إليسا في قرطاج…
حين تصعد النجمة إلى المسرح ويصمت الكلام
بقلم/ المعز غَنِـي
في قرطاج، لا تكفي الأضواء لتصنع ليلة إستثنائية، ولا يكفي الإسم الكبير ليمنح الحفل قيمته… فالمسرح الروماني العريق لا يستقبل الفنانين كما تستقبل بقية المسارح، لأن من يصعد إلى ركحه يدخل في مواجهة مباشرة مع التاريخ، مع ذاكرة آلاف السنين، ومع جمهور تونسي يعرف جيدًا كيف يصفّق، وكيف يحب، وكيف يحاسب أيضًا.
وفي هذه الليلة، كان الموعد مع إليسا، الفنانة اللبنانية التي أختارت أن تفتح قلبها من جديد لجمهورها التونسي، وأن تجعل من ركح مسرح قرطاج الدولي مساحة للغناء، والحنين، والذكريات، وتلك التفاصيل الصغيرة التي تجعل الأغنية أكبر من مجرد لحن وكلمات.
إليسا لم تأتِ إلى قرطاج لتغني فقط…
جاءت لتستعيد مع جمهورها فصولًا من حكاية طويلة، عنوانها الحب، وذاكرتها الأغنية، وأبطالها جمهور لا يزال يؤمن بأن بعض الأصوات لا تُسمع بالأذن فقط، وإنما تُلامس شيئًا عميقًا في القلب.
قرطاج… الإختبار الأصعب
الصعود إلى قرطاج مسؤولية قبل أن يكون مجدًا.
فهنا غنّت أسماء عربية وتونسية وعالمية تركت بصمتها في الذاكرة، وهنا تحوّلت بعض السهرات إلى محطات فنية لا تنسى، وباتت أصداء التصفيق فيها جزءًا من تاريخ المهرجان.
لذلك فإن حضور إليسا على هذا الركح ليس مجرد موعد فني عابر، بل هو لقاء بين نجمة عربية لها جمهور واسع وبين مسرح له هيبته الخاصة.
والسؤال الذي يفرض نفسه دائمًا:
هل تستطيع النجمة أن تمنح قرطاج ليلة تليق بقرطاج؟
في حالة إليسا، الإجابة لا تُكتب بالحبر، بل تُكتب بأصوات الجمهور، وبحجم التفاعل، وباللحظة التي يصبح فيها آلاف الحاضرين صوتًا واحدًا يردد كلمات الأغاني ويحفظ تفاصيلها عن ظهر قلب.
إليسا… إمرأة تغني من جراحها
ربما سرّ إليسا الحقيقي لا يكمن فقط في صوتها، بل في قدرتها على تحويل الألم إلى أغنية، والانكسار إلى لحن، والانتظار إلى مساحة من البوح.
هي فنانة أستطاعت طوال مسيرتها أن تقترب من الجمهور لأنها لم تقدم نفسها كصوت بعيد خلف الأضواء، بل كإنسانة تشبه الكثيرين في ضعفها وقوتها، في حبها وخيباتها، في فرحها وحزنها.
ولهذا أرتبطت أغنياتها بذاكرة أجيال كاملة.
هناك من سمع إليسا لأول مرة وهو يعيش قصة حب، وهناك من أرتبطت أغنية من أغانيها بذكرى شخص غائب، وهناك من وجد في كلماتها شيئًا لم يستطع أن يقوله بنفسه.
وهنا تكمن قوة الفن الحقيقي:
أن تقول الأغنية ما يعجز الإنسان عن قوله.
ليلة لبنانية بروح تونسية
وما أجمل أن تلتقي الأغنية اللبنانية بالجمهور التونسي.
فبين تونس ولبنان حكاية طويلة من المحبة والتقارب الثقافي والفني، من المسرح إلى الموسيقى، ومن الدراما إلى الشعر، ومن بيروت إلى قرطاج.
وفي تونس، لا يحتاج الفنان اللبناني إلى كثير من المقدمات.
الجمهور التونسي يعرفه، يتابعه، ويحفظ أغانيه، ويمنحه من الحب ما يجعل المسافة بين بيروت وتونس مجرد تفاصيل جغرافية لا معنى لها أمام لغة الفن.
وفي قرطاج تحديدًا، يصبح هذا التقارب أكثر وضوحًا.
تونس تصغي إلى لبنان، ولبنان يغني لتونس، وبينهما جمهور يصنع من اللحظة الفنية ذاكرة جديدة.
لكن… هل تكفي النجومية؟
وهنا لا بد من قول شيء آخر، بعيدًا عن المجاملة.
مهرجان قرطاج الدولي أكبر من أسماء الفنانين، وأكبر من الحملات الترويجية، وأكبر من عدد الصور والفيديوهات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي الفايسبوك والتويتر وواتسآب ومنصة ايكس وغيرها من المواقع الإلكترونية والرقمية .
قرطاج مؤسسة من مؤسسات الذاكرة الثقافية التونسية.
ولهذا فإن كل فنان يعتلي ركحه مطالب بأن يقدم أكثر من حفلة ناجحة.
مطالب بأن يقدم قيمة فنية.
مطالب بأن يحترم الجمهور الذي دفع ثمن التذكرة، وأنتظر طويلًا، وجاء من مدن بعيدة ليعيش لحظة ربما لن تتكرر.
والنجومية الحقيقية لا تقاس بعدد المتابعين ولا بحجم الشهرة، وإنما بقدرة الفنان على جعل الجمهور يخرج من الحفل وهو يقول:
كانت ليلة تستحق أن تُعاش.
إليسا والجمهور… الحكاية التي لا تحتاج إلى وسيط
حين يردد الجمهور أغاني الفنان معه، تتغير طبيعة العلاقة.
لا يعود هناك فنان في جهة وجمهور في جهة أخرى.
تسقط المسافة.
تختفي الحدود.
ويصبح المسرح قلبًا واحدًا ينبض على إيقاع واحد.
وهكذا تصبح أغنية قديمة فجأة جديدة، وتتحول ذكرى شخصية إلى ذكرى جماعية، ويجد كل شخص في المدرجات جزءًا من حكايته داخل صوت الفنان.
تلك هي معجزة الموسيقى.
أن يجلس آلاف الأشخاص غرباء عن بعضهم البعض، ثم تجمعهم أغنية واحدة.
قرطاج لا يصفق للنجمة فقط… بل يختبرها
وهذه هي الحقيقة التي يجب ألا نخاف من قولها:
قرطاج لا يمنح صكوك النجاح مجانًا.
الجمهور التونسي ذواق، عنيد في أختياراته، شديد الحساسية تجاه الفن الحقيقي، وقادر على رفع الفنان إلى السماء عندما يشعر أنه أحترم ذوقه، وقادر أيضًا على أن يعلن خيبته عندما يشعر أن ما قُدم له أقل من إنتظاراته.
لذلك فإن ليلة إليسا في قرطاج ليست مجرد إحتفال بإسم فني لامع، بل هي إمتحان جديد يضاف إلى مسيرتها.
والنجاح في قرطاج له طعم مختلف.
لأن التصفيق هنا يأتي من مدرجات شهدت تاريخًا طويلًا من الفن، وكأن الحجارة القديمة نفسها تحفظ أصوات من مروا من هنا.
وفي النهاية…
إليسا في قرطاج ليست مجرد فنانة لبنانية على مسرح تونسي.
إنها صورة أخرى من صور التواصل العربي الذي لا يحتاج إلى جواز سفر.
هي بيروت وهي تغني في قلب قرطاج.
وهي تونس وهي تفتح ذراعيها لصوت عربي أحبته الأجيال.
وبين المسرح والجمهور، بين الضوء والليل، بين الأغنية والذاكرة، تُكتب ليلة جديدة في دفتر مهرجان قرطاج الدولي.
قد تنطفئ الأضواء بعد إنتهاء الحفل…
وقد يغادر الجمهور المدرجات…
وقد تُطوى الكراسي وتعود قرطاج إلى صمتها العتيق…
لكن الأغنية الحقيقية لا تنتهي عندما ينتهي الحفل.
تبقى في القلب.
وتلك هي مهمة الفنان الحقيقي:
ألا يجعلنا نسمعه فقط…
بل يجعلنا نشعر بأن جزءًا من حياتنا كان يغني معنا.
إليسا… غنّت في قرطاج، لكن السؤال الأجمل ليس: ماذا غنّت؟
السؤال هو:
ماذا تركت في قلوب الذين جاءوا ليستمعوا إليها؟
فالفنان قد يعتلي ألف مسرح…
لكن قليلًا من المسارح تستطيع أن تمنحه الخلود.
وقرطاج… واحد من تلك المسارح.
هنا نابل بقلم المعز غَنِـي.
كاتب وإعلامي من مدينة نابل .
عاشق الترحال وروح الاكتشاف.







