المراة و منوعاتمقالاتمنوعات

المرأة … حكاية نصف العالم الذي يصنع العالم. بقلم : إسراء محمد

المرأة … حكاية نصف العالم الذي يصنع العالم

 

بقلم : إسراء محمد

في الثامن من مارس من كل عام يتوقف العالم لحظة تقدير واعتراف أمام قوة إنسانية عظيمة كان لها وما يزال الدور الأعمق في صناعة الحياة وبناء المجتمعات, إنه اليوم العالمي للمرأة. ذلك اليوم الذي لا يقتصر على الاحتفاء بالمرأة بوصفها فردًا في المجتمع, بل باعتبارها ركيزة أساسية في استقرار العالم وتقدمه, فالمرأة لم تكن يومًا مجرد حضور هامشي في مسيرة التاريخ, بل كانت دائمًا جزءًا أصيلًا من صناعته وشريكًا حقيقيًا في كل إنجاز إنساني عرفته البشرية. ومن يتأمل صفحات التاريخ يدرك سريعًا أن المرأة لم تكن غائبة عن أي مرحلة من مراحل تطور المجتمعات, فمنذ فجر الحضارات القديمة كانت المرأة تؤدي أدوارًا متعددة تتجاوز حدود البيت والأسرة إلى فضاء أوسع من العمل والعلم والإبداع. فقد كانت الأم التي تنشئ الأجيال وتغرس في نفوسهم القيم الأولى للحياة, كانت المعلمة التي تنقل المعرفة وتفتح أبواب الفكر, والطبيبة التي تسهر على إنقاذ الأرواح, كما كانت الكاتبة والمبدعة التي توثق الذاكرة الإنسانية, وتحفظ ملامح الزمن.

أعظم ما يميز المرأة عبر العصور هو قدرتها الفريدة على الجمع بين القوة والرحمة في آن واحد, فهي قادرة على أن تكون سندًا حقيقيًا لمن حولها, أن تتحمل مسؤوليات جسيمة دون أن تفقد إنسانيتها أو قدرتها على العطاء, وفي داخل كل امرأة حكاية صبر طويلة قد لا تُروى, لكنها تظهر في تفاصيل الحياة اليومية, في تلك الأم التي تواصل الليل بالنهار من أجل أبنائها, وفي تلك الفتاة التي تصر على تحقيق حلمها رغم الصعوبات, وفي تلك العاملة التي تقف بثبات في مواجهة التحديات كي تصنع مستقبلًا أفضل لها ولأسرتها…

لقد واجهت المرأة عبر التاريخ الكثير من العقبات والتحديات التي حالت أحيانًا دون حصولها على فرص عادلة في التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية, ومع ذلك لم تتوقف عن المحاولة, ولم تتخلَّ عن حقها في أن تكون شريكًا كاملًا في بناء المجتمع وقد كان الطريق طويلًا مليئًا بالمحطات الصعبة, لكن إرادة النساء في مختلف أنحاء العالم استطاعت أن تفتح أبوابًا كانت مغلقة وتثبت أن الكفاءة والقدرة لا تعرفان جنسًا أو حدودًا, واليوم لم تعد المرأة مجرد متلقية للفرص, بل أصبحت صانعة لها. حاضرة بقوة في ميادين العلم والاقتصاد والثقافة والسياسة وتشارك بفاعلية في صياغة الحاضر ورسم ملامح المستقبل

في كثير من الأحيان تكون المرأة هي القوة الهادئة التي تدفع المجتمعات إلى الأمام دون ضجيج لكنها تترك أثرًا عميقًا لا يمكن تجاهله وفي عالمنا العربي تشهد السنوات الأخيرة تحولات لافتة في حضور المرأة ومشاركتها في مختلف مجالات الحياة فقد أصبحت المرأة أكثر حضورًا في مجالات التعليم والعمل والإبداع وأثبتت قدرتها على تحقيق إنجازات كبيرة حين تتاح لها الفرصة ولم يعد الحديث عن دور المرأة مجرد شعارات تُرفع في المناسبات, بل أصبح واقعًا يتجسد في قصص نجاح حقيقية لنساء استطعن أن يغيرن مسار حياتهن وحياة مجتمعاتهن, غير أن الاحتفاء بالمرأة في يوم واحد من العام لا يكفي ليعبر عن قيمتها الحقيقية فمكانة المرأة لا ينبغي أن تُختزل في مناسبة عابرة أو كلمات احتفالية تُقال ثم تُنسى, بل يجب أن تتحول هذه المناسبة إلى فرصة للتأمل في حجم الدور الذي تقوم به المرأة يوميًا دون انتظار مقابل أو اعتراف…

يوم المرأة العالمي
يوم المرأة العالمي

إن المرأة ليست مجرد نصف المجتمع كما يقال, بل هي القلب الذي يمنحه الحياة والروح التي تمنحه المعنى, هي التي تزرع في الأجيال الأولى بذور الأخلاق والمعرفة, والتي تحافظ على تماسك الأسرة في أصعب الظروف, هي التي تسهم في بناء الاقتصاد والثقافة والفكر ومن دون حضورها الفاعل لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق توازنًا حقيقيًا أو تقدمًا مستدامًا.

ولعل أعظم ما يمكن أن تقدمه المجتمعات للمرأة ليس الاحتفال فحسب, بل الإيمان الحقيقي بقدرتها على المشاركة وصناعة القرار, فحين تحصل المرأة على فرص متكافئة في التعليم والعمل فإن المجتمع بأكمله يصبح أكثر قوة واستقرارًا لأن المرأة المتعلمة تربي جيلًا واعيًا والمرأة العاملة تسهم في ازدهار الاقتصاد والمرأة الواعية تبني مجتمعًا أكثر عدلًا وتوازنًا ومن هنا فإن الحديث عن المرأة ليس حديثًا عن فئة من المجتمع بقدر ما هو حديث عن مستقبل المجتمع كله فكل خطوة تخطوها المرأة نحو التقدم هي خطوة يخطوها المجتمع بأكمله نحو مستقبل أفضل وكل إنجاز تحققه امرأة هو في حقيقته إنجاز للإنسانية جمعاء.

إن يوم المرأة العالمي ليس مجرد مناسبة للاحتفاء بل هو دعوة مفتوحة إلى إعادة النظر في الطريقة التي ينظر بها العالم إلى المرأة ودورها إنه تذكير بأن تمكين المرأة ليس رفاهية اجتماعية بل ضرورة حضارية لا يمكن تجاهلها وفي خضم هذا العالم المتغير تظل المرأة واحدة من أعظم القوى التي تحافظ على توازن الحياة فهي القادرة على أن تحول الألم إلى أمل والتحديات إلى فرص والصعوبات إلى بدايات جديدة وفي كل مرة يظن البعض أن الطريق أصبح أكثر صعوبة تثبت المرأة أنها قادرة على الاستمرار والمضي قدمًا بثبات وفي نهاية المطاف يبقى السؤال الأهم ماذا سيكون شكل العالم لو لم تكن المرأة فيه شريكًا حقيقيًا في صنعه؟.

ربما لن نجد إجابة دقيقة لكن المؤكد أن الحضارة الإنسانية ما كانت لتصل إلى ما وصلت إليه اليوم لولا عطاء النساء عبر التاريخ ولهذا فإن الاحتفاء بالمرأة في هذا اليوم ليس مجرد تحية رمزية بل هو اعتراف مستحق بدورها الذي لا يمكن إنكاره فالمرأة لم تكن يومًا على هامش الحكاية بل كانت دائمًا في قلبها تكتب سطورها بصبرها وكفاحها وإصرارها على الحياة وفي زمن تتسارع فيه التحولات وتتشكل فيه ملامح المستقبل كل يوم تظل المرأة واحدة من أعمدة الحضارة الإنسانية وإذا كان التاريخ قد كتب كثيرًا من صفحاته بأسماء الرجال فإن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن تلك الصفحات ما كانت لتُكتب أصلًا لولا النساء اللواتي صنعن الحياة نفسها ولذلك فإن أعظم تكريم للمرأة ليس أن نحتفي بها يومًا واحدًا في العام بل أن ندرك كل يوم أن العالم في جوهره يبدأ من امرأة

زر الذهاب إلى الأعلى