أدب وثقافةمقالات
أيُّ تاريخٍ ستقرأه الأجيال؟. بقلم: غدير حميدان الزبون. فلسطين
يا صاحِ، واللهِ هذا زمانٌ تتشابكُ فيه الحكاياتُ كتشابكِ الطرقِ في ليلٍ بلا دلائل، وتتعالى فيه الأصواتُ حتى يلتبسَ الصدى بالأصل، ويغدو الخبرُ روايةً، والروايةُ دعوى، والدعوى يقينًا يُساقُ إلى الناسِ سوقًا.
وها نحنُ في مفترقِ السرديات، فلا يكفي أنْ نسمع، وإنما ينبغي أنْ نُبصِر ما وراء السمع، ولا أنْ نقرأ السطور بقدر ما نقرأ ونعي ما بين السطور، وما وراء السطور، وما أُريدَ للسطور أنْ تُخفيه.
أمّا بعد، فإنّ التاريخَ يا رفيقَ السؤال نصٌّ تُعيدُ كتابتَه الأيدي، وتُشكِّلُه المصالح، وتلوِّنه الأهواء.
فكم من حادثةٍ وُلدت بسيطةً، فكبُرت في أفواه الرواة حتى صارت أسطورة، وكم من حقيقةٍ ساطعةٍ طُمِست لفرطِ وضوحها الذي لا يُرضي. وهنا يضيقُ الخناقُ على الوعي، إذ يجدُ نفسَه بين سَيلين: سيلِ الوقائع، وسيلِ تأويلها، ولا يدري أيُّهما أصلٌ وأيُّهما فرع.
يا هذا، إنّ السرديةَ ليست كذبًا صريحًا دائمًا، فقد تكونُ صدقًا مبتورًا، أو حقًّا أُريدَ به غيرُ الحق.
وإنّ أخطرَ ما في زمننا البراعة في صياغة الأكاذيب، إذ تُلبسُ لبوسَ الحقيقة، وتستعيرُ منطقَها حتى إذا استقرّت في الأذهان صارت جزءًا من الذاكرة، والذاكرةُ كما تعلم أمُّ التاريخ.
ومن هنا تنهضُ مسؤوليةُ المثقّف ليكون شاهدًا، وفاعلًا أخلاقيًا في معركة المعنى.
فعليه أنْ يُمحِّص، ويُقارن، ويكشفَ الخيوطَ الخفيّة التي تنسجُ الحكاية.
كما عليه أنْ يسأل: من يروي؟ ولماذا يروي؟ ولمن تُروى الحكاية؟
فإنّ كلّ سردٍ يحملُ في طيّاته مقصدًا، وكلّ حكايةٍ تُخفي وراءها إرادة.
يا صاحِ، إنّ الحيادَ في زمن الالتباس انحيازٌ مقنَّع، والصمتُ عند تضارب السرديات مشاركةٌ في ترجيح كفّةٍ على أخرى، ولو بغير قصد.
وإنّ المثقّفَ الذي يلوذُ بالمسافةِ خوفًا على صورته، إنما يُسهمُ في تشويه الصورة الكبرى.
فلا بدّ له من جرأةٍ تُنقذه من التواطؤ الصامت، وبصيرةٍ تُنقذُه من الوقوع في فخّ السردية الأقوى صوتًا.
ثمّ إنّ الحقيقة وإنْ تاهت في الزحام لا تموت؛ لكنها تحتاجُ من ينقِّب عنها.
تحتاجُ عقلًا يقظًا لا يكتفي بالجاهز، وضميرًا لا يساوم على المعنى، ولسانًا يُحسنُ القول عندما يكثرُ اللغط.
وهنا يكونُ دورُ المثقّف بأنْ يُعيدَ ترتيب الفوضى، ويفتحَ نافذةً للمعنى.
فيا مَن تسأل: أيُّ تاريخٍ ستقرأه الأجيال؟
اعلم أنّ الأجيالَ تقرأ ما كُتب عمّا كان، وما استقرّ في الذاكرة من صوره.
فإنْ تركنا السردياتِ الضبابيّة تعبثُ بالحقيقة قرأوا تاريخًا مُشوَّهًا، وإنْ نهضنا لتمحيصها قرأوا تاريخًا أقربَ إلى العدل.
ويبقى السؤالُ معلقًا، ويعاتبنا:
أيُّ تاريخٍ سنتركه لهم؟
أهو تاريخُ الضجيج، أم تاريخُ البصيرة؟
أهو تاريخُ الغلبة، أم تاريخُ الحقيقة؟
ذلك يا صاحِ، ما نكتبه الآن، وإنْ ظننّاه عابرًا.





