الدين و الحياة

هذا ما تكشفه لنا صفحات التاريخ في هذه المحطة الفاصلة من رحلة النبوة.

سلسلة التاريخ من وراء الستار

 

هذا ما تكشفه لنا صفحات التاريخ

في هذه المحطة الفاصلة من رحلة النبوة.

ليست كل اللحظات التاريخية تُقاس بعدد من شهدوها، بل بما تركته من أثر في مصير الأمم. وهناك أيام تبدو في ظاهرها مجرد كلمات تُقال، لكنها في الحقيقة تكون بداية انهيار عالم كامل وولادة عالم جديد.
بعد سنوات من الدعوة الهادئة التي بُنيت فيها القلوب فردًا بعد فرد، جاء اليوم الذي خرجت فيه الرسالة من البيوت إلى العلن، ومن دائرة المؤمنين القليلة إلى أسماع مدينة بأكملها. يوم لم يكن مجرد إعلان دعوة جديدة، بل إعلان مواجهة بين فكرٍ جاء ليحرر الإنسان، ونظامٍ اعتاد أن يحتكر الحقيقة والسلطة معًا.
على صخور جبل الصفا وقف رجل واحد، لكن خلفه كانت تقف رسالة ستعبر القرون، وأمامه مجتمع لم يكن يدرك أن التاريخ على وشك أن ينقسم إلى ما قبل هذه اللحظة وما بعدها. هناك ارتفع الصوت لأول مرة ليخاطب الجميع، وهناك بدأت واحدة من أعظم المواجهات الفكرية والعقائدية في تاريخ البشرية.
فكيف استقبلت مكة هذا النداء؟ ولماذا تحولت كلمات قليلة قيلت على جبل الصفا إلى حدث غيّر مسار الجزيرة العربية، ثم غيّر وجه العالم كله؟
هذا ما تكشفه لنا صفحات التاريخ في هذه المحطة الفاصلة من رحلة النبوة.
بقلم / محمد مصطفى كامل
ليست كل الثورات تبدأ بالسلاح.
وليست كل المعارك تُخاض في ميادين القتال.
فبعض المعارك تبدأ بكلمة.
كلمة واحدة فقط،لكنها تكون كافية لتهز أفكارًا عاشت قرونًا، وتربك أنظمة ظنت أنها خالدة، وتدفع التاريخ إلى طريق لم يكن يتوقعه أحد.
وهكذا كان الأمر في مكة.
فبعد سنوات من الدعوة السرية، وبعد أن تشكلت النواة الأولى للمؤمنين، جاء الوقت الذي لم يعد فيه الصمت ممكنًا.
لقد انتهت مرحلة بناء الصف الأول.
وحان وقت المواجهة.
ليس مع جيش،بل مع عقلية كاملة.
ومع نظام اجتماعي واقتصادي وديني ظل يحكم مكة لعقود طويلة.
ومن هنا بدأت واحدة من أهم لحظات التاريخ.
حين جاء الأمر الإلهي
لم تكن الدعوة الإسلامية مشروعًا بشريًا يتصرف صاحبه فيه كما يشاء.
ولهذا لم يكن إعلان الرسالة قرارًا سياسيًا اتخذه النبي (ص) في لحظة مناسبة.
بل جاء بأمر إلهي واضح.
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾
وهنا انتهت مرحلة السرية.
لم يعد المطلوب بناء الأفراد فقط.
بل مواجهة المجتمع بالحقيقة الجديدة.
وكان هذا التحول أخطر بكثير مما يبدو.
لأن الرسالة لم تكن تضيف صنمًا جديدًا إلى قائمة الأصنام.
بل كانت تهدم الفكرة كلها من أساسها.
جبل الصفا، حين خرجت الرسالة إلى العلن
اختار النبي (ص) أن يجمع بطون قريش عند جبل الصفا.
وهو مكان اعتاد العرب أن يُنادى منه عند وقوع أمر خطير.
فلما اجتمعوا، سألهم سؤالًا بسيطًا،
أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا خلف هذا الوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟
فأجابوا جميعًا تقريبًا، ما جربنا عليك كذبًا.
وهنا تظهر واحدة من أعظم المفارقات في التاريخ.
فالرجل الذي شهد له قومه بالصدق المطلق، سيصبح بعد دقائق موضع أعنف هجوم منهم.
قال لهم إنه نذير لهم بين يدي عذاب شديد.
ودعاهم إلى عبادة الله وحده.
في تلك اللحظة لم تكن المشكلة في شخص المتحدث.
بل في الرسالة التي يحملها.
لماذا خافت قريش؟
قد يظن البعض أن الخلاف كان دينيًا فقط.
لكن قراءة التاريخ تكشف صورة أوسع.
فمكة لم تكن مجرد مدينة تعبد الأصنام.
بل كانت الأصنام جزءًا من نظام اقتصادي واجتماعي كامل.
القبائل تأتي للحج.
والأسواق تزدهر.
والنفوذ الديني يمنح قريش مكانة خاصة بين العرب.
وحين جاءت الرسالة الجديدة، لم تهدد معتقدًا فحسب.
بل هددت شبكة مصالح كاملة.
ولهذا فهم زعماء قريش مبكرًا ما لم يفهمه كثير من الناس.
فهموا أن القضية أكبر من كلمات تُقال.
إنها مشروع تغيير شامل.
أبو لهب، أول إعلان للرفض
ومن بين الحاضرين برز صوت الرفض الأول.
أبو لهب,عم النبي (ص).
وهنا تظهر مفارقة أخرى من مفارقات التاريخ.
فأول من تصدى للرسالة لم يكن رجلًا غريبًا.
بل كان من أقرب الناس نسبًا.
وكأن التاريخ أراد أن يعلن منذ البداية أن معايير القرابة والدم لن تكون هي معيار الموقف من الحق.
ومن تلك اللحظة بدأ الانقسام.
لم يعد المجتمع المكي كتلة واحدة.
بل أصبح هناك مؤمنون ومعارضون ومترددون ومراقبون.
وبدأت مرحلة جديدة بالكامل.
حين بدأت الحرب على الفكرة
في البداية لم تلجأ قريش إلى العنف.
فهي لم ترَ في الأمر خطرًا وجوديًا بعد.
حاولت السخرية أولًا.ثم التشويه.
ثم نشر الشائعات.فمرة تقول إنه شاعر.
ومرة كاهن.ومرة ساحر.
لكن المشكلة كانت أكبر من كل ذلك.
فالناس الذين عرفوا محمدًا (ص) منذ طفولته لم يستطيعوا بسهولة تصديق تلك الاتهامات.
ولهذا بدأت المواجهة تأخذ شكلًا آخر.
مواجهة بين فكرة جديدة تريد تغيير الإنسان.
ونظام قديم يريد البقاء كما هو.
ما الذي تغيّر في ذلك اليوم؟
في ظاهر الأمر لم يحدث شيء كبير.
لم تسقط الأصنام.
ولم تدخل القبائل في الإسلام جماعات.
ولم تتغير خريطة الجزيرة العربية.
لكن التاريخ لا يُقاس دائمًا بما يظهر للعين.
ففي ذلك اليوم خرجت الرسالة من دائرة المؤمنين القليلة إلى فضاء المجتمع كله.
وأصبح من المستحيل إعادتها إلى الصمت.
لقد عبرت الدعوة نقطة اللاعودة.
ومنذ تلك اللحظة لم يعد السؤال !
هل ستواجه قريش الرسالة؟
بل أصبح السؤال !
إلى أي مدى ستذهب في محاربتها؟
يقف المؤرخ أمام يوم الصفا بوصفه أحد أكثر الأيام تأثيرًا في تاريخ الإنسانية.
ليس لأنه شهد معركة.
ولا لأنه أسقط نظامًا.
بل لأنه شهد ولادة المواجهة بين فكرتين.
فكرة ترى أن الإنسان يُحرَّر بالتوحيد والعدل.
وفكرة تريد بقاء الواقع كما هو مهما كان ثمن ذلك.
ومن فوق جبل صغير في مكة، بدأت رحلة طويلة من الصراع والصبر والثبات.
رحلة ستقود إلى التعذيب والمقاطعة والهجرة والحروب.
لكنها ستقود أيضًا إلى ميلاد حضارة جديدة.
ولم تكن قريش تعلم أن الكلمات التي سمعتها يوم الصفا لن تبقى داخل مكة طويلًا.
فقد خرجت الرسالة إلى العلن.
وبدأ معها فصل جديد من التاريخ.
فكيف ردت قريش عندما فشلت السخرية وفشلت الاتهامات؟
وكيف تحولت المواجهة الفكرية إلى اضطهاد وتعذيب للمؤمنين الأوائل؟
ذلك ما سنكشفه في المقال القادم إن شاء الله.
حين أصبح الإيمان جريمة،
سنوات الاضطهاد الأولى في مكة
من سلسلة التاريخ من وراء الستار .

زر الذهاب إلى الأعلى