حين يأتي الغدر من أقرب الناس
بين إخوة يوسف وسند هارون… حين يصبح الأخ إما سندًا أو جرحًا لا يُنسى
ليس كل غدر يأتي من عدو، وليس كل جرح يتركه غريب.
أحيانًا تكون أقسى الطعنات تلك التي تأتي من يدٍ كنت تظن أنها ستمسك بيدك، ومن شخصٍ وقفت إلى جواره سنوات، وتحملت من أجله، وفتحت له قلبك وبيتك، ثم فوجئت يومًا بأن الموقف تغيّر، وأن من ظننته سندًا أصبح خصمًا، ومن كنت تنتظر منه كلمة إنصاف أصبح أول من يحكم عليك.
وهنا يتوقف الإنسان طويلًا أمام سؤال مؤلم:
كيف يمكن للأخ أن يصبح على أخيه؟ وكيف تتحول سنوات العِشرة والمواقف والوقوف وقت الشدة إلى خلاف يجعل القريب أبعد من الغريب؟
القرآن الكريم لم يخفِ هذه الحقيقة عن الناس.
بل عرض لنا نماذج مختلفة للأخوة؛ أخوةً دخلها الحسد فكانت سببًا في المحنة، وأخوةً كانت سندًا وعونًا في أشد المواقف.
—
إخوة يوسف… عندما يدخل الحسد بين الإخوة
في قصة يوسف عليه السلام، جاء الغدر من الإخوة أنفسهم.
قال الله تعالى:
«﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ﴾»
ثم كشف القرآن بداية المشكلة:
«﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾»
ثم انتقلت الغيرة من شعور في القلوب إلى تفكير في الأذى:
«﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾»
ثم أُلقي يوسف عليه السلام في الجب، وعاد إخوته إلى أبيهم بقميص عليه دم كذب.
وهنا تظهر واحدة من أعظم العبر:
ليس كل من يحمل اسم “أخ” يؤدي معنى الأخوة.
فالأخوة ليست مجرد صلة دم.
الأخوة أمانة.
الأخوة رحمة.
الأخوة موقف.
وقد يجتمع الإخوة في بيت واحد، ويحملون اسم الأب نفسه، ويتقاسمون ذكريات الطفولة، ثم تدخل الغيرة أو المال أو سوء الفهم أو كلام الناس بين القلوب، فيتحول القريب إلى خصم.
لكن قصة يوسف لم تنتهِ عند البئر.
بل انتهت بالتمكين والعفو.
فعندما أصبح يوسف قادرًا على إخوته، لم ينتقم منهم، ولم يذلهم، وإنما قال:
«﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾»
وهنا درس عظيم:
أن تكون مظلومًا لا يعني أن تتحول إلى ظالم.
—
وعلى الجانب الآخر… هارون أخ يشد أزر أخيه
إذا كانت قصة يوسف تعلمنا أن الأخ قد يكون سببًا في المحنة، فإن قصة موسى وهارون تعلمنا الوجه الآخر للأخوة.
الأخ الذي يكون سندًا.
عندما كلف الله موسى عليه السلام بالرسالة، لم يطلب مالًا ولا جاهًا.
طلب أخاه.
قال:
«﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾»
كان موسى يريد أخاه عونًا وسندًا في حمل الأمانة.
وهنا المفارقة العظيمة:
يوسف وجد من إخوته من أراد إسقاطه في البئر، وموسى وجد في أخيه من يشد أزره.
فما أعظم الفرق بين أخٍ يزيد جرحك، وأخٍ يخفف عنك الجرح.
الأخ الحقيقي إذا رأى أخاه يتعثر مد يده.
وإذا أخطأ نصحه.
وإذا أصابه ظلم لم يتخلَّ عنه.
وإذا اختلف معه لم يحوله إلى عدو.
—
لكن ماذا يحدث عندما تدخل أخت في الخلاف؟
أحيانًا لا تبدأ المشكلة بين مجموعة من الإخوة.
تبدأ من شخص واحد.
قد تكون أختًا كانت في يوم من الأيام من أقرب الناس إلى أخيها، وعاشت معه سنوات، ووقفت بجانبه، وربما وقف هو أيضًا بجانبها في أوقات كثيرة.
ثم يأتي خلاف.
أو كلمة.
أو موقف يُفهم بصورة مختلفة.
أو تدخل من شخص آخر.
وفجأة تتغير الصورة.
تتحول الأخت التي كانت تعرف تفاصيل حياة أخيها إلى طرف في الخصومة، وربما تصبح هي من تشعل الخلاف أو تزيده.
وهنا لا يكون الألم بسبب الخلاف وحده.
بل لأن الإنسان يقول في نفسه:
كيف تغيّر هذا القلب الذي كنت أظنه أمانًا؟
ثم تأتي أخت أخرى.
ربما لم تكن صاحبة البداية، لكنها صدقت رواية سمعتها، أو تأثرت بموقف، أو اختارت أن تقف إلى جانب أختها.
ثم يأتي أخ ثالث.
لم يكن بالضرورة أصل المشكلة، لكنه انساق وراء الموقف، وأصبح جزءًا من الخصومة.
وهكذا تتحول المشكلة من خلاف بين شخصين إلى اصطفاف عائلي.
وهنا تكون الكارثة.
لأن الإنسان لم يعد يواجه شخصًا اختلف معه.
بل يجد نفسه أمام مجموعة من أقرب الناس إليه.
—
أخطر ما في الخلاف أن يتحول إلى معسكرات
عندما يختلف اثنان، يمكن أن تبقى المشكلة بينهما.
لكن عندما يدخل الآخرون بلا تثبت، يصبح لكل طرف مؤيدون.
واحد يقول:
أنا مع فلان.
والآخر يقول:
وأنا مع فلانة.
وثالث يكرر كلامًا سمعه ولم يشهد بدايته.
وهكذا يصبح الإنسان متهمًا أمام أشخاص لم يسمعوا منه أصل الحكاية.
ولهذا قال الله تعالى:
«﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾»
فالتثبت ليس أمرًا ثانويًا.
التثبت عدل.
والاستماع إلى الطرفين عدل.
وعدم الحكم على الإنسان من رواية واحدة عدل.
والأخ الذي يسمع من أخته عن أخيه لا ينبغي أن يسارع إلى الحكم.
بل يسأل:
هل سمعت منه؟
هل أعرف الحقيقة كاملة؟
هل يمكن أن أكون قد ظلمته لأنني صدقت رواية واحدة؟
—
الأخت التي أشعلت الخلاف… والأخت التي انساقت… والأخ الذي اتبع
ليس المقصود أن نحاكم أشخاصًا بأسمائهم.
فربما أخطأ أحدهم.
وربما سمع رواية ناقصة.
وربما حمله الغضب على موقف لم يكن ليأخذه لو كان هادئًا.
وربما يأتي يوم يكتشف فيه أن الصورة لم تكن كما ظن.
لكن الرسالة هنا لكل أخ وأخت:
إذا كنت أنت من بدأت إشعال الخلاف، فاتق الله في أخيك.
وإذا كنت ممن صدقوا الكلام دون أن يسمعوا الطرف الآخر، فتثبت.
وإذا كنت أخًا أو أختًا انسقت وراء الآخرين، فاسأل نفسك: هل أنا أبحث عن الحق، أم أبحث عن الانتصار لطرف؟
فالأخوة ليست أن تقول:
أنا مع أختي مهما فعلت.
ولا أن تقول:
أنا مع أخي مهما أخطأ.
بل الأخوة الحقيقية أن تقول:
أنا مع الحق، وأريد أن أصلح بينكم.
فإذا أخطأ أخوك، تنصحه.
وإذا أخطأت أختك، تنصحها.
وإذا ظلم أحدهما الآخر، تقول للظالم: ظلمت.
وتقول للمظلوم: لك حق.
هذا هو العدل.
—
المشكلة ليست في الاختلاف… وإنما في الظلم
الخلاف بين الإخوة أمر قد يحدث.
قد يختلفون في المال.
وفي الميراث.
وفي الأرض.
وفي القرارات.
وفي تفسير مواقف الماضي.
وفيمن فعل ماذا ومن قال ماذا.
لكن الإسلام لا يجعل الاختلاف مبررًا للظلم.
قال الله تعالى:
«﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾»
فالعدل ليس مع من نحبه فقط.
العدل يظهر عندما نختلف.
وقد يكون الإنسان مخطئًا في بعض مواقفه؛ فهذا أمر بشري.
لكن الخطأ لا يعني أن نمحو كل الخير الذي فعله.
ولا أن ننكر سنوات وقوفه بجانبنا.
ولا أن نختزل إنسانًا كاملًا في موقف واحد.
—
وأصعب شيء… أن تنسى أنك كنت سندًا لهم
هناك أشياء لا تؤلم الإنسان مثل المال.
ولا مثل خسارة بعض متاع الدنيا.
لكن أكثر ما يؤلمه أحيانًا أن يتذكر:
أنا كنت بجانبهم عندما احتاجوني.
كنت أساعد.
وأتحمل.
وأفتح الباب.
وأقف معهم.
وأحاول أن أصلح.
وأعطي من وقتي وجهدي.
ثم عندما جاءت لحظة احتجت فيها إلى كلمة إنصاف…
وجدت الأبواب مغلقة.
أو وجدت من كنت تعتبرهم سندًا يقفون في الجهة الأخرى.
وهنا يقول القلب:
بعد كل ما فعلته من أجلهم… هكذا يكون الجزاء؟
لكن هنا يأتي درس الإخلاص:
اعمل الخير لله، لا للذاكرة البشرية.
فالناس قد تنسى.
وقد تتغير.
وقد تعيد تفسير الماضي بما يناسب موقفها الحالي.
لكن الله لا ينسى.
قال تعالى:
«﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾»
فإذا فعلت الخير، فلا تندم عليه.
حتى لو لم يقدره من فعلته من أجله.
قل:
لقد فعلت ما استطعت، والله شاهد على ما فعلت.
—
ماذا قال النبي ﷺ لمن يؤذيه أقاربه؟
جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إن له قرابة يصلهم ويقطعونه، ويحسن إليهم ويسيئون إليه، ويحلم عليهم ويجهلون عليه.
فقال له النبي ﷺ:
««لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ»»
وهو حديث صحيح في صحيح مسلم.
يا لها من مواساة لمن يؤذيه القريب:
قد لا ينتصف لك الناس، لكن الله يعلم.
قد ينسى الناس معروفك، لكن الله لا ينساه.
قد تُروى القصة بطريقة مختلفة، لكن الله يعلم الحقيقة.
وقد تخسر معركة أمام البشر، لكنك لا تخسر إذا حافظت على نفسك من الظلم.
—
الأخوة ليست أن تنصر أخاك ظالمًا
النبي ﷺ قال:
««المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»»
وشبك ﷺ بين أصابعه. وهو حديث ثابت في الصحيحين.
لاحظ المعنى:
يشد بعضه بعضًا.
ليس يدفع بعضه بعضًا إلى الهاوية.
ليس يهدم بعضه بعضًا.
ليس يشعل الخصومة بين بعضه بعضًا.
وليس معنى الأخوة أن تنصر أخاك على الحق والباطل.
بل أن تنصره على نفسه إذا أخطأ، وعلى الظلم إذا وقع فيه، وعلى الشيطان إذا أفسد بينه وبين أهله.
—
صلة الرحم لا تعني قبول الظلم
وهذه نقطة مهمة جدًا.
صلة الرحم لا تعني أن يسمح الإنسان لأحد أن يهدم حياته أو يعتدي على حقوقه ثم يقول:
أنا أصل رحمي.
يمكن أن تصل رحمك، وتحفظ سلامك، وتضع حدودًا.
يمكن أن تسامح دون أن تعيد الثقة كما كانت.
يمكن أن تدعو لهم دون أن تدخل معهم في كل تفاصيل حياتك.
يمكن أن تقول السلام عليكم دون أن تعيد فتح أبواب النزاع.
يمكن أن تعفو عن الإساءة، وفي الوقت نفسه تطلب حقك بالطرق المشروعة.
فالإسلام لا يطلب من المظلوم أن يكون ساذجًا.
بل يطلب منه أن يكون:
عادلًا، صابرًا، عفيف اللسان، لا يظلم ولا يعتدي.
—
العفو ليس معناه أن تقول إن الظلم كان عدلًا
العفو قوة.
لكن العفو لا يعني أن تقول:
لم يحدث شيء.
ولا يعني أن تكذب على نفسك.
ولا يعني أن تسلم حقوقك.
ولا يعني أن تسمح بتكرار الأذى.
العفو الحقيقي أن تقول:
لقد آذيتني، وأنا لن أنكر ألمي، لكنني لن أسمح لإساءتك أن تجعلني شخصًا سيئًا.
وهذه من أعظم دروس يوسف عليه السلام.
لقد ذاق الغدر.
لكنه لم يصبح غادرًا.
دخل السجن ظلمًا.
لكنه لم يصبح ظالمًا.
وصل إلى القوة.
لكنه لم يجعل القوة وسيلة للانتقام.
وعندما جاء وقت الحساب قال:
«﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾»
—
لكن هناك فرق بين العفو ونسيان الدرس
من حق الإنسان أن يتعلم.
إذا تعرض للأذى، ليس مطلوبًا منه أن يكرر الخطأ نفسه.
إذا انكسرت الثقة، فإعادة بنائها تحتاج إلى وقت.
إذا ثبت أن القرب يسبب ضررًا، فقد تكون المسافة الحكيمة أفضل من الاحتكاك المستمر.
وهنا يجب أن نفرق بين أشياء أربعة:
العفو شيء.
وإعادة الثقة شيء آخر.
صلة الرحم شيء.
وتسليم نفسك وحقوقك لمن أساء إليك شيء آخر.
قد تسامح ولا تعيد العلاقة كما كانت.
وقد تحب الخير لأخيك ولا تسمح له بتجاوز حدودك.
وقد تصلي رحمك دون أن تدخل في كل نزاع.
وهذه ليست قسوة.
هذه حكمة.
—
وماذا يقول الشرع فيمن ظلم أخاه؟
الشرع لا يفرق بين قريب وغريب في تحريم الظلم.
قال الله تعالى:
«﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾»
وقال سبحانه:
«﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾»
والظلم لا يصبح حلالًا لأن المظلوم أخ.
ولا يصبح الكلام الجارح مباحًا لأن القائل أخت.
ولا يصبح أخذ حق الغير جائزًا لأن بين الطرفين صلة رحم.
فالرحم تُصان بالعدل.
والأخوة تحفظها الأمانة.
والقرابة لا تعطي أحدًا رخصة في ظلم الآخر.
—
وما موقف الصحابة والتابعين وأهل العلم؟
لم تكن الأخوة عند السلف مجرد كلمة.
بل كانت مرتبطة بالنصيحة والعدل والإصلاح.
وكان من هديهم أن المسلم لا يترك أخاه للخطأ، ولا يؤيده في الظلم، ولا يفرح بوقوعه.
والنصيحة الحقيقية ليست أن تقول لأخيك:
أنا معك في كل شيء.
بل أن تقول له عندما يخطئ:
اتق الله، لا تظلم.
وتقول له عندما يُظلم:
اصبر، ولا تظلم من ظلمك.
وتقول للطرفين:
تعالوا إلى كلمة سواء، ولنضع الحق فوق الأشخاص.
وهذا هو معنى الأخوة التي يريدها الشرع.
—
لا تجعل الخلاف العائلي يحولك إلى شخص آخر
قد يأتي يوم تنظر فيه إلى كل ما حدث وتقول:
لماذا تغيروا؟
وقد لا تجد إجابة.
وربما لا تعرف لماذا تغير موقف أخت كانت قريبة.
ولا لماذا وقفت أخت أخرى معها.
ولا لماذا اختار أخ أن يسير في الاتجاه نفسه.
لكن هناك سؤالًا أهم:
هل سأسمح لما حدث أن يغيرني أنا؟
هنا يجب أن يكون جوابك:
لا.
لن أصبح ظالمًا لأنهم ظلموني.
لن أكذب لأن غيري قال كلامًا غير صحيح.
لن أشتم لأن أحدًا شتمني.
لن أقطع رحمي انتقامًا.
لن أنكر الخير الذي كان بينهم وبيني.
ولن أتنازل عن حقي أيضًا.
سأكون عادلًا.
—
وربما يكون الصمت أحيانًا أكرم من الرد
ليس كل اتهام يحتاج إلى معركة.
وليس كل كلمة تحتاج إلى جواب.
وليس كل إنسان يحتاج أن تشرح له نفسك عشر مرات.
أحيانًا يكون أفضل رد:
أن تحفظ لسانك.
وتحفظ حقك.
وتبتعد عن الجدال.
وتترك الأيام تكشف ما عجزت الكلمات عن كشفه.
لكن الصمت لا يعني الضعف.
والعفو لا يعني التنازل عن الحقوق.
والابتعاد عن الخصومة لا يعني الاعتراف بالخطأ.
بل قد يكون الإنسان في أقوى حالاته عندما يقول:
أنا لن أؤذيكم، لكنني لن أسمح أيضًا بأن يؤذيني أحد.
—
وربما يأتي يوم يفهمون فيه ما لم يفهموه اليوم
كم من خلاف انتهى بعد سنوات.
وكم من إنسان اكتشف متأخرًا أنه حكم على شخص من رواية واحدة.
وكم من أخ ندم لأنه وقف في صف لم يعرف حقيقته.
وكم من أخت اكتشفت أن كلمة قيلت في لحظة غضب كانت سببًا في قطيعة طويلة.
ولهذا لا تغلق باب الصلح إلى الأبد.
لكن لا تركض خلف من اختار الابتعاد.
اترك باب الرجوع مفتوحًا.
واحفظ كرامتك.
واحفظ حقوقك.
فإذا جاء يوم جلس فيه الجميع وسأل كل واحد نفسه:
هل ظلمت أخي؟
هل ظلمت أختي؟
هل سمعت من طرف واحد؟
هل حملني الغضب إلى ما لا يرضي الله؟
فربما تبدأ عندها عودة القلوب.
—
إلى الأخت التي تغيّر موقفها
إن كنتِ يومًا أقرب الناس، فلا تجعلي الخلاف يمحو سنوات الأخوة.
وإن كنتِ قد تأثرتِ بكلام قيل لك، فتذكري أن من العدل أن تسمعي الطرف الآخر.
وإن كنتِ قد أخطأتِ، فليس عيبًا أن تقولي:
أخطأت.
فالاعتذار لا يقلل من قيمة الإنسان.
بل يرفع قدره.
والقلوب الكبيرة لا تنتظر أن ينتصر أحد على الآخر.
بل تبحث عن طريقة يعود بها الجميع إلى بعضهم.
—
وإلى الأخت التي انساقت وراء غيرها
لا تجعلي حبك لأختك سببًا في ظلم أخيك.
كوني معها في الخير.
وانصحيها إذا أخطأت.
ولا تجعلي الأخوة بينك وبين أختك سببًا في قطيعة أخيك.
فالحق ليس له أخ أو أخت.
الحق حق، ولو كان على أقرب الناس.
—
وإلى الأخ الذي انساق مع الموقف
قف لحظة.
لا تكن مجرد تابع.
لا تكن مع المجموعة لأن المجموعة أقوى.
اسأل.
استمع.
تحقق.
ثم احكم.
فربما يأتي يوم تكتشف فيه أنك خسرت أخًا بسبب قصة لم تسمع نصفها.
والعاقل لا يسمح لأحد أن يضعه في خصومة مع أخيه دون أن يعرف الحقيقة.
—
وإلى من وجد نفسه وحيدًا وسط أهله
لا تندم على الخير الذي فعلته.
ولا تقل:
ليتني لم أقف بجانبهم.
لأن الخير لا يصبح شرًا لأن صاحبه لم يردّه إليك.
ولا تجعل خذلان الناس يجعلك تندم على أخلاقك.
قل:
أنا فعلت ما فعلت لله، وما كان لله لا يضيع.
وقد يكون أعظم ما في هذه المحنة أنها علمتك أن تعلق قلبك بالله قبل البشر.
قال يعقوب عليه السلام:
«﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾»
فالصبر الجميل ليس أن تنكر الألم.
بل أن تتألم دون أن تظلم.
وتحزن دون أن تحقد.
وتختلف دون أن تفجر.
وتبتعد دون أن تنتقم.
—
وفي النهاية… لا تكن نسخة من الذين آذوك
إذا ظلمك أخ أو أخت، فلا ترد الظلم بظلم.
إذا أنكروا جميلك، فلا تنكر ما كان منهم من خير.
إذا أخطأوا في حقك، فلا تبحث عن فرصة لتخطئ في حقهم.
وإذا أُغلقت الأبواب، فلا تغلق قلبك أمام الله.
قال تعالى:
«﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ۖ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾»
ولذلك…
لا تجعل خلافًا عائليًا يمحو قلبك.
ولا تجعل سنوات العطاء تجعلك تندم على كل خير فعلته.
فالخير الذي فعلته لم يكن ضائعًا.
ربما لم يحفظه الإنسان…
لكن الله حفظه.
وإذا جاء يوم وتصافت القلوب، فالحمد لله.
وإذا لم يحدث، فليكن في قلبك مكان للرحمة، وفي يدك حدود تحفظ حقك، وفي لسانك عدل، وفي قلبك يقين بأن الله لا يضيع أجر المحسنين.
فيوسف خرج من البئر إلى التمكين.
وموسى طلب أخاه ليشد أزره.
وبين يوسف وموسى درس عظيم:
ليس كل أخ سندًا، وليس كل أخ عدوًا… ولكن الأخ الحقيقي يُعرف عندما تضيق الدنيا، لا عندما تبتسم.
وأشد ما يؤلم في الدنيا أن تكتشف أن من كنت تعتبرهم أهلك أصبحوا خصومًا.
لكن أعظم انتصار ليس أن تنتصر عليهم.
بل أن تنتصر على الغضب في داخلك.
أن تبقى إنسانًا رغم ما حدث.
أن تبقى عادلًا رغم الألم.
أن تحفظ لسانك رغم قدرتك على الرد.
أن تحفظ رحمك رغم الخلاف.
وأن تقول في النهاية:
يا رب، أنت أعلم بما في قلبي. إن كنت مظلومًا فانصرني بغير ظلم، وإن كنت مخطئًا فبصرني بخطئي، وأصلح بيننا إن كان في الصلح خير، واحفظ قلبي من الحقد، ولا تجعل ما أصابني سببًا في أن أؤذي أحدًا.
ثم تترك ما عجزت عن إصلاحه لمن لا يعجزه شيء.
فالله لا ينسى دمعة مظلوم، ولا معروفًا قُدّم، ولا قلبًا انكسر وهو يحاول أن يبقى طيبًا.
وإذا كان يوسف قد خرج من الجب، فإن لكل مظلومٍ عند الله بابًا لا يراه الناس… وقد يكون خلف الألم فرج لا يعرفه إلا الله.
محمود سعيد برغش








