الدين و الحياة

بين ستر الله وإمهاله. بقلم د/ محمد خضر

بين ستر الله وإمهاله

 

بقلم دكتور/ محمد خضر

يقول سيدي ابن عطاء الله:

(من أكرمك فإنما أكرم فيك جميل ستره.

فالفضل  لمن سترك. لا لمن مدحك ،

وليس أجهل ممن ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس.)…..

ولشرح المعنى نقول:

لا تغتر بمدح يعلو.

ولا بثناء يحلو.

فليس كل مديح استحقاقا.

وربما كان بعضه سترا وإشفاقا.

فالناس يرون ما ظهر.

والله يعلم ما استتر.

يرون صوابك.

ولا يرون عثراتك.

يرون نورك.

ولا يعرفون عتماتك.

يرون الثوب نقيا.

ولا يعلمون كم غسلته الرحمة خفيا.

فإذا مدحوك، فلا تقل:

هذا أنا.

بل قل:

هذا جميل ستر مولانا.

فالعجب ليس أن يمدحوك بما رأوا.

بل أن يسترك الله عما لو رأوه ما أثنوا.

وهنا سر الستر…

أن الله يعلم ولا يفضح.

ويرى ويستر.

ويقدر ويمهل.

ويفتح للرجوع بابا.

فلا تظن الستر رضا.

ولا الإمهال نسيانا لما مضى.

فالله يمهل ولا يهمل.

ويستر كي تعود.

لا كي تتمادى وتغفل.

فالستر رحمة.

والإمهال مهلة.

والتوبة هي الغاية.

وبين الستر والإمهال معنى تهتز له الروح…

يعلم الله منك ما لو علمه الناس لتغيروا.

ويرى منك ما لو رأوه ربما انصرفوا.

ثم يسترك.

فأي رحمة أوسع؟

وأي حلم أعظم؟

يعلم حقيقتك كلها.

ثم يمنحك عمرا لتصلحها.

يستر الماضي.

ويمهل الحاضر.

ويفتح للمستقبل بابا.

وهنا يبلغ قول ابن عطاء مداه:

(وليس أجهل ممن ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس.)

أنت تعرف ضعفك يقينا.

وهم يعرفون ظاهرك ظنا.

فكيف تترك يقينك لظنهم؟

وكيف تنسى علم الله لمدحهم؟

لا تجعل ميزانك في أفواه الناس.

فالمدح ريح.

والقلوب أوراق.

اليوم يرفعونك.

وغدا ينسونك.

أما من عرف نفسه، فلا يخدعه ثناء.

ومن عرف ربه، فلا يضره جفاء.

ومن عرف الستر، استحيا.

ومن فهم الإمهال، تاب.

ومن ذاق الرحمة، أناب.

فإذا مدحوك، فانظر إلى الستير.

لا إلى المادح.

وإذا أمهلك، فانظر إلى الحليم.

ولا تغتر بالمهلة.

وإذا فتح لك الباب، فلا تؤجل الرجوع.

وللستر سر آخر…

أن الله حين يسترك،

لا يستر عن الناس عيبك فقط.

بل يترك بينك وبينه سرا.

يعلمه هو.

وتعرفه أنت.

فلا تجعل ستره حجابا تنام خلفه.

بل اجعله بابا تبكي عنده.

فكم من عبد ستره الله،

فظن أن الستر نجاة.

وما علم أن النجاة الحقيقية،

أن يصلح في الخفاء

ما ستره الله في العلن.

وهنا يتحول المدح من فتنة إلى عبادة.

يمدحك الناس.

فتذكر عيبك.

يرفعونك.

فتزداد لله انكسارا.

يرون نورك.

فتذكر من أضاءه.

ويقولون: ما أجمله.

فتقول في سرك:

بل ما أجمل ستره.

فالعارف لا يفرح بالمدح لذاته.

بل يخجل من المسافة

بين ما يراه الناس فيه،

وما يعلمه الله عنه.

وهذا الخجل ليس يأسا.

بل حياء.

والحياء أول الطريق إلى الرجوع.

(وما بكم من نعمة فمن الله)

النحل: 53

 

فاللهم كما جملت ظاهرنا بسترك،

جمل باطننا بقربك.

ولا تجعل سترك علينا غرورا.

ولا إمهالك لنا فتورا.

ولا مدح الناس لنا فتنة.

واجعل كل ستر حياء.

وكل إمهال رجوعا.

وكل نعمة شكرا.

وكل عثرة إنابة.

فإن سترك، فاستح.

وإن أمهلك، فعد.

وإن مدحك الناس، فلا تغتر.

فهم رأوا ما أظهره الله.

وأنت تعرف ما ستره الله.

فلا يكن همك أن تبقى جميلا في أعينهم.

بل أن تصبح جميلا عنده.

فربما كان أجمل ما فيك…

شيئا ليس منك أصلا.

إنما هو ستر الله عليك.

وربما كانت أعظم هدية في ذلك الستر…

أنه لم يفضح ماضيك،

وأمهلك لتغير آتيك.

فيا لها من رحمة…

أن يستر الله منك ما مضى،

ثم يمنحك من العمر ما بقي،

لتلقاه وقد أصلحت الذي  ستره عليك..

زر الذهاب إلى الأعلى