مقالات

وزير التعليم وطريق الإصلاح..

عندما تتحول المعالجة من المسكنات إلى بناء منظومة جديدة

وزير التعليم وطريق الإصلاح..

عندما تتحول المعالجة من المسكنات إلى بناء منظومة جديدة

بقلم / ممدوح عكاشة
ليس من الإنصاف أن نحكم على إصلاح التعليم من خلال قرار واحد، أو نختزل سنوات طويلة من أزمات المنظومة في مشكلة امتحان أو كثافة فصل أو تغيير نظام الثانوية العامة. فالتعليم المصري يحتاج إلى إصلاح عميق ومتدرج، لأن المشكلة لم تكن في المناهج وحدها، وإنما في منظومة كاملة تراكمت فيها الأعباء على الطالب والمعلم والأسرة والمدرسة.
وفي هذا السياق، جاءت تحركات الدكتور محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، لتفتح ملف الإصلاح من أكثر من اتجاه، بداية من محاولة معالجة الكثافات، وإعادة تنظيم العملية التعليمية، وتطوير المناهج وطرق التقييم، والاهتمام بالتعليم الفني، وصولًا إلى إعادة النظر في شكل المرحلة الثانوية ومساراتها. وقد عرضت الوزارة أمام شركاء التنمية عددًا من الإصلاحات التي تنفذها ومستهدفاتها للمرحلة المقبلة.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من الفصل
لا يمكن أن نتحدث عن تعليم جيد بينما يقف المعلم أمام عشرات الطلاب داخل فصل مزدحم، ولا يستطيع أن يمنح كل طالب حقه في الشرح والمتابعة والتقييم.
ولهذا فإن معالجة كثافات الفصول ليست مجرد إجراء إداري، بل هي جزء أساسي من إصلاح التعليم. وتكشف بيانات وزارة التربية والتعليم أن مشكلة الكثافة كانت تاريخيًا من أكبر التحديات التي تواجه المنظومة، ولذلك أصبح التوسع في الأبنية التعليمية والحلول البديلة أحد محاور الإصلاح.
لكننا هنا أمام رسالة مهمة: بناء مدرسة جديدة مهم، لكن بناء إنسان جديد هو الهدف الأكبر.
المعلم.. حجر الأساس
وإذا كان الطالب هو محور العملية التعليمية، فإن المعلم هو من يصنع هذا المحور على أرض الواقع.
ولذلك فإن أي إصلاح لا يضع المعلم في مقدمة أولوياته سيظل إصلاحًا ناقصًا. فالمعلم يحتاج إلى تدريب حقيقي، وبيئة عمل مستقرة، واحترام مجتمعي، وتقدير مادي ومعنوي يتناسب مع حجم رسالته.
وتؤكد الوزارة نفسها أن المعلم يمثل حجر الأساس في نهضة الوطن، كما أنشئت منظومة للرعاية الاجتماعية للعاملين بالتعليم بهدف توفير مظلة دعم ورعاية لهم.
المعلم ليس موظفًا يؤدي ساعات عمل.. المعلم هو شريك الدولة في صناعة المستقبل.
من الحفظ إلى الفهم
ومن أهم معالم طريق الإصلاح أن ينتقل التعليم المصري تدريجيًا من ثقافة الحفظ واسترجاع المعلومات إلى ثقافة الفهم والتفكير والبحث والابتكار.
فالعالم لم يعد ينتظر من الطالب أن يحفظ كتابًا، وإنما يريد طالبًا يستطيع أن يحلل، ويناقش، ويستخدم التكنولوجيا، ويحل المشكلات، ويبتكر.
وهنا تظهر أهمية تطوير المناهج وأساليب التقييم، وربط التعليم بالمهارات التي يحتاجها سوق العمل والمستقبل الرقمي.
لكن الإصلاح يحتاج إلى صبر
وهنا يجب أن نكون منصفين.
لا يمكن أن نطالب الوزير بإصلاح عقود من التحديات خلال عام أو عامين. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تكون كلمة “الإصلاح” غطاءً لأي قرار لا يحقق مصلحة الطالب والمعلم.
الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى قياس مستمر للنتائج، والاستماع إلى المعلمين، وأولياء الأمور، والطلاب، ومديري المدارس، وأهل الخبرة، وليس فقط الاعتماد على التقارير المكتبية.
فالقرار الذي ينجح على الورق قد يفشل داخل الفصل، والقرار الذي يبدو مثاليًا في الوزارة قد يحتاج إلى تعديل عندما يلامس الواقع.
طريق الإصلاح.. ما المطلوب؟
نحن لا نحتاج إلى تغيير كل شيء في كل عام، وإنما نحتاج إلى استراتيجية ثابتة تستمر مهما تغير الأشخاص.
نحتاج إلى:
رفع كفاءة المعلم وتحسين أوضاعه.
تقليل كثافات الفصول بصورة مستمرة.
تطوير المناهج بعيدًا عن الحشو.
محاربة الدروس الخصوصية من خلال تقديم تعليم مدرسي حقيقي.
تطوير التعليم الفني وربطه بسوق العمل.
استخدام التكنولوجيا دون أن تتحول إلى بديل عن المعلم.
إعادة الانضباط للمدرسة.
تطوير منظومة الامتحانات بما يقيس الفهم وليس الحفظ.
إعطاء المدرسة ومديرها مساحة أكبر للإدارة الفعلية.
والأهم: إعادة الثقة بين الطالب والمعلم والمدرسة والأسرة.
كلمة أخيرة
إنجاز وزير التعليم لا ينبغي أن يقاس بعدد القرارات التي أصدرها، وإنما بما تتركه هذه القرارات من أثر في الفصل، وعلى المعلم، وفي مستوى الطالب.
والحقيقة أن طريق إصلاح التعليم طويل، لكنه ليس مستحيلًا.
لقد بدأنا نرى محاولات لمعالجة مشكلات حقيقية وتطوير هيكل المنظومة، ويبقى التحدي الأكبر هو أن يتحول الإصلاح من قرارات مكتوبة إلى واقع يشعر به الطالب والمعلم وولي الأمر.
فالتعليم ليس وزارة فقط، وليس وزيرًا فقط، وليس امتحانًا فقط.
**التعليم قضية وطن.. وإذا صلح التعليم، صلح معه مستقبل الوطن كله.**

زر الذهاب إلى الأعلى