النقد الأدبي

يوميات رمضانية لإمرأة في ديار الغربة

يوميات رمضانية لإمرأة في ديار الغربة

سمرا عنجريني إنموذجا
أياد حسين جاسم النصيري

يوميات رمضانية هي نصوص مفتوحة تعالج الواقع المأزوم والمتفرد في اشكالية التشابك في معطيات الحياة اليومية – نوع تتخذه الكاتبة عبر ماتجري من احداث يومية شكلت ذكريات في ذاكرتها مع نصوصها المفتوحة وتلاحمت مع الحدث اليومي بشكل خاطرة -امرأة جادة تلخصها باتقان عبر فكرة تختزنها ذاكرتها بارض الغربة–سمرا عنجريني- تلك التي تطير بجناحي يمامتيها تحتضنهما اينما رحلت واينما استقرت-قد جاهدت وضحت وعبرت حدود الوطن تتعدّى كتابة اليوميات سرد أحداث يومياتها، فهي ببساطة تدوين “ما يعني لها قد تتحوّل اليوميات إلى روايةٍ أو مذكرات ربما تكون صالحة للنشر وهذا مؤكد وأجمل ما فيها أنها كتبت من دون هذا الهاجس.
((شعلتُ سيجارتي النعنع بأنامل مرتعشة وأنا أشهدها على ندبة تركتها رصاصة طائشة استقرت في صدري كذكرى من وطن وعلى خراب حب كبير كان حاضري وغدي، رددتُ بصوت عال ( العيدُ أكذوبة الفقراء الصادقين، أيشترون لأطفالهم رغيف الخبز أم دبابة من البلاستيك..!!??
وأنت تمشطين أرصفة الغربة صديقتي بلا أهل ودار ، خطواتك نار تحرقك بحنين ،
فتلوذي بدمعة تسقطيها جزافاً في بحر أسود يفهمك بلا حديث ..)
نكتة ما استطعتُ أن أضحك لها أرسلها على الخاص ذاك الرفيق ، كانت خارجة من القهر وصديقتي تذكرني بألم))
فن كتابة اليوميات تجمع بين القصص والخواطر والرسائل و هي من أوسع المجالات وتحتاج لأن نركز أثناء الكتابة على أمور كثيرة خاصة أن الأديبة ((سمرا عنجريني)) تكتب الخاطرة وهي ملمة بادواتها وليس للمرة الاولى تخوض كتابة الخواطر بتفوق وهي تنشر يومياتها على القراء ليتحقق التقارب و المتعة و الفائدة
يعتصر روحها الالم والحزن رغم كل هذه المسافات والاحلام والمواجع والتأملات–صور مزدحمة في قاموسها شكلت مفرداتها لوحات عديدة هي تشاكل عفوي
يومياتها الرمضانية كانت حكايات والم وغربة وتوجع واحلام نصوص هي قدرة الغاوي على الإقناع، ومنهج اللذة تخلصا من الكبت القاهر
((كل ليلة ، قبل أن يلتحفني حلم ما ، أشعل فتيل ضياء في قلبي ، أقلِّب صفحات دفاتري فأجد بقايا لأوراق كثيرة منتزعة
بعضها كان يحتل مساحة فرح في عمري
مزقتها عاصفة هوجاء بلا ذنب بقيت على الهامش حروف تتراكض هنا وهناك تفتش عن نعش..
بقايا أخرى تخزِّن رائحة المسك ، أقبلها بدمعة حانية سقطت كحبة لؤلؤ من عقد صبري ، فأومئ لقمر اسطنبول ” اِلقي نورك على زهر الليمون في وطني ، على عينيّ طفلة ترقب بيوت النمل ، عن وجوه أحبتي أضحت بلا ملامح في استقبال العيد ،
أخبرني كيف اتحرر من صخب الاشتهاء والتمني))
القارئ هو مكتشف إيقاع الحيوية والكاتبة (( سمرا عنجريني)) هنا هي تؤمن بحرية التعبير-تتحدى الريح وحلكة الظلام- تبدد الخوف في روحها امرأة ناضجة شجاعة -قد اتعبها الانتظار في طوابير المغتربين طويلا كي تحصل على تاشيرة -او أقامة-او توقيع- للحصول على هوية تستنزف حقيبتها اليدوية بدفع الليرات– حتى سرى الخدر والالم في كاحل قدميها والم الوجع لظهرها -وسرى ذلك الألم على عنقها ووجع الكاتبة لهذا الالم وهومفتاح للحدث اليومي لكتاباتها في نصوص منفتحة على البحث عن الحقائق تصل إلى اليقين لذلك نراها تطرح أسئلة كثيرة ومتعددة تكون أكثر تجريدًا وغالبًا لا يظهر ذلك في الفضاء الزمكانى العام الذي تتحرك فيه من خلال خيوطه العريضة ومن المفيد في هذا الاتجاه أن يكون الحوار ثريًا بالتحاليل والكشف عن الحقائق والتأمل في علاقة الإنسان بالوجود.

((أكملتُ يومي في مشفى هادئ إلا من حفيف أقدام وآاااهات ألم إنسانية
على وسادتي ثلاثة كلمات حب تركية تطن في أذني من قبل ببغاء ذكورية
أغلقت نافذة كنت أطلُّ بها بشغف الروح على سطور يخطها كاتب باع ظله في حرب نفسية ..
رنين الموبايل اقتحم عزلتي الصباحية
” رقم خاص ”
وريقات وردة حمراء تناثرت ، مصيرها محتوم في حاوية البلدية ، ” لست للتفاوض ”
” صباح الخير ياوطني ‘
وحدك باقي في بؤبؤ عينيّ العسلية))
غالبًا ما يكون ضمير المتكلم مُفضلاً في هذا الاتجاه عن ضمير الغائب لأن السرد هنا بضمير المتكلم غالبًا ما يكون له علاقة ما بالمؤلف نفسه وبالتالي فإنه يُقدم أنموذجًا واعيًا لأسلوب القص الذاتي ولكن بعيدًا عن فضاء اليوميات أو المذكرات وحتى السيرة الذاتية لأنه غالبًا ما تقود سرديات الذات عندما تتعمق في بحثها وغوصها في قضايا الوجود وحقيقته، والعدم والروح لتصل إلى مقاربات صوفية بغض النظر عن قوتها أو توازيها مع مقاربات الفلاسفة الصوفيين القدامى، فإنها تفرز بعضًا من روحها التي تُنقّيها الفلسفة وتصحبها إلى الحقائق الكبرى.

(( (( وانا صغيرةكنت أجري إلى فناء حديقة بيتنا الخلفي ، أقيس طولي مقارنة بارتفاع شجرة الصنوبر فأرسم خطاً على جذعها وأضحك ، صداقتي الأولى كانت مع دود التربة الأحمر ، أحصي مساكن النمل وأتعلم من صعقة البرق أن العالم متقلب وغير ثابت وأن المستقبل قد يُسْرَق منا في أية لحظة وأن السماء ملأى بصواعق برقية باستطاعتها سحق الصغار والكبار على السواء فأستوعب الحقيقة القاتلة “أننا راحلون ” بكل احتمالات الحياة))
أما الجانب الأدبي و الصيغة الفنية في كتابة يومياتها فهي اعتمدت على المباشرة و الحميمية و اختيار أبسط الكلمات و أصدق الجمل. لأن الصراحة و الصدق ركنان أساسيان في تدوين يومياتها فهي صادرة من القلب لأن كل ما يصدر من القلب يصل بسهولة إلى القلوب الأخرى
النص المفتوح عند ((سمرا)) قطيعة الاقتراح وبديل الراكد سرا مكسورا على وجه الماء الذي لا يريها ذاتها ولا يكشف إشكاليه من يكون أبن هذا الجيل الحداثوى الذي يريد ان يرى دون ان يتمكن؟ يريد ان يكتب ولا يغير تراكيب بناءه بعلمية حاضر ذكي متحضر.
((أفكر في ريح صامتة افترشت قلبي تشبه دوامة المحيطات ، بسماء اسطنبول المنذرة بأشكال لانهائية من الأمطار وكتل ضبابية تعثرت بها كثيراً فأصبحت امرأة عيناها قلب يخفق برائحة الغار والزعتر الحلبي ،
وضميرها بساط أخضر يغفو عليه تاريخ وطن احترقت تربته فأزهر بدعاء
نسمات غريبة وأنغام مختلفة سكنتني بصمت أنيق بعد ألم كبير كما جريان نهر يلقى حتفه في معانقة شلال عنيد وهو سعيد ..
مازال في جعبتي الكثير من الحب الأمين))
النص المفتوح في يومياتها حتما هو من سيفلت من المقصات الدامغة التي تعكر صفو التمازج بالفن القائم الحاد المتوازن الرفيع المهيمن على الأفكار المنفلتة من سلطة الذوق السائد في بناء النص المزيل للكومة العالية المتراكمة من الفوضى، بالنظام المبيت بين تلافيف عقولنا المتفردة
(( ثمن رغيف الخبز أهم من قراءة كتاب ..
أشيّدُ جسراً جديداً لنصف روحي حتى أخففَ ألماً عاد بعد سبات
وأوجه لنصغي الثاني سؤال..
و.مذا بعد
إنَّه يومُك الرمضاني صباحُكَ الجديد أيتها التائهُ في البلاد البعيدة.
تنفَّسْي بعمق، اشحني الذاكرةَ جيِّدا،ً احفظي صْورَ بلدك والأصدقاءِ ولا تخطئي. انظرْي حولك جيَّداً… لعلك يوم ما لن ترى هذه البلادَ مرَّة أًخرى
مصابيحُ الشارع الطويل طقس حكاية تبحر بي نحو اتجاه معين ، ” الشام ”
فأرى علماً تعصف به الريح لكنه ثابت في عمق الأرض كالسنديان يستريح على مقابر تغص بالشهداء))
.. يتراوح السرد في النص بين نعومة الاستقصاء..وبين احداث اليوميات عند (سمرا) و اقتحام دوائر اللهب. و بشكل عام فإن قصص الذكريات و التغلغل النفسي والاستبطان تتميز بحميمية وتوتر و قلق مساوق في نفس الوقت الذي تتدرج فيه السياقات في دروب تحاول أن تلمس الجوانب الخبيئة للنفس.. إن الأحداث(باطنية) و التطور تمثله المونولوجات الداخلية و الرؤى الذاتية و التصور الراسم الرؤيوي و لن نرى أحداثًا خارجية كبيرة بل إن التطور الدرامي يعتمد على تدرج الشحنات الوجدانية تصاعدًا كلما اقتربنا من بؤرة التذكر أو الاكتشاف النهائي المراد
((خيلٌ عربي نسي أصالته وفارس أخير اخذته الغفلة فسَرقت سلاحه لعنة وبدل أن يفتح عينيه ليرى ويفهم دخل سباتاً شتوياً
ليستريح من عناء التفكير بتكفير..
أمسح قطرات ماء تساقطت شوقاً من عينيّ أشير إليك ياوطني..
“وحدك الباقي في صباحي
فهل تسمعني))
هكذا قرأت سمرا عنجريني من خلال يومياتها الرمضانية وتابعتها على مدار شهر باكمله وهي تكتب وتنشر عبر صفحتها الرسمية اخيرا وانا اسئل وهي تخط عبارات يومياتها واقرأ
((أما زلتِ تكتبين
القصة هي هي ..لكن البطل هنا استثناء
إنه الشعر يارفيقي))

أياد النصيري-العراق- 2018 قراءة في يوميات رمضانية للكاتبة السورية المغتربة سمرا أحمد عنجريني

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٢‏ شخصان‏، و‏‏منظر داخلي‏‏‏

الوسوم

صدى مصر

كاتب ومراسل اخباري, محلل سياسي يهتم بالقضايا المصرية والاقليمية وشؤن التعليم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: