صدى مصرمقالاتمنوعات

 الإرهاب والكباب… وثقافة الإنجاز.  بقلم دكتور/ طارق هلال

 الإرهاب والكباب… وثقافة الإنجاز

 ضحكنا على «فوت علينا بكره يا سيد»… ولم ننتبه أن الإنجاز هو المعركة الحقيقية

 بقلم دكتور/ طارق هلال

ضحكنا جميعاً على فيلم «الإرهاب والكباب» عندما شاهدناه لأول مرة. ضحكنا على عادل إمام، ويسرا، وعلى مجموعة النجوم الذين صنعوا حالة كوميدية لا تنسى، واستمتعنا بأداء ممثلين يعرفون جيدًا كيف يحولون الموقف العادي إلى مشهد يظل في الذاكرة. وضحكنا على المعالجة الدرامية الذكية لشريف عرفة، وعلى ذلك العالم الغريب الذي وجد فيه المواطن نفسه فجأة وسط أزمة لم يكن يبحث عنها.

لكن المضحك أن الفيلم، رغم كل هذه الكوميديا، كان يحمل مأساة حقيقية ربما لم ننتبه إليها بما يكفي. مأساة اسمها: البيروقراطية!

الرجل لم يذهب إلى مجمع التحرير ليصنع ثورة، ولم يكن يبحث عن بطولة. كان يريد إنهاء مصلحة بسيطة، إجراء من الإجراءات التي يفترض أن تنتهي في دقائق، لكنه دخل إلى متاهة من النوافذ والتوقيعات والتعليمات و«مش عندي» و«روح للموظف اللي هناك» و«فوت علينا بكره يا سيد».

وهنا تكمن عبقرية الفيلم.

لقد جعلنا نضحك على شيء كان ينبغي أن يجعلنا نفكر. لأن «فوت علينا بكره» ليست مجرد جملة كوميدية. أحياناً تكون فلسفة عمل كاملة!

المواطن يأتي اليوم، فيقال له تعال غداً. يأتي غداً، فيكتشف أن الموظف المختص غير موجود. يأتي في اليوم التالي، فيقال له إن الورقة المطلوبة تغيرت. يأتي بالورقة، فيكتشف أن هناك توقيعا آخر. يحصل على التوقيع، فيقال له: «هات صورة منه».

ولم تكن المشكلة في «فوت علينا بكره يا سيد» وحدها. فقد كان في حياتنا دائماً «مدام عبير اللي في الرابع»، و«عم شوقي بتاع الأختام»… شخصيات ربما لم نحفظ أسماءها، لكننا حفظنا أدوارها جيداً. ناس علمت في حياتنا، وياما طلعتنا ونزلتنا السلالم بسببهم، من شباك إلى شباك، ومن مكتب إلى مكتب، ومن توقيع إلى توقيع!

واحد يقول لك: «الورقة دي مش عندي». والثاني: «لازم تعتمدها من الدور الرابع». والثالث: «عم شوقي هو اللي بيختم».

تطلع للدور الرابع، تكتشف أن مدام عبير في اجتماع. تنزل تبحث عن عم شوقي، تكتشف أنه في استراحة. ترجع تاني، فيقال لك بكل هدوء: «تعال بكرة». وهكذا لا تنجز مصلحتك فقط… بل تحصل أيضًا على تمرين مجاني على السلالم!

قد يبدو الأمر مضحكاً، وهو بالفعل كذلك عندما نشاهده في فيلم أو نحكيه بعد سنوات، لكن المأساة أن هذه التفاصيل الصغيرة قادرة على استنزاف وقت المواطن وطاقته، وتعطيل مصالحه، وتحويل أبسط الإجراءات إلى رحلة طويلة لا يعرف أحد متى تنتهي.

وهنا نصل إلى المفارقة الأكبر. نحن نعيش في زمن يستطيع فيه الإنسان أن يحجز طائرة، ويدفع فاتورة، ويشتري سلعة، ويتابع حسابه البنكي، ويتواصل مع شخص في أقصى العالم خلال دقائق، بينما قد يحتاج أحياناً إلى وقت طويل لإنهاء إجراء بسيط لأن «السيستم واقع» أو لأن «التوقيع

لسه مجاش».

والسيستم هنا ليس دائمًا جهاز الكمبيوتر. أحياناً يكون السيستم هو الإنسان نفسه. المشكلة إذن ليست في الموظف وحده، كما أنها ليست في المواطن وحده. المشكلة في منظومة تسمح بأن يصبح التعقيد هو القاعدة، والإنجاز هو الاستثناء.

ولنكن منصفين. الموظف نفسه قد يكون ضحية لهذه المنظومة. قد يكون مقيداً بتعليمات قديمة، أو إجراءات متراكمة، أو خوف من اتخاذ القرار، أو مسؤولية موزعة بين أكثر من جهة، فيجد أن أسهل طريقة لحماية نفسه هي ألا يفعل شيئاً.

وهنا تظهر الجملة الأشهر في الإدارة: «أنا مالي؟». ثم تأتي جملة شقيقتها: «دي التعليمات». ثم الجملة التي تغلق الملف تماماً: «إحنا بننفذ بس». وبذلك يصبح كل شخص منفذاً، ولا يصبح أحد مسؤولاً عن النتيجة.

وهذه هي المشكلة الحقيقية. الإدارة الناجحة لا تقاس بعدد الأوراق التي مرت من أمام الموظف، ولا بعدد التوقيعات التي جمعها، ولا بعدد المرات التي قال فيها «تم تحويل الطلب إلى الإدارة المختصة».

الإدارة الناجحة تقاس بسؤال بسيط جداً: هل تم إنجاز العمل؟ فالهدف من المؤسسة ليس أن تتحرك المعاملة بين المكاتب، وإنما أن تصل إلى نتيجة. والهدف من الموظف ليس أن يكون حارساً على ختم، وإنما أن يكون جزءاً من منظومة الإنجاز.

وهنا أعتقد أن رسالة «الإرهاب والكباب» ما زالت صالحة جداً لأن نتوقف أمامها. ليس المطلوب أن نحارب البيروقراطية بالصوت العالي، ولا أن نحول كل موظف إلى متهم، ولا أن نعتقد أن الحل في إلغاء القواعد.

نحن نحتاج إلى شيء أكثر عقلانية: أن نسأل عن كل إجراء: هل ما زال ضرورياً؟ وأن نسأل عن كل توقيع: ماذا يضيف؟ وأن نسأل عن كل خطوة: هل تحمي العمل أم تعطل العمل؟

وأن نجعل التكنولوجيا وسيلة حقيقية لتبسيط الإجراءات، لا مجرد تحويل الورق من ملف ورقي إلى ملف إلكتروني، ثم نطلب من المواطن أن يطبع النسخة الإلكترونية ويعود بها!

نحتاج أيضاً إلى ثقافة إدارية جديدة، يصبح فيها الموظف الذي ينجز عمله بكفاءة محل تقدير، وتصبح السرعة في إنهاء مصالح الناس قيمة مهنية، لا مجازفة يخشاها الموظف.

فالإنجاز ليس ترفاً إدارياً. إنه جزء من تقدم الدولة. الدولة التي تريد اقتصاداً قوياً تحتاج إلى موظف يساعد المستثمر بدل أن يرهقه، وتحتاج إلى إدارة تنجز بدل أن تؤجل، وتحتاج إلى مواطن يشعر أن وقته له قيمة.

والمفارقة أن الفيلم الذي جعلنا نضحك على كل هذا منذ سنوات، ربما كان يقول لنا ببساطة: انتبهوا… المشكلة ليست في الحكاية نفسها، وإنما في أن تتكرر الحكاية كل يوم.

وبالطبع، لا يمكن أن نحمل البيروقراطية وحدها مسؤولية كل ما تأخر في حياتنا، فالتقدم له أسباب كثيرة، والإصلاح عملية مستمرة، لكن لا يمكن أيضاً أن ننكر أن كل منظومة إنتاج تحتاج إلى إزالة العوائق التي تقف في طريقها.

وربما آن الأوان أن نخرج من الفيلم بجملة جديدة. بدلاً من «فوت علينا بكره يا سيد» نقول: «خلصها النهارده يا سيد». وبدلا من «دي مش شغلانتي»، نقول: «أوصلك لمين ينجزها». وبدلاً من «التعليمات بتقول»، نسأل: «وكيف نطبق التعليمات ونحقق الهدف في الوقت نفسه؟»

فالفرق بين إدارة تعطل المواطن وإدارة تخدم المواطن قد يكون أحياناً مجرد عقلية. والموظف الذي يفتح الباب أمام الإنجاز، بدل أن يغلقه أمام المواطن، لا يقدم خدمة لشخص واحد فقط، بل يضيف لبنة في بناء دولة أكثر كفاءة.

لقد ضحكنا على «الإرهاب والكباب» لأن الفيلم كان مضحكاً. لكن ربما تكون الضحكة الأجمل اليوم أن نشاهد الفيلم مرة أخرى، ثم نكتشف أن بعض مشاهده أصبحت من الماضي.

نستطيع أن نتجاوز البيروقراطية عندما يصبح إنجاز العمل ثقافة لا استثناء.

زر الذهاب إلى الأعلى