الأسرة… حين يكون بناء البيت بداية بناء الوطن
الأسرة… حين يكون بناء البيت بداية بناء الوطن
بقلم: د.م. مدحت يوسف
في خضم هذا الزخم الحياتي الذي نعيشه جميعًا وبين تسارع الأحداث والانشغال بتفاصيل الحياة أصبحنا في حاجة إلى أن نذكر أنفسنا دائمًا بالثوابت التي تقوم عليها حياتنا امتثالًا لقوله تعالى ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
دعونا نعود إلى البداية… إلى أول أسرة عرفتها البشرية.
خلق الله سبحانه وتعالى آدم عليه السلام ثم خلق منه حواء لتبدأ رحلة الإنسان على الأرض. ومن هذا الزوج الكريم جاءت البشرية كلها رجالًا ونساءً وأبناءً وبنات ليكون أساس الحياة هو الأسرة وليكون استقرارها أساس استقرار المجتمع كله.
فالأسرة ليست مجرد علاقة تجمع رجلًا وامرأة وإنما هي ميثاق غليظ ورسالة ومسؤولية وشراكة في بناء أجيال تحمل القيم والأخلاق وتصنع مستقبل الأوطان.
وعندما يتزوج الرجل والمرأة فإن كلًا منهما ينتقل من بيت كان يعيش فيه تحت رعاية والديه إلى بيت جديد يؤسسانه معًا. ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة لها حقوق وعليها واجبات نظمها الله سبحانه وتعالى بأعظم نظام يحقق العدل والاستقرار.
فجعل الله الرجل قائمًا على أسرته بما يحمله من مسؤولية في الرعاية والإنفاق والحماية والتوجيه. وهذه القوامة ليست تشريفًا بقدر ما هي تكليف ومسؤولية سيحاسب عليها أمام الله.
وفي المقابل كرم الله المرأة أعظم تكريم فجعلها سكنًا لزوجها وملكة في بيتها وأوجب لها النفقة والرعاية والاحترام وصان كرامتها وأعطاها ذمة مالية مستقلة فلا يحق لأحد أن يتصرف في مالها دون رضاها حتى زوجها.
ولها أن تعمل ولها أن تحتفظ بمالها كاملًا ولها أن تساهم في نفقة بيتها إن أرادت أو باتفاق بينها وبين زوجها وليس ذلك واجبًا عليها بل هو من الإحسان والمودة بين الزوجين.
أما الرجل فإن إنفاقه على زوجته وأبنائه واجب شرعي ومسؤولية لا يجوز أن يتخلى عنها لأنها أمانة حمله الله إياها.
إن الحياة الزوجية ليست ميدانًا لإثبات من الأقوى وليست ساحة للانتصار على الطرف الآخر وإنما هي علاقة تقوم على المودة والرحمة والتعاون والاحترام المتبادل وتحمل المسؤولية.
وليعلم كل زوج أن زوجته ليست كاملة كما أنه ليس كاملًا فالكمال لله وحده. وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى قاعدة عظيمة تحفظ البيوت وتديم المودة فقال لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر.
فالتغافل عن الهفوات والبحث عن المميزات وتقديم حسن الظن على سوء الظن هو الطريق الحقيقي لاستمرار الحياة الزوجية واستقرار الأسرة.
ومع حلول الإجازة الصيفية يكثر الزواج وتبدأ آلاف الأسر الجديدة رحلتها في الحياة. وهنا تبرز مسؤولية المجتمع بأسره وفي مقدمتها الأسر.
إن من أعظم أسباب نجاح الزواج أن يكون ميسرًا بعيدًا عن المغالاة في المهور وكثرة الاشتراطات والتكاليف التي تثقل كاهل الشباب منذ أول يوم في حياتهم الزوجية. فكثير من الزيجات تعطلت وكثير من الشباب تأخروا عن تكوين أسر بسبب مطالب لا تزيد الحياة إلا تعقيدًا.
إن البداية القوية للأسرة لا تبدأ بقاعة أفراح فاخرة ولا بمظاهر يتحدث عنها الناس أيامًا ثم تنتهي وإنما تبدأ بالمودة والرحمة وحسن الاختيار والتفاهم والاحترام وتحمل المسؤولية.
فلنيسر زواج أبنائنا وبناتنا ولنبتعد عن المبالغة في المهور والطلبات ولنغرس فيهم أن قيمة الإنسان في دينه وأخلاقه وعلمه وقدرته على تحمل المسؤولية لا فيما يملكه من مال أو مظاهر.
إن الأسرة التي تسهل الزواج لأبنائها تسهم في بناء مجتمع أكثر استقرارًا وتحفظ أبناءها وبناتها من كثير من التحديات والفتن وتفتح لهم بابًا لبداية حياة مستقرة تقوم على الحب والرحمة.
كما أن على كل شاب أن يدرك أن الزواج ليس احتفالًا ليوم واحد بل مسؤولية تمتد طوال العمر وأن الرجولة الحقيقية تظهر في حسن المعاملة والرحمة والعدل وتحمل الأمانة.
وعلى كل فتاة أن تدرك أن الله كرمها وأعلى مكانتها وجعلها شريكة في بناء الأسرة وصناعة الأجيال وأن نجاح الحياة الزوجية لا يكون إلا بالتفاهم والصبر والاحترام المتبادل.
إن الأسرة القوية تربي أبناء صالحين.
والأبناء الصالحون يبنون مجتمعًا قويًا.
والمجتمع القوي يصنع وطنًا قويًا.
لذلك فإن أعظم استثمار لأي أمة ليس في الأبراج ولا في الأموال وإنما في بناء الأسرة على الدين والقيم والأخلاق والوعي وتحمل المسؤولية.
فلنجعل بيوتنا مدارس للأخلاق ومصانع للقيم ومصدرًا للأمان والاستقرار.
ولنجعل شعارنا في كل بيت أن الحياة الزوجية تقوم على الرحمة قبل الحقوق وعلى التعاون قبل المطالبة وعلى الحوار قبل الخلاف.
ونسأل الله أن يبارك لكل زوجين وأن يؤلف بين قلبيهما وأن يرزقهما السعادة والمودة والرحمة وأن يرزقهما الذرية الصالحة وأن يحفظ أسرنا جميعًا وأن يجعل بيوتنا عامرة بالإيمان والاستقرار.
فإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع وإذا صلح المجتمع نهض الوطن.
حفظ الله بلادنا من كل سوء وشر






