة تحديد النسل اولا و عدم وجود رؤية مستقبلية للاسرة خصوصا الاطفال بالاضافة انه كلما كان العدد مرتفعا الافراد كلما توفرت الحماية لها في محيط تسيطر فيه القوة الجسدية .
ً أوسكار لويس الباحث الامريكي في علم الانتروبولوجيا ، بين في أبحاثه الشهيرة ” الحياة الفقيرة” ثقافة الفقر مستندا على دراسة الأنثروبولوجيا الثقافية، فرأى ان الفقراء يتقاسمون نظام معتقدات وأنماط سلوك ؛ يتوارثونها عبر تنشئتهم الاجتماعية .
فثقافة الفقر هذه تتكيف مع محيطهم المهمش ، و تزكي ممارسة الفقراء حتى وان كانت مشينة لمواجهة صعوبات الحياة اليومية، وهي مثل أية ثقافة أخرى بدونها ستكون الفئة المنبوذة مهددة ولا يمكنها الاستمرار في التواجد. مفهوم ثقافة الفقير و وجود ثقافة خاصة بالفئات الأكثر فقراً في المجتمعات لاقي معارضة قوية من طرف عدد كبير من المختصين في الأنثروبولوجيا الثقافية، بل اعتبره البعض نوعا من التمييز الاجتماعي متجاهلا انه فعلا هناك تمييز اقتصادي و فكري و اجتماعي تخضع له الفئات المهمشة حتى داخل الاقتصادات القوية مثلا في امريكا كيف ليس هناك تمييز و الملايين من المواطنين الامريكيين لايستطيعون الحصول على الخدمات الطبية الحكومية بسبب ظروفهم المادية التي لاتتحمل تسديد التأمين الطبي .
وفي احد اقوى الاقتصادات الاوروبية فرنسا هناك فقر تعاني منه خصوصا الفئة المسنة لعدم قدرتها على الشغل.
في البلدان العربية ايضا هناك طبقة لاتعرف ماهو مفهوم الدخل و لا التعليم و لا التطبيب حيث تستفحل الجريمة و المخدرات بشكل واسع.
هناك ثقافة الفقر التي تزكي في الاوعي الفقير ان السبل كلها صالحة للحصول على وجبة او جرعة مخدرات ؛ ويجب ان نتقبل الواقع مهما كان مرا لانه نتاج سياسة تنهج سوء تدبير اقتصادي و اجتماعي يقصي فئة معينه تتوارث الفقر و الهشاشة.
فمن يقيم في المجتمع على الهامش، لا يدرك آلياته الانتاجية كما انه لاينخرط في علاقاته الحميمية ويبقى على نحو ما خارج الجماعة ليبدع في طرق احتيالية بذكاء للاستمرارية .

الوسوم

صدى مصر

كاتب ومراسل اخباري, محلل سياسي يهتم بالقضايا المصرية والاقليمية وشؤن التعليم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: