التاريخ من وراء الستار
حين خرجت القاهرة إلى البحر
بقلم / محمد مصطفى كامل
السلطان الذي أدرك أن الدفاع عن مصر يبدأ بعيدًا عن شواطئها
لم يكن أخطر ما حملته سفن البرتغاليين إلى المحيط الهندي هو الفلفل.
ولا الذهب.
ولا الحرير.
بل كانت تحمل شيئًا أكثر خطورة:
طريقًا جديدًا يمكن أن يعيد رسم خريطة التجارة كلها.
فمنذ أن وصل فاسكو دا غاما إلى كاليكوت سنة 1498م، لم تعد الهند بعيدة عن أوروبا كما كانت من قبل.
أصبح الوصول إليها ممكنًا عبر البحر.
وأصبح بإمكان السفن البرتغالية أن تصل إلى مصادر التوابل دون أن تمر بالطريق الذي اعتادت عليه التجارة منذ قرون.
لكن القاهرة لم تكن تنظر إلى الأمر باعتباره رحلة بحرية بعيدة.
فكل سفينة برتغالية تتحرك في المحيط الهندي كانت تعني شيئًا في حسابات مصر.
وكل ميناء يخرج من دائرة التجارة القديمة كان يعني نقصًا في الأموال التي تمر عبر البحر الأحمر.
وكل طريق جديد ينجح البرتغاليون في تثبيته كان يقتطع جزءًا من الدور الذي لعبته مصر لقرون.
ثم جاءت اللحظة التي لم يعد فيها السؤال:
هل يستطيع البرتغاليون الوصول إلى الهند؟
لقد وصلوا بالفعل.
بل أصبح السؤال:
كيف نمنعهم من الوصول إلى تجارتنا؟
وهنا اضطر سلطان المماليك إلى أن يفعل شيئًا لم تكن دولته قد اعتادت عليه.
أن يخرج من البر إلى البحر.
حين وصل الخطر إلى القاهرة
كان السلطان الأشرف قنصوه الغوري يجلس على عرش المماليك في مرحلة شديدة التعقيد.
فالدولة لم تكن تعيش عصر القوة الذي عرفته في زمن الناصر محمد.
والسلطنة المملوكية كانت تواجه ضغوطًا اقتصادية وسياسية وعسكرية متزايدة.
وفي الشمال كان العثمانيون يزدادون قوة.
وفي الشرق كانت الطرق التجارية القديمة تتعرض للتغير.
وفي البحر المتوسط ظلت القوى الأوروبية حاضرة.
لكن الجديد هذه المرة أن الخطر لم يعد يأتي فقط من البر.
لقد ظهر خصم يتحرك في مساحة لم يكن المماليك يملكون فيها الخبرة نفسها.
المحيط.
وهذا جعل المشكلة أكثر تعقيدًا.
فالجيش المملوكي كان قادرًا على الحركة في الصحراء والشام.
والفرسان المماليك كانوا من أقوى القوات البرية في عصرهم.
لكن ماذا يفعل الفارس المملوكي عندما يكون خصمه على سفينة بعيدة في البحر؟
وماذا يفيد السيف إذا كان المدفع موجودًا فوق سطح سفينة؟
وماذا تفعل القاهرة إذا أصبح الخطر الذي يهدد اقتصادها يقطع آلاف الأميال بعيدًا عنها؟
كانت هذه أسئلة جديدة على دولة بنت جانبًا كبيرًا من قوتها على الحرب البرية.
لكن الغوري فهم شيئًا مهمًا:
إذا كانت التجارة التي تغذي مصر تمر من البحر، فإن الدفاع عنها يجب أن يبدأ من البحر.
لم يكن الغوري يملك أسطولًا ينتظر في الميناء
وهنا ظهرت المشكلة.
لم تكن السلطنة المملوكية دولة بحرية بالمعنى الذي كانت عليه القوى التي عاشت طويلًا على المحيطات.
كانت تملك موانئ.
وتملك سفنًا.
وتعرف البحر الأحمر.
لكنها لم تكن تمتلك القوة البحرية التي تسمح لها بمواجهة البرتغاليين في المحيط الهندي بسهولة.
وكانت السفن البرتغالية مختلفة.
فقد جاءت بأسلحة نارية متطورة نسبيًا بالنسبة إلى الحروب البحرية في ذلك الوقت، وبخبرة اكتسبتها من الرحلات الطويلة حول إفريقيا.
أما المماليك، فقد وجدوا أنفسهم أمام ضرورة بناء قوة بحرية في وقت قصير.
وهنا لم يكن أمام الغوري إلا أن يبدأ من حيث يستطيع.
من الخشب.
من الموانئ.
من الحرفيين.
من البحارة.
ومن الخبرات التي يمكن جمعها من مناطق مختلفة.
لم تكن صناعة الأسطول مجرد قرار عسكري.
كانت مشروعًا ضخمًا يحتاج إلى مال وخشب وحديد ومهندسين وبحارة ومقاتلين.
والأهم من ذلك كله:
وقت.
لكن البرتغاليين لم يكونوا يمنحون مصر وقتًا طويلًا.
حين أصبح الخشب سلاحًا
كان بناء السفن المملوكية في السويس جزءًا من مشروع أكبر.
ولأن المماليك لم يمتلكوا وحدهم كل المواد والخبرات اللازمة، لجؤوا إلى شبكة واسعة من العلاقات للحصول على الأخشاب والخبراء.
وتشير المصادر إلى الاستعانة بالأخشاب القادمة من مناطق البحر الأسود، كما شارك حرفيون من البحر المتوسط في بناء السفن، في محاولة لصناعة قوة بحرية تستطيع الوصول إلى المحيط الهندي.
تخيل المشهد.
أخشاب تأتي من الشمال.
تسافر عبر طرق طويلة.
ثم تتحرك عبر الصحراء.
وتصل إلى السويس.
وهناك تتحول من ألواح صامتة إلى سفن يُراد لها أن تدخل بحرًا لم تكن المماليك قد اعتادت القتال فيه.
كان مشروعًا يبدو للوهلة الأولى أكبر من إمكانات السلطنة.
لكن الغوري لم يكن يملك رفاهية الانتظار.
فالمشكلة لم تعد:
كيف نبني أسطولًا؟
بل:
كيف نبنيه قبل أن يصبح البرتغاليون أصحاب الكلمة الأولى في البحر الأحمر؟
من القاهرة إلى السويس
كانت القاهرة قلب الدولة.
لكنها لم تكن المكان الذي يمكن أن تُحسم فيه هذه الحرب.
فالعاصمة تستطيع أن تجمع الأموال.
والسلطان يستطيع أن يصدر الأوامر.
والأمراء يستطيعون أن يحشدوا الرجال.
لكن السفن لا تقاتل في القاهرة.
ولهذا أصبحت السويس أكثر أهمية من أي وقت مضى.
كانت بوابة مصر البحرية إلى البحر الأحمر.
ومنها يمكن للأسطول أن يتحرك جنوبًا نحو جدة واليمن، ثم إلى خليج عدن، ومن هناك إلى المحيط الهندي.
وهكذا تغير معنى المكان.
لم تعد السويس مجرد ميناء.
أصبحت جزءًا من خط الدفاع عن خزينة الدولة نفسها.
وإذا سقط البحر الأحمر في يد البرتغاليين، فلن يكون الخطر على السويس وحدها.
سيصل أثره إلى جدة.
ثم إلى طرق الحج.
ثم إلى التجارة.
ثم إلى القاهرة.
ثم إلى خزينة السلطان.
كانت المسافة بين المحيط الهندي والقاهرة طويلة.
لكن التجارة جعلتها قصيرة جدًا.
جدة ، أول جدار في الطريق
كانت جدة أكثر من ميناء.
كانت بوابة مكة البحرية.
وكانت مركزًا مهمًا في حركة التجارة والحجاج.
ولهذا أدرك المماليك أن حمايتها ليست مسألة تجارية فقط.
إنها مسألة دينية وسياسية واستراتيجية في الوقت نفسه.
ولهذا كان أمير حسين الكردي من أهم الرجال الذين دخلوا هذه المرحلة.
كان والي جدة، ثم أصبح قائدًا للقوة البحرية المملوكية التي ستتحرك لمواجهة البرتغاليين.
لم يكن اختياره صدفة.
فالرجل كان موجودًا في المكان الذي يلتقي فيه الخطر بالتجارة.
وكان يعرف البحر الأحمر وموانئه.
ويعرف جدة.
ويعرف الطرق التي تتحرك فيها السفن.
وبدأت مهمته تتحول من حماية ميناء إلى قيادة مشروع أكبر:
الدفاع عن الطريق نفسه.
حين لم تعد جدة بعيدة عن الحرب
لم ينتظر البرتغاليون حتى تكتمل الاستعدادات المملوكية.
فوجودهم في المحيط الهندي لم يكن مجرد وجود تجاري.
كانت سفنهم تتحرك في اتجاهات مختلفة، وتضغط على حركة السفن الإسلامية، وتحاول إرباك التجارة التي تصل إلى البحر الأحمر.
وفي سنة 1507م حاول البرتغاليون تثبيت وجود لهم في سقطرى، في موقع شديد الأهمية عند مدخل المحيط الهندي، بهدف التأثير في الطريق المؤدي إلى البحر الأحمر. لكن التجربة لم تحقق لهم ما أرادوا، ولم تتحول سقطرى إلى قاعدة دائمة لهم.
لكن مجرد المحاولة كانت كافية لتكشف شيئًا مهمًا.
البرتغاليون لم يكونوا يبحثون عن التجارة فقط.
كانوا يبحثون عن مفاتيح الطريق.
ومن يسيطر على المفاتيح يستطيع أن يغلق الأبواب.
الغوري يختار الحرب قبل أن تصل النار إلى مصر
في سنة 1505م بدأ التحرك المملوكي بصورة أكثر وضوحًا.
أصدر قنصوه الغوري أوامره بإرسال قوة بحرية لمواجهة التوسع البرتغالي.
وكانت المهمة الأولى مرتبطة بالبحر الأحمر وموانئه، ثم تطورت الخطة إلى إرسال القوة نحو الهند نفسها.
وهنا اتخذ الغوري قرارًا شديد الخطورة.
كان يستطيع أن ينتظر.
أن يراقب.
أن يرى إلى أين ستذهب البرتغال.
ثم يتصرف عندما يصبح الخطر أقرب.
لكنه اختار شيئًا آخر:
أن يحاول ضرب الخطر بعيدًا عن مصر.
وهذا يعني أن الحرب، إذا وقعت، لن تقع عند أبواب القاهرة.
ستقع على بعد آلاف الأميال.
في مياه لا يملك المماليك فيها التفوق نفسه.
لكن الغوري كان يعرف أن الانتظار قد يجعل الحرب أكثر صعوبة.
لم تكن القاهرة وحدها في هذه الحرب
كان البرتغاليون يواجهون مقاومة من قوى مختلفة في المحيط الهندي.
وكان حكام الهند المسلمون يرون في التوسع البرتغالي خطرًا على تجارتهم وموانئهم.
وكان حاكم كاليكوت، المعروف بالسامورين، قد سعى إلى طلب المساعدة ضد البرتغاليين، كما ارتبطت المقاومة أيضًا بسلطنة غوجارات التي كانت تملك قوة بحرية ومصالح تجارية كبيرة.
وهنا أدرك الغوري أن الحرب لا يمكن أن تكون حرب مصر وحدها.
فالبرتغاليون يتحركون في محيط واسع.
ولا تستطيع دولة واحدة أن تغطي كل موانئه.
لذلك كان التحالف هو الطريق الطبيعي.
مصر لديها الرجال والسفن.
وغوجارات لديها الموانئ والخبرة المحلية.
وكاليكوت لديها مصالحها ومقاومتها.
وكل طرف لديه سبب مختلف لمحاربة البرتغاليين.
لكنهم جميعًا كانوا يواجهون المشكلة نفسها:
قوة بحرية جديدة تريد أن تعيد ترتيب قواعد التجارة.
إلى عدن
تحركت القوة المملوكية جنوبًا.
وكانت عدن محطة لا يمكن تجاهلها.
فمن يسيطر على عدن يستطيع أن يراقب أحد أهم الممرات المؤدية إلى البحر الأحمر.
وكانت أهمية المدينة تتجاوز حدود اليمن.
فهي تقع عند نقطة حساسة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي.
ولهذا أصبح وجود الأسطول المملوكي هناك رسالة واضحة:
لن نترك البحر مفتوحًا أمام البرتغاليين دون مقاومة.
لكن الوصول إلى عدن لم يكن نهاية الرحلة.
بل كان بداية الجزء الأصعب.
فمن عدن يبدأ الطريق إلى المحيط.
ومن المحيط تبدأ مواجهة مختلفة تمامًا.
حين غادر الأسطول البحر الأحمر
في سنة 1507م اتجه الأسطول المملوكي بقيادة أمير حسين الكردي نحو المحيط الهندي.
كانت المهمة واضحة:
الوصول إلى الهند.
والاتصال بالحكام المسلمين.
ومواجهة البرتغاليين.
لكن خلف هذه الأوامر كانت هناك مشكلة لم تكن ظاهرة على الورق.
المماليك خرجوا إلى بحر يعرفه خصمهم أكثر منهم.
فالبرتغاليون قطعوا المحيط حول إفريقيا.
وأصبح لديهم خبرة في الرياح والتيارات والموانئ.
أما القوة المملوكية فكانت تدخل إلى هذه الساحة وهي تحمل معها تجربة البحر الأحمر أكثر من تجربة المحيط المفتوح.
وهنا يظهر الفارق بين امتلاك السفينة وامتلاك البحر.
قد تبني أفضل سفينة.
لكن البحر لا يمنحك أسراره بمجرد أن تصل إليه.
ديو، حيث كان ينتظر الحليف
وصلت القوة المملوكية إلى الهند.
وكان عليها أن تجد حليفًا محليًا يعرف الأرض والموانئ والبحر.
وهنا ظهر رجل آخر سيصبح اسمه جزءًا من هذه الحرب:
مالك عيّاز.
كان حاكم ديو، وخدم سلطان غوجارات، وكان ذا خبرة بحرية وعلاقات واسعة في المنطقة.
وعندما التقت القوة المملوكية بقوة غوجارات، لم تعد السفن المصرية وحدها.
أصبح هناك تحالف.
وكان هذا التحالف هو الذي سيواجه البرتغاليين في أول اختبار كبير.
لكن قبل أن تصل القصة إلى شاول، كان هناك شيء أهم حدث في القاهرة نفسها.
لقد تغيرت طبيعة الحرب.
لم تعد مجرد حملة بعيدة.
لقد أصبحت مصر طرفًا مباشرًا في صراع على مستقبل المحيط الهندي.
السلطان الذي أرسل جيشه إلى آخر الدنيا
لم يكن الغوري يرى البحر كما نراه نحن الآن على خريطة حديثة.
كان يرى شبكة من الطرق.
كل طريق منها يحمل أموالًا.
والأموال تحمل الجند.
والجند يحمون الدولة.
والدولة تحمي الطرق.
وهكذا كانت الدائرة كلها مترابطة.
لذلك لم يكن إرسال الأسطول إلى الهند مغامرة منفصلة عن سياسة السلطان.
كان محاولة لإنقاذ نظام اقتصادي وسياسي كامل.
كان الغوري يقول للبرتغاليين، بطريقة السلاح:
لن نترك الطريق الذي صنع قوة مصر يتحول إلى طريق يهدد مصر.
لكن هذه المرة لم يكن القتال مع جيش يسير على الأرض.
كان مع عدو يستطيع أن يظهر في ميناء بعيد، ويضرب سفينة، ثم يختفي في البحر.
وكانت هذه حربًا جديدة على المماليك.
المفاجأة التي لم يتوقعها البرتغاليون
عندما وصل الأسطول المملوكي إلى الهند، لم يجد البرتغاليون أمامهم خصمًا وحيدًا.
فقد اجتمعت قوة مصرية مع قوة غوجارات، ووجدت في المنطقة قوى أخرى لديها أسبابها لمقاومة البرتغاليين.
وفي سنة 1508م جاءت المواجهة عند شاول.
لكننا لن ندخل المعركة الآن.
لأن المهم قبل المعركة هو أن نفهم شيئًا:
المماليك لم يخرجوا من مصر بحثًا عن مجد عسكري.
خرجوا لأنهم أدركوا أن خسارة البحر قد تعني خسارة جزء من قوة الدولة.
وكانت هذه أول مرة منذ زمن طويل تضطر فيها القاهرة إلى أن تدافع عن مصالحها في مكان لا تستطيع فيه جيوشها البرية أن تصل بسهولة.
لقد انتقلت حدود الدولة المملوكية، ولو مؤقتًا، من الصحراء والشام إلى المحيط الهندي.
وهذا وحده كان حدثًا تاريخيًا كبيرًا.
لكن البحر لا يرحم من يتعلم متأخرًا
كانت الحملة المملوكية خطوة جريئة.
لكن الجرأة وحدها لا تصنع قوة بحرية.
فالأسطول يحتاج إلى تمويل مستمر.
ويحتاج إلى خبرة.
ويحتاج إلى صيانة.
ويحتاج إلى معرفة بالرياح والتيارات.
ويحتاج إلى قيادة تستطيع أن تتعامل مع الحلفاء بقدر ما تتعامل مع العدو.
ويحتاج إلى استراتيجية طويلة المدى.
وهذه كلها أمور لم يكن من السهل على المماليك أن يبنوها في سنوات قليلة.
لقد دخلوا الحرب لأنهم اضطروا إليها.
لكن البرتغاليين كانوا قد بنوا مشروعهم البحري على مدى عقود.
وهذا الفارق سيظهر قريبًا.
من القاهرة إلى المحيط ، ثمن القرار
كان قرار الغوري يحمل في داخله مفارقة.
إذا لم يرسل الأسطول، فإن البرتغاليين قد يزدادون قوة.
وإذا أرسله، فإنه ينفق أموالًا ضخمة على حرب بعيدة.
وفي الحالتين هناك ثمن.
لكن السلطان اختار أن يدفع ثمن المقاومة بدل أن يدفع ثمن الاستسلام للواقع الجديد.
وكانت النتيجة الأولى لهذا القرار أن مصر لم تترك المحيط الهندي للبرتغاليين بلا مقاومة.
بل دخلت المعركة.
وتعاونت مع قوى هندية.
وأرسلت سفنها ورجالها إلى أبعد نقطة وصل إليها نفوذها البحري في تلك المرحلة.
وهذا يعني أن الغوري لم يكن مجرد سلطان يحاول حماية خزينة.
لقد كان يحاول حماية مكانة مصر في النظام التجاري العالمي القديم.
من وراء الستار…
عندما نتحدث عن قنصوه الغوري، كثيرًا ما نتذكر السنوات الأخيرة للدولة المملوكية.
نتذكر العثمانيين.
ونتذكر مرج دابق.
ونتذكر سقوط السلطنة.
لكن قبل أن يواجه الغوري سليم الأول في الشمال، كان يواجه معركة أخرى في الجنوب.
معركة لم تكن على أرض مصر.
ولا على أسوار دمشق.
ولا في سهول حلب.
بل في البحر.
وكان خصمه هذه المرة قوة أوروبية صغيرة نسبيًا، لكنها امتلكت سلاحًا لم يكن المماليك يملكونه بالقدر نفسه:
القدرة على تحويل المحيط إلى طريق للإمبراطورية.
خرجت القاهرة إلى البحر.
وبدأ الأسطول المملوكي يتحرك بعيدًا عن السويس.
ووصل إلى الهند.
والتقى بالحلفاء.
ثم اقتربت لحظة الاختبار.
وفي شاول، سنة 1508م، ستواجه السفن المملوكية البرتغاليين لأول مرة مواجهة كبرى.
وسيكتشف البرتغاليون أن الطريق الجديد الذي ظنوا أنه سيكون مفتوحًا أمامهم ليس خاليًا من أصحاب الأرض.
لكن المفاجأة أن المعركة لن تكون نهاية القصة.
بل ستكون أول انتصار للمماليك في هذه الحرب ، والانتصار الذي سيجعل البرتغاليين يعودون بثأر لا يرحم.
ومن هنا تبدأ الحكاية الأخطر:
حين انتصر المماليك في شاول
المعركة التي هزم فيها الأسطول المملوكي البرتغاليين ، فبدأ الطريق إلى ديو








