مقالات

القوة التي لا نراها بقلم/نشأت البسيوني 

القوة التي لا نراها

بقلم/نشأت البسيوني 

في داخل كل إنسان قوة خفية لا يلاحظها أحد ولا يتحدث عنها أحد لأنها لا تظهر في المواقف الكبيرة فقط بل تتكون ببطء في زوايا الأيام حين ننهض بعد تعب شديد وحين نكمل طريقا لم يعد يشجعنا وحين نبتسم رغم أن قلوبنا تريد البكاء وحين نصبر على ما لا نفهمه ونحاول أن نمنح أنفسنا فرصة أخرى دون أن يخبرنا أحد أن نستمر هذه القوة لا تتجلى في انتصار سريع ولا في صخب 

يلفت الأنظار بل تتراكم مثل الماء الذي ينحت الحجر بصمت وتكبر دون أن نشعر حتى تصبح جزءًا منا تحمي خطواتنا وتحفظ توازننا وتدفعنا إلى الأمام حتى حين تفقد أرواحنا الشغف وحتى حين نشعر أن العالم أثقل من أن نحتمله وهناك لحظة يكتشف فيها الإنسان أنه استطاع عبور ما كان يظنه مستحيلا وأنه ما زال واقفا رغم كل الأبواب التي أُغلقت في وجهه وأنه ما زال يحلم رغم 

الخيبات التي حاولت خنق صوته وأنه ما زال قادرا على البدء من جديد رغم أن الطريق لم يرحمه يومًا وهذه اللحظة وحدها تكشف أن القوة الحقيقية لم تكن يوما في العضلات ولا في السلطة ولا في الكلمات الكبيرة بل في القلب الذي يتصدع ولا ينهار وفي الروح التي تنطفئ ولا تستسلم وفي الإنسان الذي يعرف أن ضعفه ليس عيبا وأن خوفه ليس نهاية وأن عثراته ليست إعلانا بهزيمته لأن كل 

سقوط يمنحه درسا جديدا وكل توقف يفتح بابا مختلفا وكل محاولة فاشلة تعيد تشكيله بشكل أعمق وأوعى ومن هنا يصبح الإنسان أقوى دون أن ينتبه ويمضي في حياته كما لو أنه يواصل السير بالسرعة نفسها بينما هو في الحقيقة يسير بجناحين خفيين صنعهما من ألمه وصبره وتجربته وهذا هو جوهر القوة التي لا نراها القوة التي تبقى صامتة حتى نحتاجها ثم تظهر في اللحظة التي 

نظن أننا انتهينا لتقول لنا إن ما في داخلنا أكبر مما يحدث حولنا وأننا لم نخلق للانهيار بل خلقنا لنقف مهما تكرر سقوطنا

زر الذهاب إلى الأعلى