مفالات واراء حرة

سحر البوح و تجليات الانصهار في زمن الانكسار.

سحر البوح و تجليات الانصهار في زمن الانكسار.

بقلم خديجة بلعوج 

قد تتعدد طرق الكتابة بهدف تمرير خطاب لمتلقّ معين.فمنها الأدبي و الأكاديمي و التربوي و الديني و الإعلامي و التحسيسي و السياسي و العلمي، بحيث يجد كل قارئ ضالته، فيرتقي بحسب نوعية و خصوصية المقروء أو يفشل.

و نحن اليوم، أمام معضلة كبيرة، تحتم علينا – و هنا لا أخص الجميع- أن نقرأ كل ما صار يعرض علينا، و قد تفرضه الساحة الفكرية و الثقافية حاليا، و التي وجدت الفضاءات الافتراضية موطنا تتوالد فيه أجناس تكاثرت تكاثرا رهيبا و صارت تأكل اليابس و الأخضر، كماالنار في الهشيم.

و الحقيقة أقول ، نحن نعيش فعلا زمن الانكسار ، سياسيا و فكريا و دينيا و اجتماعيا .

فمن خلال هذه القنوات، صار الجاهل بأمور الحياة ، عالما ، و أديبا، و سياسياو معلقا رياضيا و أكثر من هذا صحفيا، ينقل الأخبار، الصحيحة منها و الكاذبة ، و لا تهم المصداقية هنا، ما دام هناك متتبع ساذج يتقبل كل ما يقدم له دون جدال او تحقيق.

هي فعلا مغامرة محفوفة بالمخاطر، فحين يكون الكاتب و القارئ و الجهل ثالثهما، ماذا عسانا ننتظر من محافلنا الثقافية في هذه الأحوال؟ لا شيء، سوى التراجع و الاندحار.

قد تغري البعض الأضواء الزائفة فيصدقون أن الحلم صار علما و لا تتجلى الحقائق إلا ساعة الامتحان.


لا زلت اذكر إحدى زياراتي الى احد البلدان الشقيقة منذ عشر سنوات خلت ، حيث تزامن وصولي مع احدى المهرجانات الغنانية التى ذاع صيتها في وطننا العربي ، أذكر أن الجمهور خرج غاضبا من المسرح يومها و هو يعيب على ما قدمته المطربة ليلتها من عمل فني رديء. كان صوتها نشازا و لم تتوفق في الغناء صحبة فرقة موسيقية . أقول ، أمر عادي ما دامت تسجل أغانيها في استوديو ، يقوم التقنيون في الصوت بتصليحه و ترميمه لإقناع المستمع بجودته.أما على الخشبة، فتلك كانت الطامة الكبرى.

إلا أن الأنكى من هذا ، تلك الموجة من الصراصير الذين صاروا يغزون المواقع الاجتماعية ، و كل يلغي بلغته… و أحيانا نجد أشخاصا بارعين و محنكين في جل الميادين إن لم أقل كلها … يخبطون خبط عشواء و لا يستحيون من جهلهم بكثير من الأمور. و هنا أقول، ليس عيبا أن تنقصنا الخبرة أو درجات من العلم ، فالله سبحانه و تعالى لم يحدد لنا هذه الدرجات و خاطب العلماء منا في كتابه العزيز : ” و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا . ” صدق الله العظيم.

سؤالي هو: إذا كان الله جلت قدرته يخاطب العالِم و يذكره بوجوب البحث و النهل من ينابيع المعارف دون انقطاع ، علما أن المعرفة عالم شاسع ، لم نستطع بعد كشف كل رموزها و الاطلاع على كل كنوزها ، بل هي محيط لم تعرف أغواره و لم تكتشف كل أسراره. فماذا عمن تعلم الشيء اليسير و انقطع ؟

همنا اليوم هو البحث عن وسيلة للخروج من هذه المصيدة. كيف يمكننا أن نقنن هذا العالم الذي بدا دخيلا على كل ما هو أكاديمي بحت، أو علمي أو ثقافي بجميع مكوناته؟

القاعدة من أشباه المستنيرين ، من تعلموا تفكيك الحرف و قراءته دون فهم صحيح للمكتوب و دون بحث عن هوية حقيقية فيما يقرأونه أو يسمعونه على لسان الغير ، بعيدا عن روح النقاش للافكار التي تطرح حتى يصير القاريء، عضوا متفاعلا مع ما يقدم له . لأن الأمر في الواقع هو تبادل و إشراك للآخر أفكارنا و أحاسيسنا و همومنا و أحلامنا و كل الهواجس التي قد تسكننا .

في زمن الإغريق القدامى ، ازدهر المجتمع لأن الامبراطورية وقتها اهتمت بالقوة العسكرية بالموازات مع القوى الناعمة . فكانت ولادة أم العلوم ، الفلسفة و معها باقي الفنون و على رأسها المسرح و الذي كان مدرسة سامية للركب الحضاري ، نهل منه الكبير قبل الصغير ، فترقى الفكر الانساني و ابدع علميا و فنيا ، بحيث لا مجال للمتطفلين على الإبداع ،إن هم لم يضيفوا الأجمل و الأفضل على الساحة.

لن أطيل في الحديث عن حضارات الأولين؛ بل سأترك للقارىء متعة الاطلاع على ما خلفه من سبقونا و كم عانوا لأجل أن تصل أفكارهم و إبداعاتهم و تستمر إلى يومنا هذا. التاريخ شاهد على ما قدموه لأجل رفعة الإنسانية و تقدمها و التاريخ نفسه لن يرحم من هم اليوم ينكلون بصفحاته المجيدة و يكرسون لكل ما هو تافه و غير نافع.

علينا أن نقف وقفة تأمل لكل ما يروج و يروج له. صرنا نختنق مما تقدمه شاشاتنا ، إذ ليس هناك ما يفيد إلا القليل من البرامج و حتى هذه الاخيرة احيانا كثيرة تفتقد المصداقية لأن الساهرين عليها لم يعد لديهم الحس المسؤول فيقفوا على أرض الواقع و ينقلوا الحدث دون اللجوء الى بعض من الجراثيم و التي صارت تكتسح الفضاء الإعلامي و تنخر أسسه تحت ذريعة أنها تنقل الاخبار …
منابر إعلامية جعلت من هذه الوظيفة السامية دكاكين للاسترزاق دون مراعات لأخلاقيات المهنة و ضربا على الحائط بكل القيم الأدبية و الأخلاقية . الشيء الذي أفسد على “القوة الرابعة ” قدسيتها و هيبتها. فصار المزمر و المطبل و المصفق لكل ما هو رديء. سقط معه شأن كل مستحق وسط ضوضاء، الفضائح و النزاعات و تراشق القذق و السب و التمثيل بالأعراض و نشر ما هو ممنوع ، بحجة حرية التعبير، متناسين أن هناك جيل بأكمله، تاهت منه السبل ، و فقد الثقة في التعلم و العمل الجاد و المثابرة و الكسب الحلال و الصبر على مصاعب الحياة . أكيد ، لن نلومهم ، ففاقد الشيء لا يعطيه . اللوم بأكمله على المربين ، البيت ، المدرسة ، المجتمع المدني ، شريطة أن يكون ضمن أهدافه الاهتمام بالشأن التربوي و الثقافي للمجتمع الصغير و المتمثل في الأسرة ، سعيا بذلك إلى الرقي بالمجتمع عامة . آن ذاك سنعلم صغارنا أن المثقف الحقيقي وهو يقف على منابر الثقافة و الفكر ، عليه ان يتسلح بالعلم و المعرفة حتى لا يجعل من نفسه فرجة يتلامز بها كل من يصفقون عليه نفاقا او مجاملة … و تلكم هي مصيبتنا الكبرى فينا .

فلا تنسوا أننا نعيش في زمن زينت سماؤه بالأضواء المتلألئة ، لكن ما يكاد الليل ينجلي حتى تفل تلك النجوم و تظهر الشمس لتضيء العالم من جديد . فكم يلزمكم من الوقت أن تعوا و تعلموا أن الشمس لا تغطى بالغربال ؟؟؟؟

و اعلموا أن النجاح الحقيقي له طعم متفرد لا يستلذه إلا من اجتهد و كد و بصم اسمه على برواز من ذهب لا تمحوه شوائب و لا تراكمات غبار و لو بعد حين .

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق