أدب وثقافةمقالاتمنوعات

رمضان في عصر الرقمنة: بين فريضة الصيام وتحديات “سرقة المعنى”

رمضان في عصر الرقمنة

بين فريضة الصيام وتحديات “سرقة المعنى”

 

بقلم الكاتب: محمد رمضان أمين

مع كل هلال جديد لشهر رمضان، تتجدد واحدة من أعظم الشعائر في الإسلام: الصيام. شهر ارتبط بنزول القرآن الكريم، وبسيرة النبي محمد، وبقيم الزهد والانضباط والتكافل. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة هو: كيف نعيش رمضان في زمن الرقمنة المتسارعة؟ وهل تغيّر الشهر… أم تغيّرنا نحن؟…

الصيام كما عرّفه القرآن: مقصد التقوى قبل الامتناع يضع القرآن الإطار التشريعي والروحي للصيام في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183) الآية لا تختزل الصيام في الامتناع عن الطعام والشراب، بل تكشف عن غايته الكبرى: تحقيق التقوى. أي بناء رقابة داخلية تجعل الإنسان أقدر على ضبط شهواته، وأصدق في علاقته بربه، وأكثر وعيًا بأفعاله.

كما يؤكد القرآن خصوصية الشهر بقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185) فالقرآن هو روح رمضان، وهو المرجعية التي تعيد ترتيب الأولويات، وتفصل بين الجوهر والمظهر. السنة النبوية: الصيام سلوك قبل أن يكون امتناعًا جاء في الحديث الصحيح عن النبي محمد: “من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.”

وفي حديث آخر: “رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش.” هاتان الروايتان تضعان معيارًا واضحًا: الصيام الحقيقي يتجاوز الجسد إلى الأخلاق والسلوك. فالإمساك عن الطعام لا يكفي إذا لم يصاحبه إمساك عن الظلم، والغيبة، والجدل العقيم، وإيذاء الآخرين. “سرقة رمضان” في العصر الرقمي لم تعد التحديات مقتصرة على شهوة الطعام، بل امتدت إلى شهوة الاستهلاك الرقمي.

في زمن الهواتف الذكية ومنصات التواصل، أصبح التشتت دائمًا، والإشعارات لا تتوقف، والمحتوى يتدفق بلا انقطاع. يمكن رصد مظاهر ما يمكن تسميته بـ“سرقة المعنى” في ثلاث صور رئيسية: استنزاف الوقت: ساعات طويلة أمام الشاشات تُقتطع من أوقات التلاوة والذكر والخلوة. تفريغ العبادة من سريتها: تحوّل بعض الأعمال التعبدية إلى محتوى يُعرض، مما قد يهدد الإخلاص. تضخم الاستهلاك: ازدياد النزعة الشرائية والإفراط في المظاهر، في وقت يفترض أن يكون شهر زهد وتقليل.

وهنا تتجلى المفارقة: نصوم عن المباحات لساعات، لكننا قد نُطلق لأنفسنا العنان في سلوكيات تُفرغ الصيام من مقصده. التكنولوجيا: أداة مزدوجة مع ذلك، لا يمكن اختزال المشهد في صورة سلبية. فالوسائل الرقمية نفسها أتاحت بث الدروس، وتيسير التبرعات، ونشر تلاوات القرآن، وربط المسلمين حول العالم ببرامج علمية وروحية نافعة.

القضية إذن ليست في الوسيلة، بل في إدارة الاستخدام. رمضان بطبيعته شهر انضباط، والانضباط اليوم يشمل كذلك علاقتنا بالشاشة. نحو استعادة الجوهر استعادة رمضان لا تحتاج إلى انسحاب من العالم، بل إلى وعي بالغاية. ويمكن تلخيص بعض المسارات العملية في: تخصيص أوقات خالية من الأجهزة للعبادة والخلوة. وضع برنامج تلاوة منتظم مرتبط بهدف واضح. تعزيز العمل الخيري في صورته الخفية. مراجعة السلوك اليومي بما يتفق مع مقصد التقوى.

خاتمة رمضان، كما وصفه القرآن، شهر هداية وفرقان. وهو في السنة مدرسة أخلاق وسلوك قبل أن يكون امتناعًا جسديًا. في عصر تتعدد فيه مصادر التشتيت، يصبح الحفاظ على روح الصيام تحديًا مضاعفًا. لكن الحقيقة الثابتة تبقى كما هي: الشهر لم يفقد قدسيته، بل يحتاج منا إلى وعي أعمق بمعناه. فإذا كان الهدف من الصيام هو التقوى، فالسؤال الأهم في نهاية الشهر لن يكون: كم جُعنا؟ بل: كم تغيّرنا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى