ملحمة ..جدعنة المصريين
بقلم..مروة فؤاد
ملحمة “الجدعنة” المصرية: حين تتحول الغريزة الجماعية إلى درع يحمي الأرواح
في عالمٍ تسوده الفردية، وتغلب فيه المصالح الشخصية على الهموم المشتركة، يظل الشعب المصري استثناءً سوسيولوجياً ونفسياً فريداً. فالشعب المصري ليس مجرد سكان لجغرافيا تحمل أقدم حضارات التاريخ، بل هو “نسيج حي” من التعاطف، والشجاعة، والفزعة التي لا تُدرس في الجامعات، بل تُورث في الدم، وتُمارس في الشوارع، وتُكتب بماء الذهب في لحظات الحصاد.
سباق مع الموت: حين دفعت “الغريزة” سيارة قبل وصول القطار
لن نستحضر مشهداً واحداً، بل نستحضر “نمطاً” يتكرر على مقاطع الفيديو ويهز مشاعر الملايين؛ ذلك المشهد الذي تعلقت فيه أرواح أبرياء بسيارة تعطلت أو انحشرت على قضبان السكك الحديدية، ودوي صفارة القطار يقترب كوحش كاسر لا يرحم.
في أي مجتمع آخر، قد يتجمد الناس، أو يهرع البعض لالتقاط الهواتف المحمولة لتوثيق الكارثة، أو يفرون هرباً خوفاً على أرواحهم. لكن في مصر، يحدث شيء يخالف كل قوانين الفيزياء وعلم النفس. ترى الفلاح، والعامل، والمارة، والشباب، يسقط كل شيء من أيديهم. لا يوجد قائد يُصدر الأوامر، ولا يوجد تخطيط مسبق، ولا أحد يسأل عن هوية من داخل السيارة أو يضمن سلامته الشخصية.
أجساد تتشابك، وأقدام تدوس التراب، وصيحات موحدة: “ادفعوا.. ادفعوا!”. في ثوانٍ معدودة، تتحول مجموعة من الغرباء إلى كتلة بشرية واحدة، تدفع معدناً ثقيلاً في سباق جنوني مع الزمن. تتحرك السيارة سنتيمترات تلو الأخرى، لتخرج من مسار الموت قبل أن يجتازها القطار بلحظات، ويعلو صوت التكبير والزغاريد والضحكات المختلطة بالدموع.
هذا المشهد ليس مجرد “موقف بطولي”، بل هو تجسيد عملي لـ **الضمير الجمعي المصري**. إنه اللحظة التي تثبت أن الحياة في نظر المصري لا تقدر بثمن، وأن إنقاذ روح غريب هو واجب إنساني لا يحتاج إلى تفكير.
“الجدعنة”.. قاموس لا يوجد في بقية اللغات
لفهم هذا السلوك، يجب أن نفكك مفهوم **”الجدعنة”**. هذا المصطلح المصري العريق لا يترجم حرفياً إلى أي لغة في العالم، لأنه يجمع بين الشجاعة، والنخوة، وحسن التصرف، والتضحية، والوقوف بجانب المظلوم أو الضعيف.
الجدعنة المصرية تعني أن تتحمل عبء غيرك دون أن يطلب منك. تعني أن تكون “سنداً” في اللحظة التي ينهار فيها كل شيء. بينما تركز العديد من المجتمعات الغربية والشرقية على مفهوم “الفرد” و”حماية الذات”، يركز المجتمع المصري على مفهوم “الجماعة” و”حماية الآخر”. المصري يشعر بوجع جاره، وبخوف المارة، وبفزع الطفل الذي ضل طريقه.
تأثير المتفرج.. وقاعدة الاستثناء المصرية
في علم النفس الاجتماعي، هناك مفهوم يُسمى “تأثير المتفرج”والذي يفسر لماذا لا يتدخل الأفراد لمساعدة شخص في محنة عندما يكون هناك آخرون حاضرون؛ فكل شخص يفترض أن “شخصاً آخر” سيتدخل.
لكن الشعب المصري يحطم هذه القاعدة النفسية. في مصر، “تأثير المتفرج” يتحول إلى *”تأثير المستجيب”* كلما زاد عدد الناس، زادت الطاقة الجماعية، وتكونت “سلسلة بشرية” عفوية. نرى هذا جلياً في:
* **سلاسل النجاة في الأمطار:** عند تجمع مياه الأمطار وفتح بالوعات الصرف، نرى شباباً يمسك أيدي بعضهم البعض لتكوين جسر بشري لإنقاذ شخص يكاد يغرق، معرضين أنفسهم للخطر.
**إنقاذ ضحايا الحوادث:** كم من مرة شاهدنا سيارات تتوقف فوراً، وشباباً يكسرون زجاج سيارات محترقة لسحب السائقين المغمى عليهم قبل أن تلتهمهم النيران، متجاهلين خطر الانفجار؟**الدفاع عن الضعفاء:* في الأسواق والشوارع، إذا تعرضت امرأة للتحرش، أو تم الاعتداء على كبير في السن، ستجد “فزعة” شعبية عارمة تتشكل في ثوانٍ لردع المعتدي، ليس بالضرورة بالعنف، بل بالهيبة الاجتماعية والوقوف صفاً واحداً.
لماذا يختلف المصريون؟
هذا التميز ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تراكم حضاري. المصريون عاشوا آلاف السنين حول نهر واحد (النيل)، يعتمدون على بعضهم في الزراعة، وحفر الترع، وحصاد المحاصيل، ومواجهة فيضان النيل. هذا التاريخ علمهم أن *”البقاء يكون بالاجتماع لا بالانفراد”
كما أن البيئة المصرية، بضغطها السكاني وتحدياتها اليومية، خلقت نوعاً من “التضامن العضوي”؛ فالجميع يدرك أن الدور قد يأتي عليه يوماً، وأن “الظرف” قد يقلب المواصفات، لذا فإن مساعدة الآخر هي في الحقيقة تأمين لمستقبله ولإنسانيته.
خاتمة: الشعب هو الثروة الحقيقية
في خضم الحديث عن اقتصاد الدول، وقوتها العسكرية، ومواردها الطبيعية، نغفل أحياناً عن أهم ثروة تمتلكها مصر؛ وهي **”المواطن المصري”**.
حادثة دفع السيارة قبل وصول القطار، وما يرافقها من آلاف المواقف اليومية من “الجدعنة” والفزعة، هي شهادة ميلاد يومية تُثبت أن هذا الشعب يمتلك من “الرأسمال البشري والأخلاقي” ما لا يُقدر بثمن. إنهم ليسوا مجرد شعب ينجو من الكوارث، بل هم شعب يصنع معجزات النجاة بأيديه العارية، وبقلوب لا تعرف الأنانية.
في مصر، البطولة لا ترتدي عباءات خارقة، بل ترتدي ملابس العمل، والجلابية، والبدلة الرسمية. البطولة في مصر هي أن تمد يدك لغريب، لتقول له بصمت: “لا تخف، فأنا معك، ونحن جميعاً هنا”.








