أدب وثقافةحوارات

عزة مصطفى… أسئلة الإنسان في مرايا الرواية

عزة مصطفى… أسئلة الإنسان في مرايا الرواية

 

من فلسطين الى مصر كان الحوار الصحفي الأدبي مع الكاتبة الروائية عزة مصطفى

أجرى الحوار /جهاد أبو زبيدة

من بني سويف إلى عالم الطفل حيث تتحول الحكاية إلى مساحة للخيال وبناء الإنسان

“حين تكتب عزة مصطفى للطفل فإنها لا تكتب لعمر صغير بقدر ما تكتب لذاكرة الإنسان الأولى حيث تتشكل الأحلام والأسئلة والخوف والدهشة…”

**جهاد _هل اثرت البيئة على الكاتبة الروائية عزة مصطفى؟

**عزة_بالطبع أثرت البيئة التي نشأت فيها في تشكيل شخصيتي الأدبية والإنسانية فقد ولدت في محافظة بني سويف وهي من المدن التي تتسم بالهدوء … صغيرة في المساحة وكبيرة بسكانها الناس فيها يتسمون بالطيبة والبساطة والكرم ومن يعيش في بني سويف يعتاد الهدوء ولا يستطيع الحياة في اي مدينة أخرى.

كان الحي الذي نشأت فيه محاط بالزرع والحقول استيقظ على شروق الشمس وأقف في شرفتي أستقبل الغروب وأعناق الشفق واتأمل في السماء .

قضيت طفولتي ما بين التأمل في الطبيعة حولي وبين سماع قصص البسطاء عن حياتهم وخيالاتهم وطموحاتهم.

قادني التأمل الي حب القراءة لحد الإدمان وقادني الهدوء إلى السكينة القلبية واكتسبت ممن حولي الطيبة والبساطة فرغم كل التجارب التي عصفت بأفكاري كانت أحلامي بسيطة وصغيرة بقدر السلام النفسي الذي تمنيت أن اعيشه.

كلما سافرت إلى أي مدينة مهما كان قدرها أحن إلى مدينتي حنين الطفل إلى أمه.

**جهاد_كيف بدأت علاقتك بالكتابة وما الذي قادك تحديدا إلى عالم ادب الاطفال؟

**عزة_اكتشفت موهبتي في الكتابة أثناء كتابتي لموضوعات التعبير كنت اندمج في الكتابة حتى يتحول الموضوع بين يدي إلى قصة حتى لفتت المعلمة نظري الي الفرق بين كتابة موضوع وكتابة قصة ومن هنا اتجهت إلى كتابة القصص… وكنت احب القراءة فوجئت اهتمامي إلى قراءة الكتب الأدبية من هنا بدأت رحلتي في الكتابة منذ الصف الأول الثانوي

أما الذي قادني إلى عالم الطفل هو حبي للأطفال وارتباطي بهم ورغبتي المستمرة في تعديل سلوكهم وتعليمهم من خلال القصص والحكايات لكن كتابتي في أدب الطفل بدأت متأخرة وكانت بداياتي مع القصة القصيرة والروايات

**جهاد_عندما تكتبين للطفل هل تنطلقين من خيال الطفل ام من القضايا التي ترين انه يحتاج الي فهمها؟

**عزة_أكتب من الجانبين فأنا اكتب من خيال الطفل حين يصفو ذهني وأحلق في عوالم الطفولة السحرية بخيالها الجامح كما في رواية مغامرات في عالم الحكايات والتي فازت بجائزة صهيل الأدبية .

لكن هناك قضايا تشغلني وتشغل كل البيوت في مصر فلا يفوتني الكتابة فيها ومحاولة طرح بعض الحلول من وجهة نظري كما في رواية مذكرات بيكو الصادرة عن دار شان التي طرحت فيها مشكلة إدمان النت وتدرجت مع البطل في البحث عن حلول.

**جهاد_ما الذي يميز الرواية الموجهة للطفل عن الرواية الموجهة للكبار من حيث اللغة والفكرة والبناء؟

**عزة_لا تتميز سوي في طريقة الطرح فأنا حين أكتب للطفل أراعي المرحلة العمرية وبالتالي ألتزم بسهولة اللغة وبعدها عن الغموض والتعقيد وتسلسل الأحداث في بناء متماسك كما اهتم بمناسبة الفكرة المطروحة لنفس المرحلة المستهدفة .

وهذا يختلف عن كتابة رواية الكبار فأنا انطلق كما يحلو لي أحب استخدام التشبيهات والصور والايقاع الموسيقي في السرد وأركز على المشاعر والرؤي الفكرية والحالة النفسية للأبطال كما أن في عالم الكبار لا وجود للمنطق والمعقول فقد ابدأ الرواية من نهايتها كما في رواية ليلى والذئاب الصادرة عن دار ديوان العرب أو اربط بين زمنين مختلفين يسير كلاهما في نفس الاتجاه كما في رواية بين جسرين الصادرة عن دار الالهام.

**جهاد_ماذا يعني لك إن تكوني كاتبة تكتب للطفل في زمن تتغير فيه اهتمامات الأطفال بسرعة كبيرة؟

**عزة_كنت اتابع مع أولادي اهتماماتهم وميولهم وافكارهم واكتب ما أراه مناسبا لعقولهم واعمارهم… حتى إنني كنت اكتب يومياتهم ومعاناتي مع مشاكلهم وحين كبروا كبرت اهتماماتي وكتبت روايات اليافعين… والآن أحاول متابعة كل ما هو جديد في عالم الطفولة .

**جهاد_كيف تستطيع الكاتبة أن تقدم للطفل قيمة تربوية وانسانية دون ان تتحول الرواية الى درس تعليمي مباشر؟

**عزة_من خلال الطرح الذكي فأنا أعرض المشكلة وكأنها مشكلتي ولا أعيب البطل وإنما أقدم معاناته مع المشكلة واتركه يواجه الصعوبات وحده حتى يصل إلى الحل من داخله فرواية مرآة العقل كانت مشكلة البطل هو الخوف المرضي من كل شيء حتى من الأطفال الذين يجاورونه في الفصل .. جعلته يعيش الخوف ويتضرر من نتائجه ومن ثم يستدعي مواقف الآخرين وكلماتهم وأفكارهم ثم يجرب الحلول بنفسه حتى استطاع أن يتغلب على خوفه.

**جهاد_هل ترين أن أدب الطفل العربي استطاع حتى الان مواكبة التحولات التي يعيشها الطفل في عصر التكنولوجيا؟

**عزة_ إلى حد كبير حاول البعض مواكبة التحولات الرقمية من خلال توظيفها في صناعة المحتوى ومحاولة الجمع بين المتعة والمعرفة .

لكن لأن الشريحة الأكبر من كتاب أدب الطفل كبار في السن فهم يتعاملون مع هذه التحولات بحذر شديد يصل أحيانا إلى درجة المنع والرفض فعلى سبيل المثال بدلا من تقنين التعامل مع الهاتف أو الحاسوب بتحديد عدد الساعات المسموح بها نراهم يتحدثون عن أضرار استخدامهم.

**جهاد_إلي اي مدى تستمدين شخصياتك وافكارك من البيئة المصرية ومن محافظة بني سويف التى تنتمى اليها ؟

**عزة_بالطبع الكاتب يتأثر بالبيئة المحيطة ويتاثر بها وكل شخصياتي لها طابع مصري أصيل ففي رواية بنت بلون السكر الجلاب كانت بطلتى من الأقصر بلونها الأسمر وذكاءها الحاد

وفي رواية أسرار الهرم الأكبر كانت كانت قصة بناء الهرم الأكبر بطريقة حديثة تتناسب مع فكر الطفل المعاصر

وفي رواية أحلام دافئة كان البطل هادئ ومتعاون وطموح يعيش في مدينة هادئة لم اسميها بني سويف لكن وصفت ملامحها التي هي مدينتي.

**جهاد_حصلت على عدد من الجوائز عن اعمالك كيف تنظرين الى الجائزة هل تعتبرينها تتويجا للتجربة ام مسئولية تدفعك لتقديم الافضل؟

**عزة_اعتبر الجوائز نوع من التشجيع والتحفيز والتقدير كنا في الماضي نقدر الأدباء والمفكرين ونحتفي بهم في كل المناسبات لكن في وقتنا هذا لم يعد للكاتب قيمة سوى بقدر ما يحققه كتابه من نسبة مبيعات لا القاريء مهتم بالكاتب ولا الدولة ولا حتى مجتمع المثقفين لكن حين يحصل على جائزة ما يشعر أن تعبه وجهده لم يذهب هباء وأن ثمة نقطة ضوء وسط الظلام تمده بالطاقة كي يمضي ويستمر في طريقه.

**جهاد_ما القضايا التي ترين أن أدب الطفل بجب ان يوليها اهتماما غى المرحلة المقبلة؟

**عزة_القضايا كثيرة على رأسها الهوية والانتماء والقضية الفلسطينية ومعاناة الشعب الفلسطيني ثم أعلمه بطريقة غير مباشرة كيف يتعمل مع ما يستجد في العالم حوله من متغيرات سواء علمية أو أخلاقية أو مجتمعية.

**جهاد_كيف يمكن للاسرة والمدرسة والمكتبة أن تعيد للكتاب الى مكانته فى حياة الطفل فى ظل منافسة الهاتف والالهاب والمنصات الرقمية؟

**عزة_نحن أمام كارثة حقيقة بالفعل فالمكتبة تشتكي من تراكم التراب فوق الارفف والأسرة التي كانت تلتف حول كناب تدرسه تكتفي بما تشاهده على النت من معلومات متفرقة من هنا وهناك

نستطع ان نبدأ من الاسرة بأن تعود الاسرة الطفل على القراءة منذ الطفولة بكتب تتناسب مع مرحلته العمرية مع المتابعة والتشجيع والتحفيز والمدرسة لها دور كبير في ذلك عن طريق تشجيع المدرسين بتدريس بعض الحصص في المكتبة وأيضا عمل مسابقات ثقافية عن بعض الكتب وتشجيع الأبحاث العلمية….

وتسطيع المكتبة عمل أنشطة داخلية مثل دوري القراءة أو تشجيع آفضل قاريء. ولا نغفل دور الدعاية المستمرة.

**جهاد_ما المشروع الأدبي الذي تحلمين به وبتقديمه مستقبلا وتتمنين ان بترك اثرا حقيقيا فى ذاكرة الطفل العربى؟

**عزة_ والله مشروع شاغلني من فترة وارى ضرورة سرعة تنفيذه لما أراه من حاجة الأطفال والنشء إليه لكن اسمح لي لن أفصح عنه إلا في وقتها.

**جهاد_ماذا تقولين للطفل والكتاب الشباب الذين يحاولون دخول عالم الاطفال ؟

**عزة_أشد على ايديهم واشجعهم لكن أولا لابد من انتقاء المحتوى فهذا العالم عالم الطفولة يجب أن تدرس وتخطط وتفكر فيما تقدمه من محتوى يؤثر ويشكل جيل كامل

وأيضا لا تثق بنفسك ثقة عمياء منهما كانت موهبتك يجب أن تسأل وتستشير كتاب خاضوا هذه التجربة.

في ختام هذا الحوار مع الكاتبة والروائية المصرية عزة مصطفى تبدو الكتابة لديها أكثر من فعل إبداعي عابر فهي مساحة للبوح واكتشاف الإنسان وإعادة قراءة الحياة من زوايا مختلفة

ومن قلب بني سويف حيث تتشكل الذاكرة الأولى وتكبر الحكايات حملت عزة مصطفى تجربتها إلى عالم الرواية لتمنح الشخصيات أصواتها وللتفاصيل الصغيرة حقها في أن تتحول إلى أدب يبقى في الذاكرة

كانت هذه الرحلة معها بين الرواية والإنسان والواقع رحلة تكشف أن الكاتب الحقيقي لا يكتفي بأن يروي الحكاية بل يبحث عما وراءها من أسئلة ومشاعر وتناقضات ويترك للقارئ مساحة واسعة ليكمل ما بدأته الكلمات

عزة مصطفى ليست فقط كاتبة تكتب الرواية بل صوت أدبي يحمل ذاكرة المكان وقلق الإنسان وشغف الحكاية ويؤمن بأن الكلمة حين تخرج من القلب قادرة على أن تعبر الحدود وتصل إلى قارئ لا نعرفه لكنها تعرف طريقها إليه

ويبقى ما بيننا وبينها بعد هذا الحوار موعدا آخر مع نص جديد وحكاية أخرى وربما مع دهشة جديدة تؤكد أن الأدب لا ينتهي بانتهاء الكتاب بل يبدأ حين يغلق القارئ صفحاته ويظل شيء من الحكاية يسكنه.

 

زر الذهاب إلى الأعلى