لا يمكنك الفوز… في لعبةٍ صنعها خصمك.
هم صنعوا اللعبة… ثم أقنعونا أن الفوز لا يكون إلا فيها.
كتب/ محمد رمضان أمين
في السنوات الأخيرة، صار سقوط النظام الدولي مشهدًا يراه حتى من لم يقرأ كتابًا في السياسة. رأيناه في غزة، ورأيناه في فضيحة أبيستين، وها هو يطل علينا من بوابة الرياضة، مرتديًا صفارة حكم بدل ربطة عنق. وكأن العالم لم يعد يكتفي بتسييس الحروب، بل قرر أن يجر السياسة إلى الملاعب أيضًا. لم يعد خافيًا انحياز الحكم في مباراة مصر والأرجنتين، وقد أقر بذلك محللون أجانب معروفون.
لكنني، في الحقيقة، لا أقف عند كأس العالم، ولا عند الكأس التي تلمع في أيدي المنتصرين، ولا عند دموع المهزومين. فما أكثر الكؤوس التي رفعتها الأمم ثم عادت إلى بيوتها بلا كرامة. ما يعنيني هو أن نقرأ ما جرى بعينٍ تصنع وعيًا، لا بعينٍ تكتفي بالتصفيق أو الصراخ.
ويبقى السؤال الذي يطاردني أكثر من نتيجة المباراة نفسها: لماذا نصر، على أن نقيس قامتنا بمسطرة صنعها غيرنا؟ لماذا نقف أمام مرآتهم كل صباح، ننتظر منهم أن يخبرونا إن كنا جميلين أم قبيحين، ناجحين أم فاشلين؟
هذا النظام الدولي الذي تسعون إلى النجاح بمعاييره، لا يريد لكم النجاح أصلًا، ولا حتى في مباراة كرة قدم. لا يريد أن ترتفع معنوياتكم، ولو بانتصارٍ رمزي لا يغير شيئًا في تفاصيل الحياة. لقد سيّس كل شيء؛ جائزة نوبل، والرياضة، وحتى صافرة الحكم التي كنا نظنها آخر الأشياء براءة.
وماذا تنتظرون ممن عاقب قضاة المحكمة الجنائية الدولية لأنهم طبقوا شيئًا من القانون على الصهاينة؟ وماذا تنتظرون ممن منع الحكم الصومالي من الوصول إلى المونديال، ثم قيل إن ذلك قرار سيادي أمريكي لا تتدخل فيه الفيفا، بينما تدخلت الفيفا نفسها لتسمح للمثليين برفع شعاراتهم في مونديال قطر؟ وماذا تنتظرون من الفيفا بعد إلغاء البطاقة الحمراء التي أُشهرت في وجه مهاجم الفريق الأمريكي؟ أليس من العقل أن نتوقف لحظة؟ أن نسأل أنفسنا لماذا نلهث وراء نجاحٍ لا نملك تعريفه؟ لماذا نطارد شهادةً لا يوقعها إلا خصمنا؟ إن الحرص على النجاح بمعايير غيرنا ليس نجاحًا، بل صورة مهذبة من صور الاستعباد. فمن يملك تعريف النجاح، يملك أيضًا أن يوزع الفشل كما يشاء.
كم هو مؤلم أن ترى كثيراً يقيسون قيمة الإنسان بالموازين التي علقتها حيتان الرأسمالية على جدران العالم: كم تملك؟ ما شهادتك؟ ما لقبك؟ كيف يبدو شكلك؟ كم عدد متابعيك؟ أي فريق فاز؟ حتى صار الإنسان رقمًا يركض خلف رقم، وصورةً تنتظر إعجابًا عابرًا، وظلًا يلهث خلف ظل. يركض العمر كله في سباقٍ لم يختر مضمارَه، ثم يصفق عند خط النهاية لجمهورٍ لا يعرف اسمه، ولا يعنيه إن سقط في منتصف الطريق.
وما دمت تنتظر من هذه المنظومة أن تمنحك لقب الناجح، فقد منحتها في اللحظة نفسها حق أن تنزع عنك هذا اللقب متى شاءت. وما دمت تستمد معنوياتك من منصاتها، فقد سلمتها مفاتيح روحك؛ ترفعك اليوم لتسقطك غدًا، وكأنك دمية بين أصابعها.
لذلك، اجعلوا من هذه الصدمة فرصة لا جرحًا. اسألوا أنفسكم: هل نجحنا فيما خُلقنا له؟ هل اكتسبنا علمًا نافعًا؟ هل أتقنا عملًا يبني الإنسان ويبني الأمة؟ هل أقمنا حقًا، أو حققنا خيرًا، أو دفعنا ظلمًا؟ تلك هي الأسئلة التي لا تطرحها بطولاتهم، لأنها لا تعرف إلا لغة الميداليات.
في كل ميدان لنا معاييرنا؛ في الرياضة، وفي العلم، وفي الأدب، وفي كل طريق يقود إلى النجاح الأعظم. أما أن تبقى أعيننا معلقة بمنصاتهم، ننتظر منهم شهادة جودة على ذواتنا، فذلك ليس نجاحًا، ولو انتصرنا في كل المباريات، ووقف العالم كله يصفق لنا.
إن بداية التحرر الحقيقي لا تبدأ حين يسقط حكم، ولا حين نخسر مباراة، بل حين تسقط معاييرهم من داخلنا قبل أن تسقط من فوق منصاتهم. فأخطر الهزائم ليست تلك التي تقع في تسعين دقيقة، بل تلك التي تستوطن العقول، فتقنع الإنسان أن الفوز لا يكون إلا في ملعب خصمه، وبقوانينه، وتحت صفارة حكمه.
فإذا أيقظتنا هذه الحادثة، ودعتنا إلى الكفر بمعاييرهم، والعمل للفوز الحقيقي، نكون قد حققنا ما يعجز عنه كثير من المنتصرين؛ أن نحوّل الهزيمة إلى انتصار، وأن نخرج من الملعب ونحن أكثر حرية، لا أكثر انكسارًا.






