منزل رقم ١١١
بقلم : كوثر حسن جعفر
كنت أراقبها سرًا وهي تطيل السجود على سجادة صلاتها، تفتح كفيها، تتمتم بتوسل يخنقه البكاء. تهدأ. وترفع رأسها بهدوء، وهي تثني سجادتها, تمد ساقيها المتخشبتين بصعوبة بيدين خشنتين, تمسح دمعًا أسودًا بيدين رسمت عليهم عناء السنوات السبعة والستين طرقًا وعرة قاسية. تلك الطرق تسللت لكل جسدها حتى طالت وجهها مرورًا بتلك الشامة الكبيرة بين الأنف والعين والتي تكاد أن تغطي جزءًا من عيناها، عيناها الصغيرتان الغائرتان ترمي نظرات حادة بملامحها القاسية وبشرتها الداكنة, شعرها الكثيف الذي ربطته للخلف وقد هرب معظم الشعر من المشبك, واللون الأبيض يسكب في شعرها كل لونه عدا بعض الشعرات العنيدات التي قاومت غزو الجيش الأبيض بوجه امتلأ بالكورتيزون الذي يواجه بصعوبة هجوم الربو الشرس.
تنهض بهدوء حذر متفادية آلام ركبتيها وظهرها الذي قاوم الانحناء بصعوبة وفشل، جلست على أريكتها تلف لفافة تبغ حشتها ولصقتها بعناية, فتحت نافذتها على مصراعيها, نظرت إلى السماء, حاولت أن تمتص كل الهواء حولها, لكن السعال لم يسعفها, فأتبعته بنفس عميق من لفافة تبغها الذي قضت على نصفه بنفس واحد رغم تحذيرات الأطباء أن تقلع عن التدخين.
لكن “عواطف” الشهيرة “بعواصف” أو “البلدوزر”, كانت تخالف توصيات الأطباء, وطبعًا هذا اللقب جاء من ضخامة شكلها وملامحها القاسية ومشيتها التي كانت تهز الأرض تحت قدميها, وحديثها المقتضب ونظراتها الحادة، ونظرًا لطبيعة عملها كسجانة في سجن النساء لم تتزوج, فالرجال كانوا يهابونها أكثر من النساء والأطفال, ولم تكن تمت للأنوثة بأي صلة. لقد أوفدت منذ ثلاثين عامًا للعمل في سجن هذه المدينة ولم تغادرها.
علاقتها بالجيران مقتضبة, وبالحي عمومًا, لكنها لم تؤذي أحدًا يومًا، أبواب منزلها من الحديد القاسي, وله مفاتيح كثيرة. الجيران يعرفون مواعيد خروجها وعودتها من صوت بابها الذي كانت تشعرك أنها تصفعه أو ربما تركله ركلة قويه. “عواطف” تحب رائحة الصدأ, وتحب ملمس الحديد, تلك المرأة لا تحب ولا تكره شيئًا, لا زلت أتذكر لقائي بها.
في ذلك اليوم وقفت أمام بناءها أنظر للطابق الثالث بخوف, احتجت لوقت حتى قررت اجتياز ذاك الممر الضيق حيث هاجمتني رائحة الرطوبة والمجاري هجومًا مباغتًا. صعدت السلالم المكسورة بحذر ووقفت أمام بابها الحديدي, بحثت عن شيء يهدئ من روعي، لا شيء سوى رقم الشقة “١١١”.
يدي التي تحاول الفرار من الموقف دفعتها بتردد لطرق الباب, انتظرت لبرهة حتى قررت أن أعيد الكرّة حتى سمعت صوتها سبق فتح الباب بقليل
– قادمة… لن تطير الدنيا.
– مرحبا أنا “سحر”.
وقبل أن أكمل اسمي دخلت وقالت:
– أعرف أنك قادمة, أدخلي وأغلقي الباب.
وقفت أمامها وأنا أرتعد, وهي استشعرت خوفي. وهذا ما أعادها لمجدها وقوتها
– أنت “سحر” إذًا؟..
– نعم سيدتي، أرسلتني السيدة “مفيدة”.
– متى خرجت؟.
-منذ أسبوع.
تحدثني بحذر أفعى وذكاء ذئب
ـ ما كانت تهمتك؟.
– كنت مظلومة.
جاوبي بقدر السؤال, كلكم تقولون ذلك.
– المخدرات.
– كم عامًا قضيتي في السجن؟.
– ستة أعوام
– بعد خروجي من العمل بعام.
– هل تعلمين لما أنت هنا؟.
– أجل أعلم.
– ستقومين على خدمتي مقابل أجر مالي, فصحتي لم تعد تساعدني, “مفيدة” قالت أن ليس لك مأوى, وليس لديك أحد, لذلك ستقيمين معي وسأعطيك مبلغًا مالي ليس بكبير كل شهر, بالإضافة إلى إقامتك وطعامك. لقد أشادت بأخلاقك “مفيدة”.
– أتمنى أن أكون عند حسن ظنك سيدتي.
– خلف ذاك الباب غرفتك.
تشير للباب بعصاها: – لا أحب الثرثرة, عليك أن تتحدثي باختصار دائمًا, وإذا لم يكن لديك عمل ابقي في غرفتك, لا تحدثي الضجيج, لا أريد أن أشعر بوجودك في البيت.
– حسنًا, سأنفّذ ما تطلبين..
الغريب أن الغرف كانت مرقمه, ولكل باب نافذة صغيرة. تمامًا كنافذة باب السجن. بيت بلا ساعات, وبلا أوراق تقويم, سجن خارج الزمن. يبدو أن تلك المرأة لم تكن تنتظر شيئًا .
– حسنًا سيدتي..
– اذهبي واستحمي وتناولي طعامك إذا كنت جائعة, ومن ثم أعدي لي كوب من الشاي.
حملت حقيبتي ودخلت غرفتي، كانت تشبه غرفة السجن, غرفة صغيرة بسرير حديدي ضيق, ونافذة حديدية تحميها قضبان غليظة من جنسها. البطاطين والوسائد يفوح منها رائحة السجن, حتى “عواطف” قد شاخت ولكن لم تشخ السجانة داخلها .ترى, هل ستقفل الباب علي هذا المساء؟.
مساء, تناولنا طعام العشاء, سمحت لي أن أتناول الطعام معها على نفس الطاولة, ولكن جعلت مسافة بيني وبينها, الصحون, الملاعق, الأكواب, كل شيء كان من حديد. أذكر أنها رمت الصحن والملعقة أمامي على الطاولة, تمامًا كما كانوا يدفعونه نحونا من تحت الباب في السجن.
بعد العشاء دخلت غرفتي للنوم, كانت ليلة مرعبة؛ باردة تكبل الاستفهامات وقتها كأصفاد ثقيلة فتجعل حركتها أصعب تمامًا كليلتي الأولى في السجن، الحمد لله لم تقفل الباب, لكني كنت أسمع خطاها من وقت لآخر تروح وتجيء هكذا حتى استسلمت للنوم بعد تعب, حيث بدأ خيط من وشاح الصباح الأبيض يتدلى على أطراف الليل, ما إن غفت عيني حتى شعرت بها تطرق باب الحمام بعصاها وتنادي عليّ بهلع وصوت اللهاث يعترض أنفاسها.
هرعت إليها وإذا بباب الحمام قد أغلق عليها ولا يفتح إلا من الخارج لعطل في القفل. فتحت الباب، رمت بنفسها بحضني مذعورة ترتجف وأزمة الربو تعترض أنفاسها بقوه, راحت تشير لي وتطلب “البخاخ” وأشارت على مكانه حتى رايته بعد بحث وخوف… وضعت ذاك “البخاخ” في فهمها، كادت تستنشقه كله حتى خفّت ثورة الربو في صدرها رويدا؛ رويدا.
– لقد دخلت للوضوء ونسيت أمر القفل.
– يجب أن نحضر أحد يصلح هذا القفل سيدتي.
– لا؛ لا يسمح بدخول الغرباء لهذا البيت، للباب مفتاح من الداخل, أديري المفتاح وأعطي الباب وضعية القفل, هكذا لن يغلق الباب, أنا أفعل ذلك دائمًا. كنت أسكن وحدي والباب يبقى مفتوحًا, ولكن يظهر أنك نسيتِ إعادة القفل بعد الاستحمام. لا تنسي في المرة القادمة…
– حسنا سيدتي…
طلبت مني أن أعد لها القهوة ريثما تفرغ من صلاتها. وقت الصلاة هو الوقت الوحيد الذي ترى فيه “عواصف بلدوزر” عواطف الإنسان الضعيف.
راقبتها من باب المطبخ كيف أطالت السجود وكيف بكت وكيف فتحت زراعيها كأنها تريد احتضان الله, رأيت “بلدوزر” تبكي بحرقة. وما إن فرغت من صلاتها راحت تتلفت إذا رايتها, فابتعدت عن مرمى نظرها بسرعة. غريب أمرها, تخاف أن أراها ضعيفة حتى وهي تتضرع إلى الله.
أنهت صلاتها. جلست في مكانها على الأريكة ونظرت إلى السماء. حاولت استنشاق أنفاسًا عميقة, تلوح للعصافير بعصاها, تلك الطفلة المدفونة داخلها كانت تعصاها, تخرج لثواني, تلاعب العصافير, ولكن “بلدوزر” كانت تلقي القبض عليها بسرعة وتعيدها للسجن وتوصد الباب بقوة…
– هل تعرفين لف السجائر؟.
– نعم سيدتي. تعلمت في السجن.
-لفيّ ليّ واحدة إذًا.
– ولكن سيدتي أنت متعبة.
– لا تجادليني.
راحت تنظر للسماء بينما أنفاسها المتعبة تقضي على السيجارة. كنت محتارة هل أذهب للنوم أم ماذا؟, ولكن لم أجرؤ على سؤالها, بقيت واقفة مكاني كنت أكاد أن أنام وأنا أقف مكاني.
– ألا تحبين القهوة؟.
– أحبها جدًا سيدتي.
– إذًا لماذا لم تحضري لنفسك كوبًا؟.
– سأفعل إن سمحت لي.
– كل شيء من طعام وشراب وكل ما تحتاجينه مسموح, لا تنتظري موافقتي, لكن الجدال والضجيج واستقبال الضيوف والخروج دون إذن هذا هو الممنوع.
شربت قهوتي في المطبخ, ثم طلبت مني أن أنظف البيت, ثم أعد الفطور.
كانت تراقبني من بعيد بحذر فـ ” بلدوزر” لا تثق بأحد, كانت تطرق على النافذة أو الباب بعصاها وبقوة, وعندما تريد مناداتي, تطرق بنفس الطريقة التي كانت تطرق بها أبواب المهاجع والزنازين.
عملت في البيت وبالكاد كنت لا أستطيع فتح عيني, كنت متعبة، متعبة من قلة النوم, من كثرة التساؤلات… وعلى الفطور بادرت بالسؤال:
– أين أهلك؟, أليس لك أحد؟.
– توفي أبي وأنا صغيرة, وتزوجت أمي وسافرت مع زوجها إلى البرازيل وعشت أنا في كنف جدتي وأعمامي. ربتني جدتي جيدًا, علمتني واهتمت بي حتى توفيت قبل سجني بعامين. زوجات أعمامي لم يعاملوني جيدًا رغم محاولات أعمامي اليائسة, ولكنهم فشلوا, وربما دخولي السجن حل المشكلة من جذورها… بعد سجني باعوا بيت جدتي, وهاجر من هاجر وبقي من بقي, ولكي يريحوا ضميرهم وضعوا لي مبلغًا ماليًا باسمي في البنك. تركت المال في البنك، لم أكن أحتاج مالًا بقدر ما كنت أحتاج وجودهم بجانبي في أيام سجني, كل ما فعلوه, قاموا بتوكيل محام وزاروني عدة مرات, ثم نسوني ونسيتهم…
– لِمْ لم تسافري لوالدتك؟.
– توفيت بمرض عضال منذ عامين وإخوتي منها لا يعرفوني ولا أعرفهم.
كنت أجيبها مطأطئة الرأس, وبالكاد أسمع صوتي ولقمة الخبز في يدي تحولت لفتات, وهي لم تطلب مني رفع صوتي رغم صعوبة سماعها لي. فلا أصوات تعلو بحضور “البلدوزر” .
– إلى أي صف درست؟.
– الثانوية .
– حسنًا, نظفي المكان, سأخلد للنوم وأنت أيضًا إن كنت تريدين.
وأخيرًا سأخلد للنوم, وبالفعل نمت لساعات ملء جفوني.. وهكذا مرت أيامي في سجن “البلدوزر”, سجن بباب مفتوح.
في ذاك اليوم لم أعد القفل لباب الحمام بعد أن فرغت من حمّامي, دخلت “بلدوزر” الحمّام للوضوء وأغلقت الباب, كادت أن تختنق, راحت تطرق بعصاها الباب مرارًا, كنت أسمعها وأنا أرتجف, ودموعي تهطل كمطر سخيّ. تمالكت نفسي ووقفت خلف الباب. عادت لها نوبة الربو بصوت تظاهر بالقوة. حدثتها:
– “البخاخ” على الرف بجانبك, وتركت لك النافذة مفتوحة.
غابت عني لبعض الوقت وعادت وهي تسيطر نوعًا ما على أنفاسها.
– افتحي, لما تفعلين هذا؟.
– أخبريني, هل اختنقت “بلدوزر” ؟. المكان ضيق أليس كذلك؟, ورائحة الحمام كريهة أليس كذلك؟.
– “سحر”, أفتحي يا ابنتي.
– ابنتك؟, الآن أنا ابنتك؟, هل تتذكرين “بلدوزر”؟. أنا دخلت السجن منذ عشر سنوات, أي قضيت معك ثلاث سنوات قبل خروجك من الخدمة, أنا “سحر”, أعلم أنك لن تتذكريني, فأنتم لا تحفظون وجوهنا, لكن نحن استحالة أن تغيب عنا وجوهكم، محال أن ينسى السجين وجه سجانه, لا ينسى القسوة في صوته, لا ينسى الذل والاستحقار في نظراته.
هنا صمتت, وراحت تسمع حديثي دون تعليق منها بكلمة واحدة.
– هل تذكرين “بلدوزر”؟. أنا أكثر سجينة في زمنك عوقبت بالسجن الانفرادي, كيف أثأر لوحدتي وخوفي وبردي؟, الزنزانة رقم ثلاثة, تحولت إلى بيتي.
هل تذكرين يوم صرخت خوفًا من الجرذان ولم تأبهي؟, لم تكتفي بذلك فقط, بل منعت عني الطعام. كانت ليلتي الأولى في الزنزانة، كيف أثأر لجوعي، لهلعي الذي عشته؟. هل تذكرين عندما طرقت باب الزنزانة أطلب مناديل للعادة الشهرية؟, نظرتي إليّ من نافذة الباب الصغيرة, حدثتني” هل أنتِ بفندق؟, ضعي يدك تحتها”. نفثت في وجهي ضحكة ساخرة وصفعت النافذة في وجهي, وبعد وقت ليس بقليل, عدت إليّ بقطعة قماش قذرة, كانت كافية لتنقل لي مرض عضال في الرحم, ولكن بعد برهة جاءت “مفيدة”, وابتاعت لي مناديلً. “مفيدة” يا ملاكي الحارس, كانت هي من تمدني بالمناديل وتحنو عليّ, كانت مختلفة عنكِ في كل شيء. هل تتذكرين كم مرة مرضت ولم تحرك آلامي فيك ساكنًا؟, وعندما كنت تجريني للزنزانة, كنت أتوسل إليكِ أن تتركيني مع بقية النساء ولكنك لم تأبهي. أنت حكمتِ عليّ بالإقامة الجبرية المنفردة, لماذا “بلدوزر”؟. لمْ تعاملي أحد غيري بتلك القسوة, ولكنك لم تكوني ظالمة أيضًا, لماذا خصيتني بظلمك, لماذا اخبريني؟.
ساد صمت طويل حتى ظننتها فقدت الوعي أو ماتت, خفت, فأنا لا أريد إيذائها, أنا فقط أريد أن أحاسبها وأجعلها تعيش شيئًا من عذابي وسؤالها لِمْ ظلمتني هكذا؟.
– هل متِ اختناقًا أم فقدت وعيكِ لأنك لم تحتملي ضيق المكان ورائحته؟.
سمعتها تتحدث:
– “سحر توفيق”, خريجة كلية الآداب قسم اللغة العربية, دخلتِ السجن منذ عشر سنوات بتهمة حيازة وترويج المخدرات, يوم أحضروكِ إلينا في سجن النساء كانت علامات التحقيق واضحة على وجهكِ وجسدكِ، كنت ضعيفة؛نحيلة جدًا, عندما رأيتك لا أدري ما حصل ليّ, شعرت ببراءتك, عيناك أخبرتني أنك بريئة. في السجن بتنا نعرف المذنبين من النظرة الأولى, كنت بريئة جدًا, نقية كحبة مطر، حزينة ووحيدة جدًا. لا أدري ما حصل, شعرت تجاهك بالأمومة, تلك الأمومة التي لم اختبرها يومًا, شعرت بها نحوك وخشيت عليكِ من السنوات العشر, خشيت على نقاءك.
كنت أعلم أني لن أقضي معك الأعوام العشر, لذلك قررت أن أهيئك لما هو قادم, اتفقت مع “مفيدة” أن تكون إحدانا القسوة, والأخرى الملاك الحارس, ولأن “مفيدة” ستبقى معك في أعوامك العشر, كان يجب عليها أن تكون هي ملاكك الحارس, وأنا القسوة. أعلم أني قسوت عليكِ.
الصدمة ربطت لساني, كلامها صعقني. التزمت الصمت, كنت أسمع فقط.
حكمت عليك بالزنزانة رقم “ثلاثة” لكي أحميك من النساء بالعنابر، أحميك من أعين مسئوليّ السجن الرجال، من الضرب ومن التحرش وحتى الاعتداء الجنسي. وكنت أعيدك لأيام بينهم, وكنت أعيدك إلى زنزانتك إذا استشعرت خطرًا عليكِ, أخفيتك عن العيون, حميتك وحميت نقاءك. وقسوتي عليكِ كانت لتهيئتك لمواجهة الأيام القادمة. تركت العمل وقد اشتد عودك, وتركت “مفيدة” تحميك, كنت أرسل لك كل شهر مبلغًا ماليًا معها, وأنا كنت أدفع ثمن مناديلك وأدويتك وكل احتياجاتك أيتها الحمقاء.
كان يجب أن تعتادي على الجرذان لأنها مفروضة عليّ وعليكِ, وعندما كنت تمرضين كنت أرسل لك الدواء، كان يجب أن تعتادي على الظلم لأنك في سجن. وطلبت من “مفيدة” عدم إخبارك بشيء, وطلبت منها أن ترسلك إليّ فور خروجك لأني أعرف أنك وحيدة ولا مكان تذهبين إليه. وأجريت بحثًا شاملًا وعرفت كل شيء عنكِ, أعلم أنك قضيتي عشر سنوات ظلمًا, فقط لأن أحد الجشعين أراد إسكات صوتك، صوت الحق. وأعلم أنك كنت تعملين كمدققة لغوية في دار نشر واكتشفت بالصدفة عملية تهريب مخطوطات أثرية لخارج البلاد, وحلت دون ذلك, ولذلك دبّروا لكِ تلك التهمة، أنا أعلم كل شيء. نحن السجّانون بشر, نحب ونكره ونتألم، نخطئ ونصيب. نحن السجّانون أيضًا لا ننسى وجوه نقية, ووجوه شريرة.
مغيبة عن الدنيا باكية تأخذني الصدمة. فتحت باب الحمام بذهول، وكانت تجلس على كرسي الحمام باكية. نظرت إليها بحنو, ولكن سرعان ما هربت إلى غرفتي, وهي ذهبت إلى غرفتها دونما كلمة.
مرت أيام عديدة, والصمت ساد البيت, كنت ألزم فيها غرفت وأتجنب “عواطف” إلى أن طرقت عصاها بابي ونادتني تريد قهوة. أعدتّها وأنا لا أستطيع النظر إليها.
– هاتي فنجانًا لك وتعالي, أريد أن أتحدث معكِ.
أحضرت قهوتي وجلست كالعادة على مسافة منها, لكنها طلبت مني أن أجلس بجانبها, إلى الشرفة ونظرت صوب السماء وهي تدخن.
– ما أجمل السماء، المكان الوحيد الذي لا سجن فيه ولا ظلم. الدنيا خارج السجن, تحت هذه السماء ظالمة جدًا، الظلم ليس خلف قضبان حديدية, الظلم في الفقر وفي الوحدة، في الطمع وفي الخوف الذي يكبر عليه الضعيف. الظلم أن نتمنى كل شيء ولا نحصل على شيء, الظلم من أقرب الناس إليكِ قاتل, والظلم الأكبر هو أن نكون بلا شيء، أن نكون بلا كل شيء. أنا كنت, ولا زلت بلا أي شيء, كنت أول أبناء والداي, خلقت بعيب خلقي, ولدت بأعضاء تناسلية مشوهة، عضو تناسلي يجمع عضوين ذكري وأنثوي في آن واحد, هذا ما جعل أبي يعاملني أسوء معاملة, لم يناديني يومًا باسمي, كان يراني مسخًا ويناديني بالشيطان, عشت أربعة عشر عامًا في بيت أبي بين ضرب وظلم, ذقت كل أنواعهما. كان يمنعني من الاختلاط بالناس, سنوات مريرة قضيتها ولم يأخذني فيها إلى طبيب يسأله عن حلّ لوضعي, حكم عليّ أن أكون مسخًا رغم أنه كان يبدو للناس طيبًا ودودًا, كان يبدو رجلًا مثاليًا…
استدارت نحوي خاطبتني:
– إياك أن تغرّك الوجوه هي خادعة, أنا نظرت إلى قلبك يوم ألتقينا.
تنظر إلي بحنو, سرعان ما تداركت نفسها وأمسكت بزمام قوتها.
وأكملت القصة:
– في سن الرابعة عشرة, أعطتني أمي مصاغها وبعض النقود وقالت لي غادري هذا الجحيم ولا تعودي إلى هنا, غادري المدينة, لا تبقى فيها, أعلم أني أرميك للمجهول ولكنه أهون من هذا الظلم. لن أرسلك لأحد, أخشى أن يعثر والدكِ عليكِ, سأسلمك لله.. وأبي كان في العمل, أوصلتني أمي إلى الحافلة, قطعت تذكرة بموجبها وغادرت المدينة دون عودة, قطعت لي تذكرة لأدخل سجن الحياة. هربت, ولا زلت أتذكر حرارة قبلتها وحضنها عندما ضمتني لصدرها بحرارة, وهي تخاطبني “تذكري أن قلبي معكِ أينما ذهبت, ودعائي يرافقك, يغطي السماء كمظلة فوق راسك تحميك من كل شر”… لذلك أنظر للسماء دائمًا ألتقط دعاء أمي… بالفعل؛رمتني أمي للمجهول. لا زلت أسأل نفسي: “هل ظنّت تلك البائسة أنها أنقذتني من الظلم عندما رمتني للشارع؟”. طفلة في بداية عمرها ماذا ستفعل وحدها؟. أمي أخفت المصاغ جيدًا تحت ثيابي, خاطته بعناية وأخبرتني أن لا أبيع الذهب الآن. قالت اتركيه لتكبري بعض الشيء واصرفي من المال الذي معكِ, ولا تنفقي كثيرًا كي لا تجوعي, كنت أصرف منه حسب وصيتها.
تعرضت لمحاولات اغتصاب كثيرة, لكنهم كانوا يهربون بمجرد اكتشاف حقيقتي، إلى أن عثرت على العمّ “سالم” كان يبيع الخضر والفاكهة على عربته. اعتدت الجلوس بقربه, فوجهه كان يشعرني بالأمان, كان يطعمني من بضاعته, يحكي لي القصص لوقت متأخر.
بعد أيام قليلة, رآني أتعرض للتحرش, فاصطحبني إلى بيته وعشت في كنفه. كان فقيرًا لكنه كان شريفًا وحنونًا وزوجته كانت طيبة, كان والد “مفيدة”. تربينا سويًا أنا وهي وإخوتها كلهم كانوا أصغر مني. أعطيته مصاغ والدتي, لكنه رفضه, فاحتفظت به زوجته لي. رغم فقره, لم يفكر أن يسرقني. علمت زوجته بحقيقة وضعي, وأخبرته, فباعوا قطعة ذهب من مصاغ أمي, وأخذوني إلى أطباء, كلهم أجمعوا أني بحاجة إلى عملية معقدة ومكلفة, ستحولني لامرأة, لأن الغالب على صفاتي الوراثية الأنوثة. لذلك بقيت سجينة جسد لا أعرف له ملامح ، لا أعرف نفسي أكنت رجلًا أم امرأة..
في الرابعة و العشرين تقدمت أنا و”مفيدة” لوظيفة السجن وقبلنا فيه, ومن ثم سمع العم “سالم” بجمعية سكنية بالأقساط, فباع مصاغ أمي وسجّل ليّ على هذا البيت الصغير, وسددت بقية أقساطه من راتبي, أصبح هذا المنزل سجني, والمضحك أن رقم المنزل “١١١” يعني سجن مؤبد حتى لو عشت طويلًا, لن أعيش أكثر من “١١١” عامًا… قالت ذلك ضاحكة
– أين عائلة “مفيدة” ألا يزورونك؟.
– لقد ذهب عمي “سالم” وزوجته للسكن مع ابنهم الذي يعمل في محافظة أخرى, وانتقل الواحد تلو الآخر للسكن بقربهم و”مفيدة” تزوجت وعاشت هنا لأجل عملها.. “مفيدة” تأتي لزيارتي من وقت لآخر, لكنها لا تستطيع بحكم عملها وإصابة زوجها بالشلل, فهي تقوم على خدمته, بعد أن زوجت ابنتيها…
نظرت إليّ بحب واقتربت مني, نظرت في عيني الباكية قائلة:
– هل لا زلت ترين نفسك ظلمت؟.
عانقتها بقوة وشعرت بحنان غريب, وربما هي أيضًا شعرت بالحب, شعرت به للمرة الاولى منذ زمن….
مرت أيام وشهور, وتحول ذاك السجن لكلينا إلى بيت دافئ, صارت “عواطف” كأمي وأنا كالابنة, تصالحنا أنا, و”عواطف” والدنيا, وعقدنا معاهدة جديدة معها دون شروط, كنت أنظر للسماء معها, كانت تسمع فيروز معي, حتى جاء ذاك اليوم الذي نقضت فيه الحياة الصلح معنا.
كان علي أن أذهب لدفع فواتير الكهرباء والماء وجلب أدوية “عواطف” وشراء بعض أغراض للبيت. قصدت مركز المدينة لدفع الفواتير واشتريت وابتعت.. وحين كبّر المسجد بصلاة الظهر فجأة أخذتني الصاعقة, يا إلهي, نسيت قفل باب الحمام. وستدخل “عواطف” للوضوء, ستغلق الباب. جن جنوني آنذاك, فجأة تحولت كل إشارات المرور إلى اللون الأخضر. سيارات الأجرة ترفض الوقوف والحافلات ممتلئة. رحت أركض وأركض ورميت الأشياء وعدوت طرق عديدة حتى وقفت أمام سيارة خاصة كادت أن تدهسني, توسلت في طلب المساعدة وما إن استجابوا, كل الإشارات تحولت إلى اللون الأحمر, والزحام ازداد, كأنهم اتفقوا عليّ. أيتها الأقدار, هذا ليس وقت لهوك.
وصلت البناء, صعدت كالمجنونة أفتح الباب وأنا أنادي “عواطف”, سامحيني “عواطف” أجيبي… كان الباب مغلق… أنا من نسيته, وفارقت “عواطف” الحياة.. ماتت في مكان ضيق, ماتت مختنقة وحيدة خلف باب حديدي بارد…
تمر أيامي وأنا أجلس على أريكة في المنزل “١١١” ألوح للعصافير, وأدخن, وأحاول أن أرى وجه “عواطف” وأسمع صوتها وهي تقول لي “أسامحك يا صغيرتي”… لكنها لم تفعل.








