مقالات

الإعلامي الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : الغباء السياسي وإدارة الدول .

في عالم تُدار فيه الدول بعقول باردة وحسابات دقيقة، يبقى “الغباء السياسي” واحد من أخطر العوامل التي قد تُسقط أنظمة، وتُفكك مجتمعات، وتُدخل شعوبًا كاملة في نفق مظلم لا نهاية له.
الغباء هنا لا يعني نقص الذكاء العقلي فقط، بل سوء التقدير، وغياب الرؤية، والعناد في اتخاذ القرار، والتعامل مع الأزمات بمنطق اللحظة لا بمنطق الدولة.
السياسة ليست لعبة شعارات، بل فن إدارة المصالح. وحين يتحول القرار السياسي إلى رد فعل عاطفي أو حسابات شخصية ضيقة، تتحول الدولة إلى ساحة تجارب… والشعب إلى ضحية.
أولًا: عندما يتحول العناد إلى كارثة – مثال العراق
واحدة من أبرز صور الغباء السياسي في العصر الحديث، ما حدث في العراق قبل عام 2003.
فالتصعيد المستمر مع القوى الكبرى، ورفض تقديم تنازلات محسوبة، والدخول في مواجهات غير متكافئة، أدى في النهاية إلى غزو كامل، وسقوط الدولة، وتفكيك مؤسساتها.
الخطأ لم يكن فقط في المواجهة، بل في سوء قراءة ميزان القوى الدولي، والاعتقاد بأن الشعارات يمكن أن تواجه تحالفات عسكرية عالمية.
والنتيجة؟ دولة ما زالت تعاني من آثار القرار حتى اليوم.
ثانيًا: أوهام القوة – مثال ألمانيا النازية
في ثلاثينيات القرن الماضي، قادت القيادة الألمانية البلاد إلى الحرب العالمية الثانية، بدافع التوسع والسيطرة.
ورغم النجاحات الأولية، إلا أن التوسع غير المحسوب، وفتح جبهات متعددة في وقت واحد، كان قرارًا سياسيًا كارثيًا.
القيادة اعتقدت أنها قادرة على السيطرة على أوروبا بالكامل، لكنها تجاهلت عامل الزمن، والقدرة الاقتصادية، وتحالفات الخصوم.
وكانت النهاية: دمار شامل، وتقسيم دولة، وملايين الضحايا.
ثالثًا: تجاهل الشعوب – مثال الربيع العربي
في عدد من الدول العربية، كان الغباء السياسي واضحًا في تجاهل مطالب الشعوب لفترات طويلة.
الاعتماد على القبضة الأمنية فقط، دون إصلاح سياسي أو اقتصادي، خلق انفجارًا مفاجئًا.
في بعض الدول، أدى هذا الانفجار إلى سقوط أنظمة خلال أيام، وفي دول أخرى إلى حروب أهلية ما زالت مستمرة.
والخطأ هنا لم يكن في الاحتجاجات… بل في تجاهلها قبل أن تتحول إلى ثورة.
رابعًا: القرارات الاقتصادية غير المدروسة – مثال فنزويلا
فنزويلا كانت واحدة من أغنى دول العالم من حيث احتياطي النفط، لكنها تحولت إلى نموذج لانهيار اقتصادي حاد.
السياسات الاقتصادية غير المدروسة، والاعتماد الكامل على مورد واحد، إلى جانب قرارات سياسية ارتجالية، أدت إلى تضخم تاريخي، وانهيار العملة، وهجرة الملايين.
الدرس هنا واضح:
الثروة لا تحمي من الغباء السياسي… بل قد تُخفيه لفترة فقط.
خامسًا: الغباء في قراءة المستقبل
من أخطر أشكال الغباء السياسي، هو الاعتقاد بأن الواقع سيظل ثابتًا.
الدول التي لم تستعد للتغيرات التكنولوجية، أو التحولات الاقتصادية العالمية، وجدت نفسها خارج المنافسة.
هناك أنظمة كانت تملك كل شيء… لكنها خسرت كل شيء لأنها لم تُدرك أن العالم يتغير.
الخلاصة: متى تكون الدولة ذكية سياسيًا؟
الدولة الذكية ليست التي لا تخطئ… بل التي:
تقرأ الواقع كما هو، لا كما تريد
توازن بين القوة والحكمة
تستمع لشعبها قبل أن يصرخ
تتخذ القرار بناءً على معلومات لا انفعالات
تفكر في المستقبل، لا في المكسب اللحظي
كلمة أخيرة
الغباء السياسي لا يُكتشف فورًا… بل تظهر نتائجه بعد فوات الأوان.
وقد تمر سنوات قبل أن يدرك الشعب أن قرارًا واحدًا خاطئًا، كان كفيلًا بتغيير مصير أمة بالكامل.
وفي النهاية…
الدول لا تسقط فجأة، بل تسقط ببطء… حين يقودها قرار غبي.

زر الذهاب إلى الأعلى