مقالاتمنوعات

أثر لا يُمحى…جذور من النور: في رحاب الذاكرة.. بقلم : ولاء إبراهيم

هكذا عشتُ مع جدي عمراً كاملاً فيه رائحة الفجر وصدى التلاوة

أثر لا يُمحى…جذور من النور: في رحاب الذاكرة..

هكذا عشتُ مع جدي عمراً كاملاً فيه رائحة الفجر وصدى التلاوة

 

الإسكندرية. بقلم : ولاء إبراهيم

حين تُكتب سيرة الكبار، لا تقاس الأعوام بالسنوات التي نُحصي فيها بل بما تتركه في الأرواح من أثر لا يُمحى. وحين أتأمل شريط طفولتي، أجد أن سبع سنوات فقط كانت كافية لأحمل عن جدي الراحل “الحاج السعيد المحمدي” إرثاً روحياً وإنسانياً كأنني عشتُ في ظلاله دهراً بأسره.

“سماهم على وجوههم”…..

جلال النور وسكينة العبادة……

​كان وجهه منيراً مضيئاً، تجلت فيه آية “سماهم على وجوههم من أثر السجود”. لم يكن مجرد جد في العائلة، بل كان مدرسة قائمة بذاتها في العبادة وحسن الخلق. ما زال رنين صوته العذب يتردد في أذني وهو يتلو القرآن الكريم ويُرتله بخشوع، وما زالت نبراته الشجية في الابتهالات والتواشيح الدينية تُلامس شغاف قلبي حتى اليوم، فتدمع عيناي كلما سمعتها، تماماً كما كان يفعله هو.

​كانت تفاصيل يومه منضبطة على إيقاع المسجد؛ يواظب على الصلوات الخمس في بيت الله الطاهر ، ويسكن في وجداني صوت نعله وهو يطرق درجات السلالم بهدوء قُبيل فجر كل يوم، ليُبكر إلى الصلاة. أما ليله، فكان مطوياً على طاعة الله، حيث ينام فور صلاة العشاء ليستيقظ نشيطاً في جوف الليل متهجداً ومستعداً لصلاة الفجر في جماعة.

كان بيت جدى “​بيت للخير.”…..

. والوجه الآخر للدفء العائلي….

​لم يقتصر أثر جدي على الجانب الروحي، بل امتد ليكون نبضاً للمجتمع المحيط به؛ فبيته كان واسع الأرجاء، يملؤه الخير والبركة. هناك، وُلدت معاني الكرم الأصيل، فهو يكرم الضيف ويحنو على الضعيف، وكان طابعه الإيثار وحب الناس. أتذكر فى عيد الأضحى كيف كان يذبح الذبائح ويغمرنا بالعطاء، ومقولته الشهيرة التي تفيض كرماً: “كلوا اللحمة بالعيش، مش عيش باللحمة”.

​وفي كنف هذا البيت الكبير، كانت الحياة تضج بالدفء والتعاون؛ فترى نساء العائلة والجيران يجتمعن في محبة مع عمتي وزوجة عمي ، لخبز العيش البلدي في الفرن المنزلي الكبير الذي يكفي الدار شهوراً، في صورة تكافل اجتماعي وأسري نادر.

​تفاصيل أصيلة لا تُنسى….

​للكبار طقوسهم الحبيبة التي تُشبه قلوبهم، وجدي – رحمه الله – كان يحب “الحلو” لأنه كان جميلاً وحلو المعشر. أذكره تماماً وهو يستمتع بأكلاته البسيطة والمحببة؛ كالبامية التي كان يفضل تناولها في اليوم الثاني أكثر من يوم طبخها، ويأكل معها الفلفل الأخضر والخبز الطازج، فضلاً عن حله للزيتون والحلاوة والمربى.

​ميراث الروح……

​اليوم، وحين أجلس مع نفسي طويلاً، أكتشف كم ورثتُ عنه دون أن أدرري؛ أحب جداً قراءة القرآن وترتيله، وتطرب روحي للابتهالات والتواشيح الدينية، بل وتشاركني ملامحه حتى في أبسط تفاصيل الأكل والذوق.

​لقد رحل الجسد وبقي الأثر. رحم الله “الحاج السعيد المحمدي”، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عني وعن كل من عرفه خير الجزاء…

 

زر الذهاب إلى الأعلى