مقالات

الأشياء التي تهرب منا دون أن نلاحظ

الأشياء التي تهرب منا دون أن نلاحظ

الأشياء التي تهرب منا دون أن نلاحظ

بقلم/نشأت البسيوني

 

تمتلئ الحياة بأشياء صغيرة تبدو غير مهمة لكنها تشكل جزءا كبيرا من ملامح أيامنا ورغم أننا نعيش بينها ونستخدمها ونعتاد وجودها إلا أن كثيرا منها ينسحب بهدوء من حياتنا دون أن نشعر فنحن لا ننتبه للحظة التي نفقد فيها صوتا كنا نسمعه كل صباح ولا نلاحظ متى توقفنا عن السير في طريق كنا نحبه ولا ندرك متى اختفى منا شغف كان يرافقنا ولا نلتفت لتلك التفاصيل التي تبتعد ببطء حتى

 

تصبح مجرد ذكرى غائمة لا نعرف متى بدأت ولا كيف انتهت

الأشياء التي تهرب منا لا تطرق الأبواب ولا تعلن رحيلها إنها تغادر بانسياب يشبه الماء حين يتسرب من بين الأصابع نائمين نحن في روتيننا لا ننتبه أن ضحكة كانت صادقة أصبحت أقل وضوحا ولا نفطن أن علاقة كانت مستقرة بدأت تهتز ولا نلحظ أن أحلاما كانت مشتعلة بدأت تبرد تدريجيا ولا ندرك أن لحظات الطمأنينة التي كنا

 

نعيشها صارت أقل حضورا لأننا نتعامل مع النعم كما لو أنها دائمة لا تزول بينما الحقيقة أن أكثر ما يفارقنا يذهب حين نظنه مضمونا

ومع مرور الأيام نجد أنفسنا نبحث عن تلك الأشياء التي هربت نحاول الإمساك بما تبقى منها نعيد ترتيب ذاكرتنا لنفهم كيف اختفت نحاول أن نتذكر اللحظة التي تغير فيها كل شيء لكننا لا نجدها لأن كل شيء لم يتغير فجأة بل تغير ببطء على شكل أيام

 

متشابهة ومواقف صغيرة وقرارات عابرة حتى اكتمل الانسحاب دون أن ننتبه وهذه هي المعضلة أن ما يرحل بصمت يترك أثرا أعلى مما يرحل بصوت هذه الأشياء الهاربة تعلمنا أن ننتبه لما نملك الآن أن نسمع الأصوات التي نسمعها اليوم لأننا قد نفتقدها غدا أن نتمسك بجلسة هادئة مع من نحب لأنها قد لا تتكرر أن نحتفظ بشغف صغير امتلكناه لأنه ليس مضمونا أن يبقى وأن نقدر تفاصيل

 

اليوم كما هي لأن كل تفصيلة مرشحة أن تكون آخر مرة دون سابق إنذار وربما أهم ما تعلمنا إياه أن الحياة ليست في الأشياء الكبيرة التي ننتظر وقوعها بل في الأشياء الصغيرة التي نغفل عنها وأن قيمتها لا تظهر إلا حين تختفي وأن الإنسان حين يفهم ذلك يبدأ في رؤية أيامه بشكل مختلف يبدأ في النظر بعين أكثر وعيا وقلب أكثر انتباها وروح أقل استهتارا بما حولها فيصبح أكثر قربا من نفسه

 

وأكثر قدرة على حفظ ما يستحق أن يبقى قبل أن يهرب مثل كل شيء جميل مضى دون أن ننتبه له

زر الذهاب إلى الأعلى