أدب وثقافة

قراءة نقدية في رواية “سفر التراب” للأديبة: سمية جمعة

قراءة نقدية في رواية “سفر الترابللأديبة: سمية جمعة

 

بقلم: مصطفى العقاد

 

بعض الروايات لا تكتفي بأن تُقرأ، تتحول إلى تجربة تُعاش بكل تفاصيلها. تتسلل إلى النفس في صمت، وتترك أثرًا يشبه ارتواءً طال انتظاره. قد تنتمي أحداثها إلى أماكن بعيدة عن عالمي، ومع ذلك أشعر بقربها، كأنها كُتبت لتلامسني أنا تحديدًا. الكاتب هنا لا يروي حكاية فحسب، هو يصنع حضورًا حيًا يحيط بالقارئ، ويقوده إلى قلب النص دون أن يشعر بالمسافة. فجأة يصبح القارئ جالسًا إلى جواره، يصغي لما يكتبه، ويلتقط نبرة صوته من بين السطور. وفي تلك اللحظة تنبت رغبة هادئة: أن يطول هذا القرب، وألا تتعجل الحكاية خطاها نحو النهاية.

تروي “سفر التراب” حكاية ذاكرةٍ تتشكّل بين الطين والفقد، حيث تستعيد الساردة طفولتها في الريف، وصوت الجد الذي يتحوّل إلى رمزٍ للجذور والبقاء. عبر لغةٍ مشبعة بالشعرية، تنسج الرواية علاقة الإنسان بأرضه، وتكشف كيف يعيد الفقد تشكيل الهوية، لا بوصفه نهاية، بل بداية أخرى للحضور.”

تندرج رواية “سفر التراب” ضمن الكتابة السردية التي تمنح من الذاكرة الريفية وتعيد تشكيلها بوصفها فضاءً دلاليًا تتقاطع فيه ثيمات الفقد والهوية والانتماء. لا تكتفي الكاتبة ” سمية جمعة” بتسجيل الحكاية، وإنما تعمل على تحويلها إلى تجربة شعورية كثيفة, تتجاوز الواقع نحو أفق رمزي يتكئ على اللغة بوصفها أداة خلق لا مجرد وسيلة نقل. وتعتمد الرواية على السرد بضمير المتكلم، وهو اختيار يمنح النص بعدًا اعترافيًا، ويجعل الذاكرة مركز البناء الفني. فالحكاية تُروى بوصفها استرجاعًا وجدانيًا تتداخل فيه الأزمنة .

منذ الصفحات الأولى، ستقرأ عن الشوق كقوة كاشفة:

“ماذا يفعل الشوق عندما يستبدّ بنا ذات الحنين. إنه سؤال لا ينتظر إجابة، وإنما يفتح أفقًا وجوديًا، حيث يتحول الحنين إلى شكل من أشكال المعرفة.

السرد بوصفه ذاكرة حيّة. تنتمي الرواية إلى نمط  سرد الذاكرة التأملي، حيث تتداخل الأزمنة وتتلاشى الحدود بين الماضي والحاضر. هذا النمط يلتقي مع تصورات “بول ريكور” حول “الزمن المحكي”، حيث لا يُفهم الزمن إلا عبر الحكي، ومع أطروحات “باشلار” عن “شعرية المكان” التي تجعل الذاكرة مرتبطة بالحيز الحميمي.

والسرد هنا استرجاعي في بنيته, تأملي في لغته, وداخلي في منظوره. الذات الساردة لا تنقل الوقائع، وإنما تعيد تشكيلها وفق حساسية شعورية، ولهذا يظهر الحدث وكأنه يحدث الآن رغم أنه غارق في الماضي.

اللغة: حين تتكلم الأشياء. اللغة في “سفر التراب”  ليست أداة وصف وإنما هي بمثابة طاقة إيحاء. لغة تكتب ما لا يُرى وتمنح الجماد صوتًا خفيًا:

“كأن الريف يعزف سيمفونيته الخاصة”

“الريح تحمل نبرة غريبة، كأنها تتهجّى أسماء الراحلين”

وهنا تتشكل شعرية سردية، حيث يتداخل الحسّ بالوجداني ويتحول المكان إلى كائن يشعر، ويصغي وكأنه يحتفظ بالأسرار.

الأرض: هوية تتنفس. الأرض في الرواية ليست خلفية للأحداث، وإنما هي مركز وجودي تتحدد من خلاله علاقة الإنسان بنفسه. الجد، في حضوره وغيابه، يتماهى مع التراب:

“لا تتركي رأسك للريح، ارفعيه ولو انكسر”

“لا يؤمن بالمعجزات، بل يصنعها بعرقه”

إنه كائن يتجذر في الأرض حتى يصبح امتدادًا لها. وعندما يغيب، لا يغيب تمامًا:

“فقط صار ترابًا يزرعنا من جديد”

وهذه العبارة تكثّف الرؤية الفلسفية للنص: الموت ليس نهاية، ونستطيع قول “تحوّل في شكل من أشكال الوجود. يبقى بالكلمة, والروح تزور الأماكن حتى بعد الرحيل.

الشخصيات: مرايا للوجود▪ الجد: أسطورة يومية. ليس شخصية فردية بقدر ما هو نموذج إنساني جمع بين القسوة والحنان، بين الصمت والفعل. حضوره تجاوز الزمن، وتحول صوته إلى صوت داخلي يرافق الساردة.

الأم: حبّ يلبس هيئة الخوف. تمثل توترًا عميقًا بين الرعاية والسيطرة:

“خوف أمي علينا… استلاب ناعم”

الحب هنا يتحول إلى قيد، والعاطفة تصبح شكلًا من أشكال السلطة.

الساردة: وعي يتشكل. تتحرك بين عالمين: الطين والمدينة، الجذر والاحتمال. إنها كائن في طور التكوين يتعلم عبر الفقد ويكتشف ذاته عبر التصدّع.

الفقد: المعلم الخفي. الفقد ليس حدثًا طارئًا, وإنما هو بنية داخلية في النص. موت الجد، مرض جورية، تحولات العائلة. كلها تمثل لحظات انكسار وتكشف جوهر الإنسان:

“بدا البيت واسعًا حدّ الخواء”

“لم نبحث عن كاتب… بل نبحث عن أنفسنا”

الفقد هنا لا يُغلق المعنى، وإنما يفتحه. إنه يدفع الذات إلى إعادة قراءة العالم.

من الريف إلى المدينة: عبور الوعي. أرى الانتقال إلى دمشق ليس مجرد تحوّل مكاني، وإنما انتقال وجودي. الريف يمثل الطمأنينة الأولى، بينما المدينة تطرح أسئلة الهوية:

“كلنا غرباء في هذا الوطن الصغير”

والاغتراب يصبح شرطًا للمعرفة، والابتعاد عن الأصل يتيح رؤيته بوضوح أكبر.

البعد الفلسفي: أسئلة لا تنتهي. والنص مشبع بأسئلة تتسلل دون إعلان:

“هل نحن امتداد لمن سبقونا، أم محاولة للانفصال عنهم؟”

“هل الحماية شكل من أشكال الحب، أم خوف متخفي؟”

“كيف يتحول الألم إلى معنى؟”

وتكثف هذه الرؤية في عبارة:

“لا تبحثي عن النور في الخارج، النور فيكِ”

رواية “سفر التراب” هي كتابة عن الإنسان حين يفقد، فيتعلّم. حين يُكسر، فيصير أكثر قدرة على الفهم. نصوص تعرفك أن الحنين طريقة أخرى للبقاء. وأن بعض الأشياء لا نغادرها أبدًا، حتى ونحن نبتعد. إنها دعوة لاكتشاف الداخل، حيث يصبح الإنسان مشروع فهم مستمر.

 

قراءة نقدية في رواية "سفر التراب" للأديبة: سمية جمعة
قراءة نقدية في رواية “سفر التراب” للأديبة: سمية جمعة

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى