على عتبات الذكريات
بقلم: نهى النجار
جلست في بلكونة شقتها القديمة تنظر بحزنٍ إلى الأفق البعيد، وفي المقابل تجلس ابنتها شهد، التي فاتها قطار الزواج منذ زمنٍ طويل. تحدق هي الأخرى في الفراغ الذي يحيط بهما. انحدرت دمعة من عين العجوز ذات السبعين عامًا، مثقلة بمرارةٍ متوارية وألمٍ دفين داخل قلبٍ أثقلته الأحزان.
انسابت على خدها، وبعد لحظات تبعتها أخرى لتسقط فوق ملابسها وتتوه في عتمتها.
تذكرت ذلك المنزل الذي صار الآن يصفر من حولها هي وابنتها، وما كان يحدث داخله من ضجيجٍ في كل مناسبةٍ تتجمع فيها العائلات. عادت تتراءى لها سنواتٌ مضت، حين كانت في أوج عنفوانها، تعمل مدرسةً في مدرسةٍ ثانوية للبنين. كانت تتحلى بقوة الشكيمة وشخصيةٍ فرضت نفسها على الجميع، فكان كل من حولها يحسب لها ألف حساب.
وكان زوجها موجّهًا في التربية والتعليم.
وعند عودتهما إلى المنزل، يتوافد الأبناء تباعًا، يجلسون إلى المائدة يتبادلون الأحاديث بكل ودٍ ومحبة، والأم تستمع وتتفاعل مع حكاياتهم التي لا تنتهي. تمر الأيام بين دفء الأسرة وترابطها…
يكبر الصبيان ويميل كلٌ منهم إلى تأسيس أسرته الصغيرة، فتقام الأفراح، وتعلَّق الزينات، وتعلو الزغاريد. ويتوافد الأقارب من الريف والحضر، من الجنوب والشمال، والأم تقف وسط المعازيم تتلقى التهاني والتبريكات، والسعادة تملأ فؤادها. رُزق حاتم ومراد بالبنين والبنات، فكبرت العائلة وازدحم البيت بالجميع. وفي الأعياد يتوافد الأعمام والعمات، والخيلان والخالات، وأبناؤهم وبناتهم. والصغار يرتدون الملابس الجديدة، يركضون في كل مكان، يتلقون العيديات من الكبار.
والأم تقف على يد الطباخين توجههم، وتلقي إليهم بأوامرها النافذة دون نقاش. وفي عيد الأضحى، توثق الأضاحي في حلقاتٍ أمام البيت، لتظهر عزّ ويسر صاحب الدار. يخرج الجميع من الصلاة، يصافح بعضهم بعضًا، ثم يذهب كلٌ منهم لنحر أضحيته.
يدخل حاتم ومراد وأبوهما مع الجزارين إلى باحة المنزل الخلفية، والصغار في البلكونات يشاهدون النحر.
وحين ينتهون، يهبط الصغار مسرعين ليشاركوا في توزيع اللحم على المحتاجين من أهل المكان. تشتعل المشاعل في باحة المنزل الخلفية، وتوضع الأواني الكبيرة فوقها، وبداخلها اللحم. وتقوم النسوة والفتيات بإعداد الطعام، فتمتد الولائم لأمتار، ويصطف الصغار والكبار ويرص الطعام وسط صخبٍ عالٍ وضجةٍ متواصلة، وأحاديث عائلية لا تنقطع. ينتهي العيد…
وينتهي الصخب المصاحب له.
وإذا بالفاجعة تطرق الأبواب التي لم تُغلق يومًا. عاد الأب من عمله يشكو ضيقًا في صدره…
نام الرجل, ولم ينهض. اهتزت جدران البيت وامتلأت بسحب من الحزن. وما هي إلا أيامٌ معدودات حتى سمعت العجوز بخبر موت أخيها المقرب فجأة.
تكدست الأحزان، وتفاقم صداها المزلزل. جلست تلملم قلبها الممزق، وتصارع يأسًا قوض عزيمتها التي عُرفت بها. ثم جاءها هاتفٌ من رنينه يوحي بفاجعةٍ جديدة…
خبر موت ابنها الصغير حاتم في مقر عمله. انتفضت العجوز تركض دون وعي، تنادي على ابنها وتكذب الخبر المفجع، حتى وجدت نفسها أمام النعش والجسد المسجي داخله.
لم تتمالك نفسها، فسقطت مغشيًا عليها.
وعندما عادت إلى وعيها وجدت مراد قد حمل أبناءه وزوجته وغادر البيت. عمّ الصمت… وصار الفراغ يتخبط في أرجائه.
ارتفعت تكبيرات العيد. نظرت حولها… لا أحد. خرج الناس من المساجد، ولا أحد يطرق بابها. حلقات الأضاحي فارغة.
التفتت خلفها فوجدت المشاعل مطفأة، والأواني مقلوبة فوق بعضها. باحة المنزل الخلفية فارغة من الأحبة.
البلكونات خالية من الصغار. كم تعودت أن تراهم في مثل تلك المناسبات… دخلت البيت محنية الظهر والروح.
صارت تجوب المنزل، وتتلمس الظلام الممتد في غرفه المغلقة، وتقف أمام بابه الذي لم يُفتح كعادته. ثم عادت مرةً أخرى لتجلس في البلكونة تحدق في الأفق. والدموع لا تتوقف…
وفجأة دوّى في الحي صوتُ ضحكات أطفالٍ يركضون في الشارع بملابس العيد. التفتت العجوز سريعًا نحو الصوت…
واتسعت عيناها للحظة.
نهضت متكئة على سور البلكونة، كأنها تنتظر أن ترى أحد أحفادها يصعد الدرج مسرعًا كعادته.
لكن الضحكات ابتعدت…
ثم اختفت. ظلَّ باب البيت ساكنًا…
لا يُطرَق. عادت العجوز إلى مقعدها ببطء، ورفعت بصرها نحو السماء.
ثم همست بصوتٍ خافت: “يبدو أن العيد…
لم يعد يعرف طريق البيت.” وفي الأسفل…
تدفع الرياح بعض أوراق الشجر الجافة عن حلقات صدئة كانت تُربط بها الأضاحي قديمًا.





