الكاتب الصحفي محمد الغول يتساءل: هل آن للفارس أن يترجّل …؟!

سؤال … هل آن للفارس أن يترجّل …؟
أما آن للفارس .. بعد سبعة وثلاثين عاما من الركض فوق دروب وعرة .. أن يخلع درعه قليلا … أن يُسند قلبه إلى ظل وارف .. وأن يترك لخطاه المتعبة فرصة أن تتنفس؟
وسط هذا الامتلاء الذي يشبه الاكتمال … يهمس السؤال من عمق الروح .. كنبض حي لا يعرف السكون:
هل كانت هذه السنوات كافية … أم أن في القلب بقية لم تُقال بعد؟
هل انتهت الرحلة فعلا … أم أن الطريق ما زال ينادي باسمه في صمت؟
أهذا ترجلٌ يليق بفارس لم يفرغ بعد من عطائه … أم استراحة محارب يستجمع ما تبقى من ضوء؟
هل ما زال في العمر متسع لحلم جديد … أم أن الحلم نفسه تغير .. واكتفى بما كان؟
أهي حكمة النهايات التي تدعوه للهدوء .. أم ضبابية اللحظة التي تحجب عنه رؤية امتداد الطريق؟
هل تعب الجسد وحده .. أم أن الروح أيضا بدأت تميل إلى السكون؟
وهل يمكن لفارس عاش عمره كله يقاوم … أن يعتاد فكرة التوقف .. أو حتى يؤمن بها؟
أهو الاكتفاء … أم الحنين لبداية أخرى تشبهه؟
أسئلة لا تبحث عن إجابات بقدر ما تبحث عن صدق الشعور
فبعض الرحلات لا تنتهي .. بل تتبدل ملامحها .. وبعض الفرسان لا يترجلون .. بل يعيدون تعريف البوصلة.
سبعة وثلاثون عاما .. ليست رقما يُكتب .. بل عمر يُعاش بكل ما فيه من ارتجاف البداية .. ومرارة السقوط .. ونشوة الوقوف من جديد.
سبعة وثلاثون عاما من الصبر الذي لم يكن اختيارا بقدر ما كان قدرا .. ومن الدأب الذي صار لغة لا تُترجم .. ومن السهر الذي علّم الليل كيف يصادق العيون التي لا تعرف النوم.
كان الطريق طويلا
طويلا بما يكفي ليصنع من ذلك الفتى القادم من أعماق الصعيد يحمل أمله ..رجلا .. ومن الحلم واقعا .. ومن الانكسار درسا لا يُنسى.
هل تعثّر في رحلته؟ .. نعم
هل تعرض للسقوط؟ .. نعم
لكنه في كل مرة كان ينهض .. كأن الأرض لم تلمسه .. وكأن التعب لم يمر بقلبه يوما.
كان يحمل المهنة لا فوق ظهره فقط .. بل .. كرسالة يؤمن بها حين يخونه الإيمان .. ويحبها حين تقسو عليه .. ويصبر عليها حين تضيق به السبل.
لم يكن النجاح دائما رفيقه .. لكنه كان دائما رفيق المحاولة … رفيق المقاومة التي تدفعه لتحويل أي فشل إلى نجاح
ولم تكن الانتصارات كثيرة بالقدر الذي يرضيه .. لكنها كانت كافية لتبقي النار مشتعلة في صدره.
وفي قلب هذه الرحلة … لم تكن التجارب مجرد محطات عابرة .. بل كانت شرفا يُحمل على الأكتاف .. ونياشين خفية تلمع في أعماق الروح.
كان لكل محاولة معنى .. ولكل سقوط حكمة .. ولكل نجاح طعم لا يُنسى .. طعم تعب صادق .. وسعي لا يعرف التراجع.
كان يحفر في الصخر .. لا بيديه فقط .. بل بإيمانه .. بعزيمته .. بصبر طويل لا ينكسر .. وكأن المستحيل عنده مجرد تأخير مؤقت للحلم.
تحمّل المسؤولية في كل حياته كما يتحمّل الجبل ثقل السماء .. وأدّى الأمانة في أحلك الظروف .. حين كانت الطرق مظلمة .. والخيارات ضيقة .. والضغوط تكاد تفتّت القلب.
لكنه ظل ثابتا .. نقيا .. لا يساوم .. لا يخدع .. لا يخون .. ولا ينحني إلا ليحمل من سقط .. أو ليقيم ما كاد ينهار.
تعلّم .. لا لأن التعلم واجب .. بل لأنه حياة.
تعلّم من الفشل كما تعلّم من النجاح .. من الألم كما تعلّم من الفرح .. حتى صارت الحكمة تهرول نحوه .. ويصير الهدوء لغته حين تضج الدنيا من حوله.
وقاد جواده .. لا بصوت عال .. بل بروح عالية .. بأسلوب رشيق ساحر .. يجعل من حوله يؤمنون قبل أن يسمعوا .. ويعملون قبل أن يُطلب منهم.
في ليال كثيرة .. كان الصمت صديقه الوحيد .. وفي لحظات أكثر .. كان التعب يجلس إلى جواره كظل لا يغادر.
لكنه، رغم ذلك .. لم يساوم .. لم يبدّل الطريق .. ولم يخن الحلم .. ولم يساوم على كرامة الرحلة.
وها هو اليوم … يقف عند حافة العمر المهني .. لا منكسرا .. بل ممتلئا
ممتلئا بالحكايات .. بالوجوه التي مرّت .. بالأيام التي صنعت منه ما هو عليه .. وبالإنجازات التي كُتبت بعرق السنين لا بحبر الكلمات.
ينظر خلفه .. فلا يرى مجرد سنوات .. بل يرى ذاته وهي تُولد من جديد في كل محطة .. ويرى أثره محفورا في كل خطوة .. وفي كل روح لمسها .. وفي كل نجاح كان له فيه نصيب.
فهل آن للفارس أن يترجّل …؟
أم أن الفرسان لا يترجّلون حقا .. بل يغيّرون فقط ساحة المعركة؟
ربما لا يكون الترجّل نهاية
بل بداية أخرى أكثر هدوءا .. أكثر حكمة .. أكثر صفاءً.
بداية يُصافح فيها القلب ذاته
ويقول:
“لقد فعلت ما استطعت… بما استطعت … ووفيت.”
وهنا … فقط هنا …
لا يكون النزول عن صهوة الجواد ضعفا .. بل انتصارا أخيرا … يليق بفارس لم يخن الرحلة يوما
فارس شّرفه ما عاشه .. وما قدّمه .. وما تركه من أثر لا يزول.
فارس عاش عمره كله مقاتلا … لا يعرف طريقا غير المواجهة .. ولا يجيد لغة غير الصمود.
كان إذا اشتدت الرياح .. وقف في وجهها لا يبحث عن مأوى .. بل عن معنى.
قاوم ما يُرهق .. وواجه ما يُخيف .. وكان دائما ذلك الذي لا يتراجع … حتى وإن انحنى قليلا .. عاد أقوى مما كان.
فماذا حدث الآن …؟
أهو التعب الذي تسلل أخيرا إلى القلب بعد طول إنكار؟
أم هي لحظة صدق نادرة .. يرى فيها الإنسان نفسه بلا درع .. بلا صخب .. بلا روح؟
كيف لفارس اعتاد الصهيل أن يصغي فجأة لصوت الصمت؟
وكيف لمن عاش عمره يركض نحو القمم … أن يتأمل فكرة التوقف دون خوف؟
أم أن الحقيقة أبسط من كل هذا …
أن المقاتل لم يتغير .. بل نضج
وأن المواجهة لم تنته .. بل تغير شكلها
فصارت مع الذات .. لا مع العالم … ومع المعنى .. لا مع الطريق.






