مقالات

الكاتبة الصحفية منال فؤاد تكتب: مذكرات أنوثة مسجونة

أحن إلى هدهدة ناعمة عند الليل مع معشوقي التائه مني، أخرج بعدها إنسانة أخرى، تقول إن البؤس ليس قدرا، وأن السعادة ليست مستحيلة…

أما بعد؛
تنذر سماء أكتوبر الهادئ بالتراجع خطوة إلى الوراء، وتندد بعواصف رعدية، ومعها يتحرك في حياتنا أمر ما. ربما إلى الوراء أو الأمام،
لا أعلم؛
لأن لكل روح حكاية، ولكل إنسان مشاعر يحتفظ بها في أعماقه.. ذلك الرف الخفي الذي نحمله في داخلنا، والممتلئ بكل ما ترك أثرا فينا.

في ليلة دافئة، هبت على حافة النهر رياح تحمل رسالة ملفوفة، كانت في أول سطورها:

«بمفردي أكتب ذاكرتي»….
كنت صغيرة عندما همسوا في أذني:
«أن تكوني عادية فهذا أمر مريح، لكن الاستثناء يكمن في عناء الاختلاف والوقوف وحيدة على قمة التميز، وأن العلم سلاح، وأن الاستغناء قوة،
وإياك وصخب الحياة وسطحيتها، أوجدي بدلا منها مغزى وهدفا».
ومرت الحياة، وصنعت عالما صغيرا ليس فيه أحد سواي، والكثير من الأشياء التي أحبها.. ولكنها أشياء باردة للغاية، وخاوية تماما.
وطبقا للوصايا، أجبرت على السير إلى جانب أحمق لا يتفق معي..

وكنت أحيانا أشعر أن هناك خطأ ما، ولا أعرف منبعه: هل هي سمات جيل تغيرت فيه الأشياء؟ أم أن جهلا مفرطا مختبئا ظل طويلا تحت السطح، ثم نهض فجأة كبركان يسمى «المرأة القوية»، أو ربما «العنيدة».. «المرأة الخارقة» أو «الاستثنائية»؟

ومرت السنين، ومع كل نجاح تمنحني الحياة لقبا من تلك الألقاب العتية ، وصفتني بكل شيء إلا أساسيات المرأة الفطرية..
وتغلغلت داخلي تلك الكلمات التحفيزية الوهمية، ونسيت أنني بنت حواء.. تلك اللطيفة التي خلقت من ضلع أعوج.

وخرجت للحياة بكل معاركها، وخرج معي جيل يحمل سماتي، منا من أخذ من الحب وسيلته ومنا من عامله بصوفيته كى لا يوجعه ، ومشينا معنا تحت مظلة العقل..
البعض تزوج وأنجب، والبعض انفصل، ومنا من اخلص للعزوبية..
كل هذا تعايش بشبح امرأة، تعيش كل تفاصيلها بهذا الشبح؛
الغير الحقيقي ولكنه مرئي..
غير الشعوري ولكنه مؤد.
ونضجت بالطريقة الصعبة، ونسيت أنني أنثى؛ شريعتها الدلال، ومذهبها الرحمة..

حتى باغتتني يقظة الروح..
في موقف ما لا أدريه، أو قصة ما لا أعرفها.. يمكن عمرا ما لا أحسبه.. لكن الأكيد أن كبرياء الخريف أراد أن يُسقط كل ما ذبل».
هبط معشوقي التائه مني،
هدم جداري.. دغدغ صمودي،
فتساقط أمام عيني كل ما آمنت به يوما، وتجردت من وهم القوة وزيف الاستثناء، وتبدل العصيان بطاعة..
وارتديت رداء حواء،
وقضمت التفاحة مرة أخرى!
جاء من حل ضفائري وحرر أنوثتي المسجونة — سجنتها الأفكار أو ربما الإدراك—.

قلت له: «بلغت من العمر عتيا، أفلا ترى جمالي قد ذهب؟»
قال: «ولو بلغت المائة، هل نقص من سعره الذهب؟ فالجمال لا ينقصه العمر، بل تزيده السنوات عمقا وهيبة… ولك في الجمال ألف سبب».
فقلت.. كم وددت ألا ينتهي الكلام معك، إن لكلماتك أيادي حنونة تلمس قلبي بلطف، وتجعل داخلي دافئا. .إنك لا تعرف ما معنى أن تتوهج روحي لأني أحادثك.
فلوح لي قائلا: «وأنا حجزت لك مقعدا في التاريخ»..

عندها رأيت للمرة الأولى
أن النجوم في السماء، والأرض تحتي..
اقف في منظر جميل،
عواصف صامتة وحنين يكسو قلبي.

نزعت ما في جوفي من مرارة، وقلت:
أعلم أن الفهم نعمة ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾، ولكن الفهم لا يتطلب أن أتخلى عن أنوثتي وشغفي ومذهبي.
كان علي أن أفكك بنيتي العقلية بأكملها،
أن أعود إلى حالتي الأولى،
أن أغفر لنفسي كم سنة عشتها دفاعا عن صورة لم تكن تشبهني!
كل شهيق أعادني إلى لحظة لم أعشها..
كل زفير علمني معنى الفناء..

لوحت له يدي مودعة.. وهو لا يعلم كم يدا في قلبي لوحت له للبقاء!

بكيت بمفردي ليلة كاملة، دون كلمة مواساة واحدة، حتى جففت الشمس دموعي.

كتبت فى خريف من الف عام

حياتي تتجسّد حين أرويها،
وذاكرتي تثبت بالكتابة..
وإن ما لا أصوغه في كلمات،
وأدوّنه على الورق،
سيمحوه الزمن.

زر الذهاب إلى الأعلى