الدين و الحياةمقالات

حين تتغير الأقدار وتُولد القلوب من جديد. إسراء محمد

ليلة القدر… حين تتغير الأقدار وتُولد القلوب من جديد

بقلم : إسراء محمد

في حياة الإنسان ليالٍ كثيرة تمر عليه, بعضها يمضي سريعًا فلا يترك أثرًا يُذكر, وبعضها يظل عالقًا في الذاكرة, يضيء في القلب كلما تذكرها, غير أن في أيام العام ليلة ليست ككل الليالي, ليلة ينتظرها المؤمنون بقلوب مفعمة بالرجاء, وتتطلع إليها الأرواح التي أنهكتها الحياة بحثًا عن الطمأنينة والسكينة, إنها “ليلة القدر”. تلك الليلة المباركة التي جعلها الله تعالى خيرًا من ألف شهر وخصّها بفضائل عظيمة ومكانة رفيعة, لا تضاهيها أي ليلة…

ليلة القدر ليست مناسبة دينية تمر مرورًا سريعًا بين أحداث الحياة, بل هي ليلة استثنائية, يمنح الله فيها عباده فرصة نادرة لمراجعة أنفسهم, وفرصة أخرى للعودة الصادقة إليه, إنها نافذة من الرحمة تُفتح في السماء، ليتنفس منها الإنسان نسيم المغفرة, ويشعر بأن الطريق إلى الله ما زال مفتوحًا مهما ابتعد أو تعثر…

وقد عظّم الله تعالى شأن هذه الليلة حتى أفرد لها سورة كاملة في القرآن الكريم, فقال جلّ علاه (إنا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر, ليلة القدر خير من ألف شهر). وهذه الآيات القليلة تحمل في طياتها معاني بالغة العظمة, إذ تخبرنا أن العبادة في تلك الليلة الواحدة تعادل عبادة أكثر من ثلاثٍ وثمانين سنة, وكأن الله يمنح عباده هدية عظيمة تختصر سنوات طويلة من الطاعة والعمل الصالح ليدركوا أن رحمة الله أوسع من تقصيرهم وأن فضله أكبر من عملهم.

إن التأمل في معاني هذه الآيات وحدها يجعل القلب يقف طويلًا أمام فضائل هذه الليلة, فكم من إنسان قد يعيش عمره كله وهو يسعى لعمل صالح يقرّبه من الله, ثم تأتي “ليلة القدر” لتمنحه فرصة تساوي عمرًا كاملًا من الطاعة. إنها لحظات ربانية يلتقي فيها الزمن المحدود للإنسان مع فضل الله الواسع الذي لا تحده حدود.

في هذه الليلة المباركة تتنزل الملائكة بأمر ربها, تحمل معها السلام والرحمة والسكينة, وتحيط بالمؤمنين وهم قائمون بين يدي الله بالدعاء والرجاء. قال تعالى (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر, سلام هي حتى مطلع الفجر). وهذا الدليل الرباني, أن السلام يغمرها ويشعر القلب براحة خاصة لا تشبهها راحة, وكأن الكون كله يهدأ احترامًا لتلك اللحظات.

كان السلف الصالح يدركون عظمة هذه الليلة إدراكًا عميقًا, لذلك كانوا يستقبلون العشر الأواخر من رمضان بقلوب يقظة وأرواح متأهبة لأنهم كانوا يعلمون أن “ليلة القدر” قد تكون لحظة التحول الكبرى في الحياة. كان أحدهم يجتهد في تلك الليالي اجتهادًا عظيمًا لا لأنه يعرف أي ليلة منها هي “ليلة القدر” بل لأنه كان يدرك أن الفرصة قد تختبئ في أي ليلة منها.

وكان النبي صل الله عليه وسلم إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان شدّ مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله, كان يعلم أن هذه الليالي تحمل في طياتها كنزًا عظيمًا لمن أدرك قيمته, وأن ليلة واحدة قد تغيّر المصير، وأن دعاءً صادقًا في تلك الساعات الهادئة قد يفتح أبوابًا من الخير.

إنها ليلة تعلم الإنسان درسًا عظيمًا في معنى الرحمة الإلهية فالله سبحانه وتعالى يعلم ضعف الإنسان ويعلم أنه قد يخطئ ويقصر ويغفل أحيانًا, لذلك لم يغلق باب العودة, بل جعل هذه المواسم العظيمة يتجدد فيها الأمل, ومن أعظم تلك المواسم “ليلة القدر“, فمن قام إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه.

أجمل ما في هذه الليلة أنها لا تميز بين إنسان وآخر, فبابها مفتوح للجميع, للعاصي الذي أثقلته ذنوبه ويريد أن يبدأ صفحة جديدة مع الله, وللمؤمن الذي يسعى إلى مزيد من الاقتراب, للقلب الحزين الذي يبحث عن لحظة سلام تعيد إليه الطمأنينة, في تلك الليلة يستطيع أن يقف بين يدي الله دون وسيط, وأن يضع همومه وأحلامه وآلامه كلها في كلمات صادقة يرفعها إلى السماء.

في هدوء الليل وسكونه حين تخفت أصوات الحياة وضجيجها يجد الإنسان نفسه أقرب ما يكون إلى ذاته وأكثر قدرة على التأمل في مسيرة عمره يسأل نفسه بصدق ماذا قدمت؟ وإلى أين أسير؟ وهل ما زال قلبي حيًا يتوق إلى القرب من الله؟, إنها لحظة مواجهة صادقة, يرفع الإنسان يديه بالدعاء, وربما تخرج من قلبه كلمات لم ينطقها من قبل, يشكو ضعفه ويقر بتقصيره, يطلب العفو والمغفرة. في تلك اللحظة تحديدًا يشعر أن الله أقرب إليه.

وقد علمنا النبي صل الله عليه وسلم دعاءً عظيمًا نردده في تلك الليلة المباركة حين سألت السيدة عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر ماذا أقول؟, فقال قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني. إن بهذا الدعاء وحده تلخيص جوهر “ليلة القدر” كلها, فقائله لا يطلب من الله الدنيا بقدر ما يطلب العفو والرحمة, لأن العفو إذا شمل الإنسان فكل شيء بعده سيصبح يسيرًا.

إن الإنسان قد يعيش أيامه مشغولًا بتفاصيل الحياة الصغيرة يركض خلف العمل والهموم والمسؤوليات حتى ينسى أحيانًا أن روحه تحتاج إلى لحظة سكون, وإلى مساحة من التأمل والهدوء. ولهذا كان السعداء هم الذين عرفوا قيمة هذه الليلة قبل أن تنقضي, فاستثمروا لحظاتها في الدعاء والذكر والصلاة وجعلوها لحظة صدق بينهم وبين الله. فالسعيد حقًا ليس من سمع عن ليلة القدر فقط, بل من أدركها بقلب حاضر, ودعاء صادق, وإيمان عميق بأن رحمة الله وسعت كل شيء, وأن أبواب السماء في تلك الليلة تُفتح لمن طرقها بصدق.

وفي النهاية تبقى “ليلة القدر” رسالة ربانية متجددة لكل قلب أنهكته الحياة, رسالة تخبرك إن باب الرحمة لا يُغلق, وإن الله يمنح عباده دائمًا فرصة أخرى ليعودوا إليه. ربما كانت هذه الليلة التي تمر في هدوء بين ليالي رمضان هي اللحظة التي تُكتب فيها بداية جديدة في حياة إنسان, بداية أقرب إلى الله وأصدق مع النفس وأجمل بكثير مما مضى.

 

زر الذهاب إلى الأعلى