أدب وثقافةالدين و الحياةمقالاتمنوعات

وانقضت العشر الأولى

وانقضت العشر الأولى

بقلم: إسراء محمد

وانقضت العشر الأولى من ليالي شهر رمضان, ويبقى في الذاكرة إحساس مختلط بالفرح والرهبة, بالنجاح والتقصير, وكأن الوقت نفسه يراقبنا في صمت هذه الأيام العشرة. لم تكن مجرد صفحات تتبدل في التقويم بل كانت اختبارًا صامتًا لصدق نوايانا, ولمقدار التزامنا بأنفسنا قبل كل شيء.

لقد استقبلنا هذا الشهر الكريم منذ أيام بقلوب متوقعة ملأناها بالوعود وبالخطط, وعاهدنا أنفسنا على أن يكون رمضان هذا العام مختلفًا, رمضان نصحو فيه لنتقرب من أنفسنا, ومن خالقنا, رمضان نصنع فيه لأنفسنا نسخة أفضل. في البداية كان الحماس سيد الموقف, نستيقظ قبل الفجر, نطيل السجود والدعاء, ونشعر بأن السماء أقرب مما عهدنا. نعد أنفسنا لأيام صافية ونضع أهدافًا كبيرة, ونأمل أن نخرج من كل يوم ونحن إلى الله أقرب, وأقرب إلى الصفاء الداخلي. لكن مع مرور الأيام يظهر السؤال الصامت: هل ما نقوم به نابع من صدق وإخلاص, أم مجرد روتين تتسرب فيه العادة؟, هل نعيش لحظة الصيام والقيام, أم ننسى المعنى الحقيقي خلفها؟.

العشر الأولى هي الفرصة الذهبية للعودة إلى الذات لإعادة ترتيب الأولويات, ولمراجعة القلوب, فهي لا تختبر صبرنا فقط, بل تكشف صدق نوايانا, قد نجد أنفسنا أحيانًا في طريق الصواب, وفي أحيان أخرى ننحرف قليلًا, لكن المهم أن نستمر في المحاولة دون استسلام, رمضان ليس مجرد طقوس, بل هو رحلة داخلية عميقة تقربنا من ذواتنا وتذكرنا بأن التغيير يبدأ بالوعي, وأن كل لحظة فرصة للتصحيح…

في هذه الفترة نتعلم أن الحماس وحده لا يكفي وأن الإرادة تحتاج إلى صقل بالصدق والوعي, كل دعاء صادق, وكل لحظة صمت, كل تصرف خفيف من القسوة, وكل كلمة طيبة لها أثر أعمق مما نتصور. رمضان يعلمنا الصبر ويعلمنا أن نزن بين طموحنا وواقعنا, بين شغف البداية واستمرارية العمل, بين الرغبة الحقيقية والنية الصادقة. وفي كل يوم من هذه الأيام نختبر أنفسنا ونتعلم كيف نحافظ على صدقنا حتى في أصعب اللحظات,

وانقضت العشر الأولى, لكن الطريق لم ينته, الباب مفتوح أمامنا لإعادة ترتيب ما فات, ولتعويض ما تأخر. العشر الوسطى ليست أقل قيمة, بل ربما تكون أكثر تأثيرًا حيث يخف صخب البداية, ونبدأ في سماع صمت قلوبنا بوضوح, هناك وفي هذا الصمت يظهر الصدق الحقيقي مع النفس, وتصبح القرارات أكثر وضوحًا, والأفعال أكثر دقة. هذه الفترة فرصة لتصحيح المسار قبل أن ينتهي الشهر, ولإعادة اكتشاف معنى الصيام والقيام في أسمى صوره.

أؤمن أن لكل واحد منا لحظة خاصة في رمضان لحظة صمت ومصالحة مع الله تتكشف فيها القلوب, وتسيل فيها دموع لم تذرف من قبل, لحظة يذوب فيها كل ما يثقلنا وتصبح الحياة أكثر وضوحًا وسلامًا, وهذه اللحظة مهما بدت صغيرة, هي قادرة على تغيير المسار وإعادة ترتيب الأولويات وترك أثر دائم في النفس, إنها اللحظة التي تجعلنا ندرك قيمة كل دقيقة, وتمنحنا القدرة على الاستمرار في الطريق الصحيح, ليس فقط حتى نهاية الشهر, بل طوال حياتنا…

ما زالت الأيام القادمة تحمل فرصًا لا تعد ولا تحصى, ولحظات يمكن أن نضع فيها بصمة صادقة في قلوبنا, وفي حياة من حولنا, لا نحتاج إلى تزييف المشاعر, ولا إلى التظاهر بالإخلاص, فالقلب الصادق يرى أثر أعماله حتى وإن كان خفيًا عن الآخرين, إن خرجنا من رمضان بقلب أخف وبروح أصفى وبنية صادقة, فقد نجحنا حتى ولو لم نحقق كل أهدافنا المرسومة على الورق…

أتخيل أحيانا وجوه من أحبهم وهم يبتسمون, وأدعو أن يلمس رمضان قلوبهم كما لمس قلبي, تلك الأمنية الصغيرة رغم بساطتها تحمل دفئًا داخليًا لا يقدر بثمن, ففي هذه اللحظات نتعلم أن رمضان ليس فقط عن الصيام والقيام, بل عن المشاعر التي نرعاها داخلنا, عن القرب الذي نشعر به وعن السلام الذي نمنحه لأنفسنا قبل أن نمنحه للآخرين, هذه المشاعر هي ما يجعل رمضان شهرًا مميزًا, شهرًا للصفاء الداخلي والعودة إلى ما هو أصيل فينا.

وانقضت العشر الأولى لكنها لم تنه المسيرة, بل ربما بدأت الرحلة الحقيقية الآن, فلنجعل ما تبقى من رمضان مختلفًا, لا بقرارات صاخبة, بل بخطوات ثابتة وصادقة. تترك أثرًا حقيقيًا في قلوبنا, لنخفف من جلد الذات, ونزيد من محاسبة القلب, نترك المقارنات جانبًا, فنحن نسير في طريقنا الخاص, ولكل منا رحلته ولكل قلب وقته. هذه هي الحرية الحقيقية في رمضان, أن نكون صادقين مع أنفسنا قبل أن نكون صادقين مع الآخرين. وعندما ينتهي رمضان لن يسألنا أحد عن عدد الختمات أو الركعات, ولن يهتم أحدٌ بعدد الموائد أو الصور, السؤال الحقيقي سيكون ماذا تغير فينا؟, وما الخلق الذي اكتسبناه؟, ما العادة التي تركناها خلفنا؟, وما الذنب الذي قررنا ألا نعود إليه؟.هذه هي المقاييس التي تحدد نجاحنا وتخلد أثر رمضان في حياتنا النجاح الحقيقي هو أن يترك رمضان أثرًا في قلوبنا ويصبح نقطة تحول نحو الأفضل.

وانقضت العشر الأولى, لكن الأمل لم ينقض, الباب مفتوح والسماء أقرب مما نتصور والفرص لا تزال حاضرة أمامنا لنعيش رمضان بصدق وإخلاص, فلنغتنم الأيام القادمة, ولنحول هذا الشهر المبارك إلى نقطة تحول حقيقية في حياتنا, ولنصنع بصمة صادقة تظل معنا إلى ما بعد رمضان, فربما لا يكون التغيير الضخم هو ما يصنع الفارق, والقرار الصادق الهادئ الذي يتخذ في منتصف الطريق ويستمر بثبات وإخلاص.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى