صحة

نقيب عام أطباء بيطريين مصر الأسبق ا.د خالد العامري : سلطة العلم وهيبة التخصص

نقيب عام أطباء بيطريين مصر الأسبق ا.د خالد العامري : سلطة العلم وهيبة التخصص


متابعة – محمود الهندي

 

قال الاستاذ الدكتور خالد فاروق العامري نقيب عام أطباء بيطريين مصر الأسبق وعميد كلية الطب البيطري جامعة القاهرة الأسبق وأستاذ المايكروبيولوجي بكلية الطب البيطري :

 

لقد آن الأوان أن يُقال بوضوح إن استضافة الجهل في ثوب الرحمة ليست مهنية، بل تواطؤ على تضليل الناس. وإن تحويل القضايا العلمية إلى حفلات نحيب على الهواء ليس دفاعًا عن الحياة، بل اغتيالٌ للعقل العام. فإمّا إعلام يحترم التخصص، وإمّا منصة للضجيج الرخيص. وفي الفرق بينهما ينهض وعي المجتمع أو يسقط .

 

إن القضايا المتصلة بالصحة العامة لا تُدار بالانطباعات، ولا تُحسم بالمؤثرات العاطفية، وإنما تخضع بحكم طبيعتها لمقتضيات العلم، وضوابط الاختصاص، ومعايير التقييم الموضوعي؛ ومن حيث إن مسألة كلاب الشوارع ليست نزاعًا وجدانيًا بين من يُظهر الشفقة ومن يُتهم بغلظة القلب، بل هي ملف مركب تتداخل فيه اعتبارات الصحة العامة، والطب البيطري، والوبائيات، والإدارة البيئية، وسلامة المجتمع؛ فإن تناول هذه القضية على غير أساس علمي، أو عرضها في صورة مشهدية تُغلب التأثير الوجداني على البرهان المهني، يُعد إخلالًا جسيمًا بواجب التناول الرشيد للمسائل العامة .

 

ومن المقرر بداهةً أن الأصل في مناقشة القضايا الفنية أن يُرجع فيها إلى أهل الاختصاص، لا إلى أصحاب الحضور الصوتي أو المهارة في إثارة التعاطف. إذ لا اعتبار في المسائل التي تمس سلامة الناس لعلو النبرة، ولا لقوة الانفعال، ولا لقدرة المتحدث على استمالة الجمهور، ما لم يقترن ذلك بسند علمي معتبر، أو دليل موضوعي صالح للاحتجاج. فالمعيار الحاكم في هذا المقام ليس من يثير وجدان المتلقي، بل من يقدم تفسيرًا صحيحًا، وتشخيصًا منضبطًا، وحلًّا مؤسسًا على المعرفة والخبرة .

 

ولما كان الثابت أن بعض الطروحات الإعلامية قد انحرفت بالنقاش من دائرة البحث العلمي إلى دائرة الاستعراض العاطفي، فإن هذا الانحراف لا يمكن اعتباره مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هو في حقيقته عدول عن مقتضى المهنية، وإهدار لقيمة التخصص، وإساءة مباشرة إلى حق الجمهور في تلقي المعلومة الدقيقة من مصدرها الصحيح. ذلك أن وضع الرأي المجرّد في مرتبة مساوية للرأي الفني المتخصص يُمثل خلطًا غير جائز بين ما هو انطباعي وما هو علمي، وبين ما يُقال للتأثير وما يُقال للاستدلال .

 

ومن حيث إن التطاول على أهل العلم أو الانتقاص من المتخصصين حال عرض آرائهم لا يقدح في قيمة ما يقدمونه من معرفة، وإنما يكشف عن عجز قائله عن مناقشة المضمون مناقشة موضوعية؛ إذ إن القاعدة المستقرة في كل نقاش منضبط تقضي بأن تُواجه الحجة بالحجة، والدليل بالدليل، والنتيجة بما ينقضها من برهان، لا بالتجريح، ولا بالمقاطعة، ولا بالتشويش، ولا بإثارة الجمهور على حساب الحقيقة. ومتى انصرف المتحدث عن مناقشة الفكرة إلى النيل من صاحبها، قامت قرينة قوية على افتقاره إلى الرد العلمي، واستعاضته عن البرهان بوسائل لا قيمة لها في ميزان العقل ولا في منطق المسؤولية .

 

كما أن اختزال القضية في ثنائية مضللة من قبيل الرحمة في مواجهة القسوة يُمثل تبسيطًا مخلًا، لا يستقيم مع طبيعة الملفات العامة التي تتصل بحياة الناس وأمنهم الصحي والبيئي. فالرحمة في معناها الصحيح لا تعارض التنظيم، ولا تناقض العلم، ولا تُستخدم ذريعةً لتعطيل السياسات الرشيدة، وإنما تتكامل مع المعالجة المنضبطة التي توازن بين الاعتبارات الإنسانية ومقتضيات السلامة العامة. أما تحويل العاطفة إلى أداة لإبطال رأي المختص، فليس دفاعًا عن القيم، بل عدوانٌ على المنهج .

 

ومتى كان الأمر كذلك، فإن الواجب يقتضي التأكيد على أن المنابر الإعلامية ليست ساحاتٍ لتسويق الانفعال، ولا مسارح للتطاول على أهل الخبرة، ولا فضاءاتٍ لمنح الشرعية لمن لا يملكون من أدوات النقاش سوى المزايدة والتأليب الوجداني. بل إن مسؤوليتها المهنية والأخلاقية تفرض عليها أن تُحسن اختيار المتحدثين، وأن تُراعي التناسب بين نوع القضية وطبيعة من يتناولها، وأن تُقدّم المختص في مقام الاختصاص، وألا تجعل من الجهل رأيًا موازيًا للعلم، ولا من الهوس بديلًا عن المعرفة .

 

وبناءً عليه، فإنه يتعين تقرير ما يلي :

 

• أولًا : أن مناقشة القضايا العلمية يجب أن تكون محكومة بأهلية المتحدث وسلامة المرجعية التي يستند إليها .

 

• ثانيًا : أن مخالفة المختص لا تكون معتبرة إلا إذا أُسست على دليل يكافئ قوله أو يفنده وفق أصول العلم .

 

• ثالثًا : أن الإساءة إلى العلماء أو الانتقاص من الخبراء لا تمس الحقيقة التي يعرضونها، بل تُسقط فقط عن المسيء أهلية التناول الجاد .

 

• رابعًا : أن المتاجرة بالعاطفة، أو توظيف الاستدرار الوجداني في ملفات الصحة العامة، يُعد صورة من صور الإفساد المعرفي، لما يترتب عليه من تضليل للرأي العام وصرفٍ للنقاش عن محله الصحيح .

 

إن احترام التخصص ليس مجاملة لأصحابه، بل التزام تفرضه المصلحة العامة. وإن الاحتكام إلى العلم ليس خيارًا تجميليًا، بل واجب تمليه طبيعة القضايا التي تتصل بحياة الناس وأمنهم. فمن شاء أن يناقش مسألة علمية، فليدخلها من باب العلم. ومن شاء أن يعارض رأي المختص، فليأتِ بما يصلح لمعارضته من برهان. أما الاكتفاء بالهوى، والاستعراض، وتحريك العاطفة في غير موضعها، فليس من قبيل حرية الرأي، بل من قبيل العبث الذي لا يجوز أن يُقام مقام المعرفة، ولا أن يُترك له المجال ليزاحمها .

 

لقد سقط القناع؛ فالمسألة لم تعد خلافًا في الرأي، بل صارت افتضاحًا صريحًا لمن يتاجرون بالعاطفة حين يعجزون عن مجابهة الدليل ومن يهاجم المختص لأنه لا يستطيع نقض قوله، لا يسيء إلى العلم، بل يعلن هزيمته أمامه أما المنابر التي تفتح أبوابها لهذا العبث، فهي لا تدير حوارًا، بل ترعى فوضى فكرية تُهين وعي الناس وتبتذل القضايا العامة. ولهذا يجب أن تُقال الكلمة بلا تجميل .

 

لا كرامة لخطاب يتهكم على التخصص، ولا اعتبار لصوتٍ يعلو بغير علم، ولا مكان في القضايا العلمية لمن لا يملك إلا الصراخ، لأن الجهل إذا لبس ثوب الرحمة ظل جهلًا، وإذا صعد المنصة ظل سقوطًا .

 

وهنا تنتهي كل الأقنعة، ويتبين للناس أن الفرق شاسع بين من يحمل علمًا فينطق، ومن يحمل هوى فيضج، وأن الأول يخدم المجتمع وإن خالف المزاج، أما الثاني فلا يخدم إلا جهله وإن صفّق له الجمهور .

زر الذهاب إلى الأعلى