محمد النادي: تطوير التعليم لم يعد خيارًا ..
ومواءمة مخرجاته مع سوق العمل شرط لصناعة مستقبل مصر
أكد محمد النادي، أمين عام لجنة التعليم بحزب مصر 2000، أن مؤتمر «التعليم في مصر بين تحديات الواقع ومتطلبات سوق العمل»، الذي عُقد بدار المشاة بمدينة نصر يوم السبت 22 أغسطس 2026، تحت عنوان “مصر بكرة” يمثل خطوة مهمة في مسار الحوار المجتمعي حول مستقبل التعليم المصري، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق العمل محليًا ودوليًا، وما تفرضه من ضرورة إعادة النظر بصورة مستمرة في طبيعة المهارات التي تقدمها المنظومة التعليمية للطلاب.
وقال: في تعليقه على فعاليات المؤتمر، إن أهمية هذا اللقاء لا تكمن فقط في طرح التحديات التي تواجه التعليم، وإنما في الانتقال من مرحلة تشخيص المشكلات إلى البحث الجاد عن حلول قابلة للتطبيق، تقوم على بناء منظومة تعليمية أكثر ارتباطًا باحتياجات المجتمع والاقتصاد وسوق العمل، مؤكدًا أن قضية التعليم لم تعد ملفًا خدميًا محدودًا، وإنما أصبحت قضية أمن قومي وتنموي ترتبط بصورة مباشرة بمستقبل الدولة وقدرتها على المنافسة.
وأضاف “النادي” أن مشاركة عدد من وزراء التربية والتعليم السابقين، ومن بينهم الدكتور محب الرافعي والدكتور جمال العربي، إلى جانب عدد من رؤساء الجامعات السابقين والخبراء والمتخصصين في الشأن التربوي، أعطت المؤتمر أهمية خاصة، لما تمثله هذه الخبرات من تراكم معرفي وميداني يمكن الاستفادة منه في صياغة رؤى أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ.
وأوضح محمد النادي في تصريح لـه أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه منظومة التعليم المصرية يتمثل في ضرورة تحقيق قدر أكبر من المواءمة بين ما يتعلمه الطالب داخل المؤسسات التعليمية وبين ما يحتاجه سوق العمل بالفعل، مشيرًا إلى أن نجاح العملية التعليمية لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد سنوات الدراسة أو حجم المناهج التي يتم تدريسها، وإنما بمدى قدرة الخريج على توظيف ما تعلمه في الحياة العملية، والتعامل مع المشكلات، واستخدام التكنولوجيا، والعمل ضمن فريق، والتعلم المستمر والتكيف مع المتغيرات.
وشدد على أن التحولات التكنولوجية المتسارعة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي والرقمنة والأتمتة، تفرض على المؤسسات التعليمية إعادة صياغة مفهوم المهارات المطلوبة من الخريج، بحيث لا يكون الهدف تخريج طالب قادر على استرجاع المعلومات فقط، وإنما إنسان يمتلك القدرة على التفكير النقدي والإبداع والابتكار وتحليل البيانات وحل المشكلات والتواصل الفعال والتعلم الذاتي.
وأشار إلى أن الفجوة بين التعليم وسوق العمل لا يمكن التعامل معها باعتبارها مشكلة تخص وزارة التربية والتعليم أو وزارة التعليم العالي وحدهما، وإنما هي قضية وطنية تتطلب شراكة حقيقية بين الدولة والمؤسسات التعليمية والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني والخبراء وأصحاب الأعمال، حتى يتم التعرف بصورة مستمرة على احتياجات سوق العمل وتحويلها إلى برامج ومناهج ومسارات تدريبية متطورة.
وأكد على أن مبادرة «شراكة من أجل تأهيل أجيال قادرة على المنافسة وصناعة المستقبل»، التي طرحتها مؤسسة النماء خلال المؤتمر، تعكس أهمية هذا النهج التشاركي، موضحًا أن الاستثمار في الإنسان يحتاج إلى تكامل الأدوار وعدم اقتصار عملية التطوير على مؤسسة واحدة، لأن التعليم في النهاية مسؤولية مجتمعية ووطنية مشتركة.
ولفت إلى أهمية التوسع في التعليم الفني والتكنولوجي والتطبيقي، وربط المسارات التعليمية بفرص التدريب الحقيقي، مؤكدًا أن المجتمع يحتاج إلى تغيير الصورة النمطية تجاه بعض المسارات التعليمية، والنظر إليها باعتبارها مكونات أساسية في منظومة الإنتاج والتنمية، وليس باعتبارها بدائل أقل قيمة عن التعليم الأكاديمي التقليدي.
وأضاف أن التدريب العملي يجب ألا يكون مرحلة منفصلة تأتي بعد انتهاء الدراسة، وإنما ينبغي أن يصبح جزءًا أصيلًا من العملية التعليمية، بحيث يكتسب الطالب خبرات حقيقية تساعده على الانتقال من الدراسة إلى سوق العمل بصورة أكثر سهولة، وتقلل الفجوة بين المهارات النظرية والتطبيقات العملية.
كما شدد على ضرورة تعزيز دور التكنولوجيا في تطوير العملية التعليمية، ليس باعتبارها مجرد أدوات حديثة يتم إدخالها إلى الفصول، وإنما باعتبارها وسيلة لإعادة بناء العملية التعليمية نفسها، بما يتيح للطلاب الوصول إلى المعرفة، وتنمية مهارات البحث والتعلم الذاتي، والاستفادة من المنصات الرقمية، مع التأكيد في الوقت نفسه على أهمية تدريب المعلمين وتأهيلهم للتعامل مع هذه التحولات.
وأكد على أن المعلم سيظل حجر الأساس في أي عملية إصلاح حقيقية للتعليم، مهما تطورت التكنولوجيا والأدوات الرقمية، مشيرًا إلى أن الاستثمار في تدريب المعلم ورفع كفاءته المهنية والتربوية يجب أن يكون في مقدمة أولويات الإصلاح، لأن التكنولوجيا لا يمكن أن تحل محل الدور الإنساني والتربوي للمعلم، وإنما يمكن أن تعزز قدرته على أداء هذا الدور بكفاءة أكبر.
وأوضح أن إصلاح التعليم يجب أن يكون مشروعًا مستمرًا وليس مجموعة من الإجراءات المؤقتة، وأن أي تطوير حقيقي يحتاج إلى رؤية واضحة، وأهداف قابلة للقياس، ومؤشرات لتقييم النتائج، وآليات مستمرة لمراجعة المناهج والبرامج التعليمية وفقًا للتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية واحتياجات سوق العمل.
وأشار إلى أن بناء الجمهورية الجديدة لا يقتصر على إقامة المشروعات الكبرى وتطوير البنية التحتية، وإنما يتطلب في المقام الأول بناء الإنسان القادر على إدارة هذه المشروعات وتطويرها واستدامتها، معتبرًا أن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به الدولة هو الاستثمار في عقل المواطن ومهاراته وقدرته على الإنتاج والابتكار.
وقال إن مصر تمتلك طاقات بشرية كبيرة، وإن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل هذه الطاقات إلى قوة إنتاجية ومعرفية قادرة على المنافسة، وهو ما يتطلب تعليمًا يكتشف مواهب الطلاب مبكرًا، ويرعى الفروق الفردية، ويفتح أمامهم مسارات متعددة للتعلم والتخصص والتدريب، بدلًا من حصر النجاح في مسار تعليمي واحد.
وأضاف أن ربط التعليم بسوق العمل لا يعني إخضاع التعليم بالكامل لمتطلبات السوق الآنية، وإنما يعني بناء علاقة متوازنة تجعل التعليم قادرًا على تلبية الاحتياجات الحالية، وفي الوقت نفسه إعداد الطالب للوظائف والمهارات التي قد تظهر خلال السنوات المقبلة، لأن سوق العمل نفسه يتغير بصورة مستمرة.
وأكد على أن الحوار حول مستقبل التعليم يجب أن يظل مفتوحًا، وأن مشاركة الخبراء والمسؤولين السابقين والأكاديميين والمجتمع المدني والقطاع الخاص تمثل ثروة فكرية ينبغي البناء عليها، من خلال تحويل الأفكار والتوصيات إلى سياسات وبرامج عملية يمكن قياس نتائجها على أرض الواقع.
وأختتم تصريحه بالتأكيد على أن «مصر بكرة تبدأ من التعليم اليوم»، وأن بناء مستقبل الدولة يبدأ من المدرسة والجامعة ومراكز التدريب، مشددًا على أن التعليم ليس مجرد بند في الموازنة أو إنفاق على الخدمات، وإنما هو استثمار مباشر في مستقبل الدولة وقدرتها على تحقيق التنمية المستدامة.







