كيف أخفى عصر هشام بن عبد الملك بدايات التراجع خلف أعظم مظاهر القوة؟
سلسلة التاريخ من وراء الستار
كيف أخفى عصر هشام بن عبد الملك
بدايات التراجع خلف أعظم مظاهر القوة؟
بقلم / محمد مصطفى كامل
ليست كل الإمبراطوريات تبدأ في السقوط حين تُهزم جيوشها. فبعضها يبلغ ذروة مجده في اللحظة نفسها التي تبدأ فيها عوامل تراجعه بالتشكل بعيدًا عن الأنظار.
إن التاريخ كثيرًا ما يخدع معاصريه؛ إذ يرون المدن عامرة، والخزائن ممتلئة، والحدود آمنة، والجيوش ترفع رايات النصر، فيظنون أن الدولة بلغت الكمال، بينما تكون السنن قد بدأت تعمل بصمت في أعماقها.
فالإمبراطوريات لا تسقط فجأة، وإنما تتعب أولًا. وما يبدو للناس عصرًا من القوة المطلقة، قد يكون في الحقيقة بداية مرحلة جديدة، لا تُقاس بما يظهر على السطح، بل بما يتغير في الداخل.
وهذا ما سنحاول اكتشافه في هذا الفصل من سلسلة التاريخ من وراء الستار.
الإمبراطورية قبل الغروب
كيف أخفى عصر هشام بن عبد الملك بدايات التراجع خلف أعظم مظاهر القوة؟
لم يكن رحيل عمر بن عبد العزيز نهاية الدولة الأموية.
بل كانت الدولة يومها ما تزال واحدة من أعظم القوى السياسية والعسكرية في العالم.
امتدت حدودها من أطراف الصين شرقًا إلى شواطئ المحيط الأطلسي غربًا، وخضعت لسلطانها شعوب تتحدث عشرات اللغات، وتنتمي إلى حضارات مختلفة، بينما كانت دمشق تدير هذه الرقعة الهائلة من مركز واحد.
ولم تكن تلك الإمبراطورية قد وصلت إلى هذه المكانة مصادفة.
فقد وضع عبد الملك بن مروان أسس الدولة المركزية، ورسخ وحدة الإدارة، وعرب الدواوين، وسك العملة الإسلامية، وأعاد للدولة هيبتها بعد سنوات الانقسام.
ثم جاء الوليد بن عبد الملك ليقود مرحلة الاتساع الكبرى، فشهد عهده فتح الأندلس غربًا، وبلاد السند شرقًا، وبلغت الجيوش الإسلامية أقصى اتساع عرفته الدولة الأموية.
ثم جاء عمر بن عبد العزيز، ليمنح هذه القوة بعدًا آخر.
فأثبت أن الإمبراطورية لا تبلغ عظمتها باتساع حدودها وحده، بل بعدلها أيضًا.
لكن برحيله، عادت الدولة إلى نهجها السياسي التقليدي، واستمرت مؤسساتها في أداء دورها بكفاءة، دون أن تنهار أو تدخل في أزمة.
بل على العكس.
كان القادم واحدًا من أكثر عصور بني أمية استقرارًا.
حين تولى هشام بن عبد الملك الخلافة سنة خمس ومائة للهجرة، لم يكن يستلم دولة منهكة أو مفككة، وإنما ورث إمبراطورية قوية، تمتلك جيشًا منظمًا، وإدارة مستقرة، وخبرة سياسية تراكمت عبر عقود طويلة.
وكان هشام يدرك أن أصعب مراحل بناء الدول ليست مرحلة التوسع، وإنما مرحلة المحافظة على ما تحقق.
فالفتوحات تصنع المجد، لكن إدارتها هي التي تحفظه.
ولهذا عُرف منذ الأيام الأولى لحكمه بالحزم، والانضباط، والدقة في متابعة شؤون الدولة.
لم يكن قائدًا يبحث عن المجد الشخصي، بقدر ما كان رجل إدارة يعرف أن اتساع الإمبراطورية يجعل الخطأ الصغير قادرًا على إحداث نتائج كبيرة.
وكان كثير المتابعة لولاته، شديد الاهتمام بأموال الدولة، حريصًا على ألا تتحول الولايات البعيدة إلى مراكز نفوذ مستقلة.
ولذلك استطاع أن يحافظ على تماسك الدولة طوال ما يقارب عشرين عامًا، وهي مدة طويلة بمقاييس ذلك العصر.
وفي عهده بقيت دمشق قلب العالم الإسلامي.
ومنها كانت تصدر القرارات إلى العراق، وخراسان، ومصر، وإفريقية، والأندلس، والسند، وأرمينية، وغيرها من الولايات التي امتدت على آلاف الكيلومترات.
وكانت تلك الإدارة المركزية، التي بدأها عبد الملك بن مروان، قد بلغت درجة عالية من التنظيم.
فالدواوين تعمل بانتظام، والولاة يخضعون لرقابة مستمرة، والخراج يتدفق إلى بيت المال، وشبكة البريد تنقل الأخبار والأوامر بسرعة لافتة بالنسبة لذلك الزمان.
أما على الحدود، فلم تعرف الدولة السكون.
ففي الشمال، استمرت المواجهة مع الإمبراطورية البيزنطية، ولم تكن مجرد معارك متفرقة، بل سياسة ثابتة لحماية الثغور وإبقاء الضغط العسكري قائمًا.
وفي الشرق، واصل المسلمون تثبيت نفوذهم في بلاد ما وراء النهر، حيث أصبحت المدن التي دخلت تحت الحكم الإسلامي مراكز جديدة للتجارة والعلم، وربطت الدولة الإسلامية بطرق الحرير التي كانت تصل إلى أعماق آسيا.
ولم تكن تلك الإنجازات العسكرية مجرد توسع جغرافي.
بل كانت تعني تأمين طرق التجارة، وزيادة موارد الدولة، وتعزيز مكانتها بين القوى الكبرى في العالم.
أما الاقتصاد، فقد ظل قويًا.
فالزراعة ازدهرت في كثير من الأقاليم، والتجارة ربطت بين الشرق والغرب عبر شبكة واسعة من الطرق البرية والبحرية، بينما أصبحت المدن الإسلامية الكبرى مراكز للحركة الاقتصادية والثقافية.
وفي تلك السنوات، كان المسافر يستطيع أن ينتقل من حدود السند إلى الأندلس، وهو يتحرك داخل دولة واحدة، تخضع لنظام إداري واحد، وعملة واحدة، ولغة رسمية واحدة في دواوينها.
وكان ذلك في ذاته إنجازًا حضاريًا بالغ الأهمية، لم تعرفه إلا قلة من الإمبراطوريات عبر التاريخ.
ولهذا، لم يكن غريبًا أن ينظر كثير من معاصري ذلك العصر إلى الدولة الأموية باعتبارها قد بلغت قمة قوتها.
فالجيوش تنتصر.
والخزائن مستقرة.
والإدارة تعمل بكفاءة.
والخليفة يفرض هيبة الدولة من دمشق إلى أقصى أطرافها.
ولو سُئل أحد الناس يومئذ عن مستقبل الدولة، لربما أجاب بثقة أنها مقبلة على قرون أخرى من القوة والازدهار.
لكن التاريخ لا يكتفي بما يراه الناس.
فبينما كانت أنظار الجميع تتجه إلى الحدود البعيدة، حيث تُرفع رايات النصر، كانت هناك في الداخل تغيرات هادئة لا يسمع لها ضجيج.
تغيرات لا تهدم الدول في يوم واحد، لكنها تبدأ بإضعاف الأساس الذي يحملها.
وهناك، بعيدًا عن قصور دمشق وساحات القتال، كانت الإمبراطورية تدخل مرحلة جديدة، لم يدرك أكثر الناس خطورتها إلا بعد فوات الأوان.
لكن السنن التي تحكم قيام الدول هي نفسها التي تحكم استمرارها.
فكلما اتسعت الإمبراطورية، ازدادت صعوبة إدارتها.
وكلما كثرت الشعوب التي تعيش تحت رايتها، تنوعت مصالحها، وتعقدت مشكلاتها، وأصبح الحفاظ على وحدتها يحتاج إلى أكثر من قوة الجيوش وهيبة الحكام.
وكان هذا هو التحدي الحقيقي الذي واجه الدولة الأموية في عهد هشام بن عبد الملك.
ففي الوقت الذي كانت فيه الحدود الخارجية مستقرة إلى حد كبير، بدأت بعض التغيرات الهادئة تظهر داخل المجتمع نفسه.
ولم تكن هذه التغيرات ثورات مسلحة، ولا انهيارًا اقتصاديًا، ولا هزائم عسكرية.
بل كانت أشبه بشقوق صغيرة في أساس بناء عظيم.
لا يراها أكثر الناس، لكنها مع مرور الزمن تتسع شيئًا فشيئًا.
ومن بين تلك التحديات، عادت العصبيات القبلية إلى الظهور بصورة أوضح.
فقد كانت المنافسة بين القبائل العربية، ولا سيما بين القيسية واليمنية، قد خفت في بعض المراحل، لكنها لم تختفِ تمامًا.
ومع مرور السنوات، أخذ هذا التنافس ينعكس على تعيين بعض الولاة وقادة الجيوش، وعلى موازين النفوذ داخل الدولة.
ولم تكن الدولة أسيرة لهذه العصبيات، لكنها أصبحت مضطرة إلى التعامل معها باستمرار، حتى لا تتحول إلى صدامات تهدد الاستقرار.
وفي أقصى الشرق، كانت خراسان تروي قصة مختلفة.
فقد أصبحت تلك الولاية الواسعة واحدة من أهم أقاليم الدولة الإسلامية.
وكانت بعيدة عن دمشق بآلاف الكيلومترات، وتضم شعوبًا وقبائل متعددة، وجيوشًا ترابط على حدود لا تهدأ.
وهناك، بدأت تظهر شكاوى من بعض أساليب الإدارة، ومن تفاوت المعاملة بين العرب وغير العرب في بعض المناطق، وهي قضايا اختلفت درجتها من إقليم إلى آخر، لكنها أسهمت في خلق شعور متزايد بالحاجة إلى إصلاحات أوسع.
وفي العراق، ولا سيما الكوفة، بقيت المدينة التي عرفت منذ عقود بأنها ساحة للأفكار والتيارات المختلفة.
ففيها اجتمعت مدارس الفقه، ومجالس العلم، كما نشطت فيها اتجاهات سياسية متعددة، لكل منها رؤيتها لمستقبل الدولة.
ولم يكن هذا التنوع في ذاته خطرًا، لكنه جعل العراق أكثر الأقاليم قابلية للتأثر بأي تغير سياسي كبير.
وفي الوقت نفسه، كانت الدعوة العباسية تتحرك بهدوء بعيدًا عن الأضواء.
لم تكن قد تحولت بعد إلى ثورة معلنة، ولم تكن جيوشها قد خرجت إلى الميدان، لكنها كانت تبني شبكات من الأنصار، وتختار مناطق نشاطها بعناية، مستفيدة من حالة التململ التي بدأت تظهر في بعض الأقاليم.
وكان قادتها يدركون أن إسقاط إمبراطورية بهذا الحجم لا يتحقق بضربة واحدة، بل يحتاج إلى صبر طويل، وإعداد متواصل، وانتظار اللحظة المناسبة.
وربما كان هذا هو أكثر ما يلفت الانتباه في قراءة التاريخ.
فالأحداث الكبرى لا تبدأ يوم يراها الناس.
بل تبدأ قبل ذلك بسنوات، وهي تتحرك في هدوء، حتى إذا ظهرت على السطح، ظن كثيرون أنها وقعت فجأة.
وهكذا، بينما كان هشام بن عبد الملك ينجح في الحفاظ على استقرار الدولة، كانت عوامل جديدة تتشكل في أطرافها.
ولم يكن الرجل غافلًا عنها.
بل بذل جهودًا كبيرة لاحتوائها، وحافظ على هيبة الدولة، وأدار شؤونها بكفاءة شهد بها كثير من المؤرخين.
ولهذا لم تسقط الدولة في عهده، ولم تشهد انهيارًا شاملًا، بل بقيت واحدة من أعظم إمبراطوريات العالم.
غير أن نجاح هشام كان يحمل في داخله مفارقة لافتة.
فقد استطاع أن يؤجل كثيرًا من الأزمات، لكنه لم يستطع أن يزيل أسبابها كلها.
وكان ذلك طبيعيًا.
فبعض المشكلات لا يحلها حاكم واحد، مهما بلغت خبرته، لأنها تكون قد نشأت من تراكمات امتدت لعقود، وتشابكت فيها السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، وطبيعة الإمبراطورية نفسها.
وهنا تتجلى واحدة من أعظم سنن التاريخ.
فالإمبراطوريات لا تبدأ في التراجع عندما تفقد قوتها، بل عندما تصبح المحافظة على تلك القوة أصعب من تحقيقها.
وعندما تتحول مساحة الدولة الواسعة، التي كانت يومًا سر عظمتها، إلى عبء يحتاج في كل عام إلى موارد أكبر، وجهد أعظم، وإدارة أكثر تعقيدًا.
وكانت الدولة الأموية قد وصلت إلى تلك المرحلة.
فقد بقيت راياتها ترفرف فوق ثلاث قارات.
وبقيت دمشق عاصمة لإحدى أعظم الإمبراطوريات في زمانها.
لكن تحت هذا المشهد المهيب، كانت حركة التاريخ قد بدأت تتغير في صمت.
ولم يكن أحد يدرك أن السنوات القليلة القادمة ستحمل للدولة اختبارات لم تعرف مثلها منذ أن أعاد عبد الملك بن مروان بناءها قبل عقود.
وفي ختام هذه المرحلة، يمكن للتاريخ أن يلخص مسيرة الدولة الأموية حتى عهد هشام بن عبد الملك في كلمات قليلة، لكنها عميقة الدلالة.
فقد أثبت عبد الملك بن مروان أن الدول تستطيع أن تولد من جديد بعد أن تقترب من السقوط.
وأثبت الحجاج بن يوسف أن هيبة الدولة ركيزة من ركائز الاستقرار.
وأثبت الوليد بن عبد الملك أن الدولة المستقرة تستطيع أن تبني إمبراطورية تمتد إلى أطراف العالم.
وأثبت عمر بن عبد العزيز أن القوة تبلغ ذروتها حين تقترن بالعدل.
وأثبت هشام بن عبد الملك أن الإدارة الحكيمة قادرة على إطالة عمر الإمبراطوريات، حتى في مواجهة التحديات المتزايدة.
لكن التاريخ لم يكن قد قال كلمته الأخيرة.
فقد بقي سؤال أكبر ينتظر الإجابة:
ماذا يحدث عندما تتحول عوامل القوة نفسها إلى بذور للتراجع؟
وهل تستطيع أعظم إمبراطوريات عصرها أن تنتصر على الزمن، كما انتصرت من قبل على خصومها؟
ذلك ما سنكتشفه في الفصل القادم من سلسلة التاريخ من وراء الستار…!
حين بدأت الإمبراطورية تتعب
كيف تحولت عوامل القوة نفسها إلى أسباب مهدت لسقوط الدولة الأموية؟






