مقالات

أمل محمد أمين تكتب: في زمن الأزمات… كيف نحمي أبناءنا من الخوف؟

أمل محمد أمين تكتب: في زمن الأزمات… كيف نحمي أبناءنا من الخوف؟

حين تمرّ البلاد بظروف استثنائية، لا تبقى آثارها في حدود السياسة أو الاقتصاد، بل تمتد إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية داخل البيوت. تتغير نبرة الحديث، وتزداد متابعة الأخبار، ويتسلل القلق إلى ملامح الكبار قبل الصغار. وفي هذه اللحظات، تصبح الأسرة خط الدفاع الأول عن التوازن النفسي للطفل.

الأزمات بطبيعتها تولّد شعورًا عامًا بعدم اليقين. ومع تصاعد الأخبار والتوقعات، قد يفقد بعض الآباء هدوءهم، أو ينشغلون بتداعيات الوضع المعيشي، ما ينعكس مباشرة على الأبناء. فالطفل لا يقرأ التحليلات السياسية، لكنه يقرأ وجوه والديه جيدًا. إذا شعر أن الأمان اهتز عند الكبار، يبدأ خوفه الخاص في التكوّن.

الضغط الاقتصادي أحد أبرز التأثيرات التي قد تطال الأسرة خلال الأزمات، وهو ما يفرض تغييرات في نمط الإنفاق أو في أسلوب الحياة. هنا تبدأ أسئلة الأطفال: لماذا تغيّر كل شيء؟ هل نحن في خطر؟ هل سننتقل من بيتنا؟ مثل هذه الأسئلة طبيعية، بل وصحية، لأنها تعني أن الطفل يحاول فهم ما يدور حوله.

المشكلة لا تكمن في السؤال، بل في طريقة الإجابة. فالطفل لا يحتاج إلى تفاصيل مرهقة، ولا إلى وعود غير واقعية، بل إلى رسالة واحدة واضحة: “أنت في أمان، ونحن معًا”. الصدق المتوازن هو القاعدة الذهبية؛ نقرّ بوجود أزمة، لكن نؤكد أن هناك جهات تعمل للحماية، وأن الأسرة تتخذ ما يلزم من احتياطات.

كثير من الأطفال قد لا يعبّرون عن خوفهم بالكلمات. يظهر القلق أحيانًا في صورة صعوبة في النوم، أو تعلق زائد بالأم، أو نوبات غضب غير مبررة. هنا يأتي دور الوالدين في التقاط الإشارات الخفية. فالتجاهل قد يضخم المشاعر، بينما الاحتواء يخفف حدتها.

والحفاظ على الروتين اليومي قدر الإمكان يعدّ عنصرًا أساسيًا في تعزيز الشعور بالاستقرار. مواعيد النوم، أوقات الدراسة، الجلوس العائلي… كلها رسائل غير مباشرة بأن الحياة مستمرة رغم كل شيء. كما أن تقليل التعرض المفرط للأخبار، خاصة أمام الأطفال، يحميهم من تضخيم المخاوف.

وعندما يسأل الطفل: “هل أنت خائف يا أبي؟” لا بأس من الاعتراف بشعور القلق، لكن مع التأكيد على القدرة على التعامل معه. فالشجاعة التي نريد أن نغرسها في أبنائنا ليست غياب الخوف، بل القدرة على السيطرة عليه.

إن الأزمات، مهما بدت قاسية، يمكن أن تتحول إلى دروس عملية في الصبر والتماسك والتعاون. حين يرى الطفل والديه يتحاوران بهدوء، ويتخذان قرارات مدروسة، ويتجنبان الانفعال، فإنه يتعلم معنى المسؤولية وضبط النفس.

كل هذا يعني أننا لا نستطيع أن نمنع العالم من أن يمر بأوقات صعبة، لكننا نستطيع أن نمنح أبناءنا بيئة آمنة داخل المنزل. فالطفل لا يحتاج إلى واقع خالٍ من الأزمات، بقدر ما يحتاج إلى قلب مطمئن يرشده، وصوت هادئ يجيبه، ويدٍ تمسك بيده وسط العاصفة.

وهكذا، قد تكون الأزمة نفسها فرصة خفية لبناء جيل أكثر وعيًا وصلابة، إذا أحسنّا نحن الكبار إدارتها.

زر الذهاب إلى الأعلى