مقالات
أخر الأخبار

الكاتبة الصحفية منال فؤاد تكتب: الرابع من نوفمبر

هل يوجد حقًا ما يُدعى الحب، أم إنه سراب اختلقناه حتى لا نفقد الأمل ونكمل ما تبقى من حياتنا هائمين بحثًا عنه؟ فصراع النفس أشد وطأةً من صراع كل أهل الأرض.

كانت تجيد اختراع المناسبات، وتنتظر الأيام الاستثنائية لتمنحه حبها…

هاتفته وقالت له: لا تنسَ يوم 4 نوفمبر، فهو يوم الحب المصري، وعلينا أن نكمل ما بناه الكاتب مصطفى أمين حين اختار لنا هذا التاريخ تعبيرًا عن التسامح والمحبة بين الناس، ولكني سأختصره هيامًا فيك.

قررت الاحتفال، واختارت له هدية: كرافت أنيق، وزينته بعطرها، ودثرته في علبة تلتحفها قطع التل الملون، وتنتهي بفيونكة أنيقة على شكل قلب. وجهزت فستانها الأحمر، فلونه يناسب العشاق، وأحيانًا الغضب.

ثم اختارت كارتًا أبيض لتكتب عليه كلمات للذكرى المنسية، فكتبت:

«أحبك في هذا اليوم وفي كل يوم».

وفجأة تفوهت: كيف ألقي بالوعود والضمانات على أيام مقبلة؟ فكم من حكايات دمرتها الوعود؟

كانت تقدس الحب، وتجد فيه نهرًا فياضًا من الأحاسيس الرفيعة التي تعبر عن أنبل وأعظم ما أودعه الخالق سبحانه وتعالى في النفس البشرية.

فذهبت بعيدًا برأسها، وقررت أن تمنحه ما يجعله يشعر بآدميته، ويرفعه إلى سماء صافية، بعيدًا عن مهازل الأرض…

فقالت: كل ما أملكه من عقيدة لا تصدأ في داخلي هي ملك له، ولم لا؟ فأنا وقلبي ملك يمينه.

فأخرجت صندوقًا خشبيًا مرصعًا بالصدف الأصيل، ومجموعة من الأوراق الناصعة، وشرائط ملونة، وأخذت تدون ما تملكه وتعرف أنها تستطيعه.

كتبت في ورقة:

سأهبك احترامًا لا يُبتز بالعاطفة ولا يُقاد بالخوف، ولن يترنح من غدر الكلمات.

وتبعتها بأخريات:

سأنعم بالحميمية الفكرية معك، ولن تكون شرارة اختلاف، بل سأشعل بها في رأسي ألف مصباح.

سأخرج من القطيع إن صار خلاف، وأترك للوقت مهمة إصلاح الأشياء، وأتفرغ أنا لإطعامك حبات الرمان.

كل ليلة وعلى المنصة، أتلو عليك الحكايا، وأخبرك أنني أغرق فيك حتى التعب… أنت رجل لا تنتهي…

لا ضير أن تطلب الفراق، سأقبله بسلام، فما من أحد عبر حياتك وغادرها، ولكن سأظل أسأل: كيف كان حالي يبدو لو أنه لم يأتِ أصلًا؟

ولا بأس أن كذبت، فنحن بشر، مزيج من الاثنين… ملائكة خطاؤون وشياطين بضمير.

وإن أردت الحديث، سأنصت إليك، وإن أردت الصمت، فسأصمت معك، وأحيطك بذراعيّ دون أن أطالبك بالكلام.

إن ضاقت بك الأرض يومًا، فكل الصبر الذي خطر ببالك أخبأته في نهدا، مهدته لك.

وإن أغضبتني، سآوي إلى صدرك كي أعاتبك، وأغرم بتفاصيلك.

وأما عن الطاعة، فأنت أمان يفوق المعتاد.

وعن النساء الأخريات… تركت القلم، ربما جف مداده، ولكن لا بد أن أكمل.
فكتبت: سأحفظ العهد، وأصون الأسرار، وأعيش مع ما فى قلبى وحيدة خيرًا من أكون بديلة.

وأما عن الغيرة، فهي تربك رأسي، ربما أنزوي قليلًا، وأعود وفي عينيّ لك لمعة حنان تكفي لترمم الإرباك…

وإن غبت عني، أنادي في الصمت اسمك، وأتسكع ليلًا بين صورك، فأراك تتكاثر حولي.

وانتهت رسائلها بورقة أخيرة:

وإن كنت قدري، فسأخاف الله فيك.

وأغلقت الرسائل، كلًّا برباط، ووضعتها بترتيب عشوائي في الصندوق، وأغلقته.

نهضت من مقعدها، وتملؤها الحيرة، ودار في رأسها ألف استفهام:

هل أستطيع؟

فما كتبته هو من درب الخيال وخصال الملائكة. ثم قالت: بل هي قواعد لمن كان العشق مبتغاه.

ولم لا؟ أليس في ملتنا المودة والرحمة وطيب الكلمات؟

وجاء الرابع من نوفمبر.

ارتدت حلتها وحملت هداياها، وكان لقاؤهما على شاطئ النهر.

تبادلا العناق والكلمات والابتسامات…

كانت هديته محفظة نسائية مشبعة بالأوراق المالية، وقال لها: ابحثي عن هدية تناسبك، فأنا لا أعرف أذواق النساء…

وفتح هديتها وقال: كم يعجبني رونقك، سأرتديها غدًا في أول اجتماع.

ومدت يدها إليه بالصندوق الخشبي، وقالت: هذه هدية العمر.

فتحه وتفحص ما به من رسائل، فضحك ضحكة فائز، ومال إلى الوراء،
وقال: كم ضاع من وقتك في كتابة كل هذا الكم من المستحيلات، وكأنك حور عين خرجت من الخيام…

أين دهاؤك وكيدك؟ ألم تعلمي أن كيدكن عظيم؟

فلمحته بعين زائغة، وقالت: الكيد والمكر والدهاء، هذا الثالوث صليت عليهم صلاة مودع، وقذفت بهم في النهر منذ رمقتني عيناك.

قال: مذهلة أنتِ، كلوحة قديمة تملؤك تفاصيل تقودني إلى الجنون… وطيلة عمري أعيش بالمنطق!

فهمهمت: ألم تعلم أن المنطق كان ابن الجنون، وتاه في زخم العصور؟

اكتب عنك
لا أسردُ لك حكاية،
فالذنبُ ذنبُك.
أعدتَ لقلبي نبضَه،
وأيقظتَه من سُباته،
وتركتَه غارقًا في عنادك.

زر الذهاب إلى الأعلى